{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

ألغاز ومآزق وطريق مسدودة

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
TT

{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»

مرّة أخرى تجد هوليوود لزاماً عليها إعادة تقديم شخصية مشهورة مستنبطة من صفحات الكوميكس. أفلام الكوميكس (أو «السوبر هيروز» كما يمكن تصنيفها) تنبع من تراث قديم لتقديم بطل خارق المواصفات يبطش بالأشرار ويساعد الأخيار والمجتمع ويعود في كل مرّة بحكاية يمارس فيها هذا الفعل. في كل مرّة هناك فيلم أفضل أو أسوأ من سابقه، يعتمد ذلك على قدرة المخرج لا على حسن التنفيذ فقط، بل على ثبات رؤيته وفرضها - ولو إلى حد - على الاستوديو.
في هذا النطاق، فإن أفلام شركة «ديزني» وشريكتها «مارڤل» في هذا المضمار، سادتها إرادة وتوجيهات الاستديو الذي كبّل معظم تلك الأفلام بتنميط متكرر وأسلوب سرد يعتقد أن التوقف عن اللهاث هو موت للفيلم.
«ذا باتمان»، كما ينجزه مات ريڤز يختلف. وجزء من اختلافه (جزء مهم فعلاً) هو أن شركة «وورنر» (التي تلتزم بإنتاج شركة DC التي كـ Marvel اشتغلت طويلاً على مجموعات أبطالها ورقياً قبل أن تبدأ الانتقال إلى الشاشة) منحت المخرج ما يكفي لبلورة رؤيته الخاصّة والتعامل مع شخصية باتمان في صورة جديدة تعنى بتحليلها والمجتمع الذي تعيش فيه.


لقطة من فيلم «باتمان»

- غوثام سيتي
إنها مدينة غوثام. هذه المدينة، في روايات DC خيالية، لكنها قد تكون أي مدينة أميركية ترتع فيها الجريمة وتحتاج إلى بطل يحررها. عادة ما تبدو رمزاً لمدينة نيويورك، لكنها قد تكون شيكاغو أو لوس أنجليس. مجرد استخدامها في سلسلة أفلام باتمان يحرر تلك الأفلام من الحاجة إلى ازدواجية المعايير فيما لو تم تحديدها. بكلمات أخرى، لو كانت نيويورك مثلاً لكان على نصف الفيلم أن يكون واقعياً ملتزماً بالأماكن والبيئة النيويوركية وكل ما تتألف منه، وفي ذلك تقليص لمدى قدرة الفيلم أن يكون خيالاً مطلقاً.
هناك، في الفيلم الجديد، قاتل مقنّع يرتكب جرائم متوالية، وأول جريمة يرتكبها هي قتل حاكم المدينة. في كل مرّة يترك لغزاً موجّهاً لباتمان (روبرت باتنسن) هو بمثابة تحدٍ لذكاء الرجل وقدراته. باتمان يحل كل لغز ليصطدم بالآخر وصولاً إلى معرفة القاتل (The Riddler) كما يؤديه بول دانو. على مسافة غير بعيدة منهما هناك مجرم آخر (قدمته أفلام باتمانية سابقة) هو «ذا بنغوين» (كولين فارل) ثم رئيس عصابة اسمه كارمن فالكوني (جون تورتورو). كل واحد من هؤلاء يحتل حيّزاً في مهام بطل الفيلم.
لكن الأمور، حسب سيناريو جيد في غالبه، ليست مجرد مناوشات وتحقيقات ومجابهات. بروس واين في حياته العادية (الذي يتحوّل إلى الرجل الوطواط لتنفيذ مهامه) يعاني من مسائل تتداعى من جديد. مسائل لها علاقة بحياته المزدوجة وبحقيقة أنه يكتشف أن ما يقوم به من بطولات لم يمنع، سابقاً، من انحدار المدينة إلى مرتع للجريمة. هذا يؤرقه لأنه مفتاح باب يطل منه على مسببات وجوده.
إلى ذلك، يذكّره مقتل الحاكم بمقتل والده. ومن ناحية ثالثة، يكتشف احتمال ألا يكون والده الشخص البريء من الفساد الذي يعم المدينة. هذا يقع عندما يكتشف واين/ باتمان وجود علاقة ما بين فالكوني وبين أبيه الراحل.
البوليس، كما يمثّله المحقق جيفري رايت لا يستطيع مجاراة باتمان لا في قوّته ولا في ذكائه. الحليف الوحيد هو كاتوومان (زاو كراڤيتز) التي تشترط ألا يتولّى باتمان قيادتها ولا سؤالها عن أساليب عملها.
في شخصيّتيه، كبروس واين وكباتمان، فإن هذا الرجل الممعن هنا في ذاته (أكثر من المعتاد في أفلام باتمان السابقة)، يعيش وضعاً من الكآبة. لجانب أنه يطرح على نفسه أسئلة شبه وجودية بات لا يثق بحلوله ولا بنجاح معاركه ضد الجريمة. نعم عليه أن يستمر، ليس هناك من طريق أخرى، لكنه ليس سوبرمان ولا سبايدر - مان ولا فلاش غوردون أو سواهم. كل واحد من هؤلاء يقفز فوق متاعبه الذاتية (إن وُجدت) مصرّاً على قهر العالم. باتمان بقدراته التي لا جدال فيها، يخضع أكثر منهم لمساءلة نفسه.
ليس فقط أن المخرج يضع له قوانينه هذه (شارك المخرج كتابة السيناريو مع بيتر كرايغ)، بل يمنحه البيئة البصرية والأجواء الفعلية التي تصاحبه. الدكانة جزء لا يتجزأ من شخصية البطل والمدينة والفيلم. هو، إلى حد بعيد، فيلم نوار بقدر ما هو فيلم سوبر هيرو.


مشهد من فيلم «غوثام سيتي»

- جذور
الأفلام الأخرى المماثلة لا تتمتع بهذا المنظور ولا بهذه المعالجة. هي بيضاء بقدر ما هذا الفيلم أسود. مشعّة بقدر ما هذا الفيلم مظلم، واستعراضية للقوّة بقدر ما القوّة هنا ليست الطرح الأول.
حتى بعض أفلام باتمان السابقة لا تتمتع بهذه الخصية التي يشارك بها هذا الفيلم ما قام به كريستوفر نولان عندما أخرج الأجزاء الثلاثة من «باتمانه» من دون أن يبلغ درجة فن نولان ومعالجته البديعة للحكايات التي أوردها.
بعد قيام بوب كاين وبل فينغر بنشر الحلقة الأولى من باتمان سنة 1939 في مجلة DC المنتمية، كسواها، لثقافة البالب فيكشن إنما المرسومة فيما عُرف ولا يزال يُعرف بمجلات الكوميكس. قامت هوليوود بنقل الشخصية إلى الشاشة العريضة لأول مرّة سنة 1943 في مسلسل فيلمي (حلقات من نحو 10 - 12 دقيقة كانت تعرض الواحدة منها قبل عرض الفيلم الأساسي كل أسبوع) بعنوان «باتمان» الذي أنتجته كولمبيا من إخراج لامبرت هيليَر. تبعه مسلسل آخر بعد ست سنوات بعنوان «باتمان وروبن» (حققه سبنسر غوردون بَنت).
أول فيلم من عرض واحد ورد سنة 1966 في «باتمان الفيلم» للسلي ماتنسون. هذا المخرج لم يكن بشهرة وقدرة كل من هيليَر وبَنت والفيلم لم يترك أثراً يُذكر. باتمان غاب عن السينما لخمسٍ وعشرين سنة قبل عودته في فيلم جيد (اكتفى باسم «باتمان») من إخراج تيم بورتن وبطولة مايكل كيتُن، والاثنان أنجزا الفيلم التالي، «باتمان يعود» سنة 1992.
تسلم المخرج جووَل شوماكر المهمّة في «باتمان للأبد» (بطولة ڤال كيلمر) و«باتمان وروبن» (بطولة جورج كلوني) ما بين 1995 و1997، والفيلمان كانا من أسوأ ما تم تحقيقه تحت غطاء هذه الشخصية. وبل أدى إلى انحسار الشخصية مجدداً حتى رفعها من جديد كريستوفر نولان في ثلاثيته «باتمان يبدأ» (2005) و«الفارس المعتم» (2008) و«الفارس المعتم يرتفع» (2017).
خلال الفترة حاولت وورنر توسيع رقعة هذه الشخصية بإدخال عناصر أخرى في ستة أفلام، أولها «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» (زاك سنايدر، 2016) وآخرها «جوكر» (تود فيليبس، 2019).
إذ لا يتساوى «باتمان» الجديد مع ثلاثية نولان، على صعيد فني بحت، إلا أنه أفضل من معظم ما تم تحقيقه في هذه السلسلة.
المشكلة الرئيسية هنا هي أن الدكانة التي يلعب «باتمان» الجديد عليها تأخذنا، حيث لا نريد دوماً أن نذهب. تأخذنا إلى حيث توفر لوناً قاتماً جدّاً على العين والأنفاس. إنه كما لو أن شرور المدينة وأشرارها ووضع الحياة البائس عليه أن يستخدم كل مشهد لتأكيده. نعم، هو فيلم نوار مناسب لشخصية بطله «النوارية» أيضاً، لكن الكثير منه يؤدي إلى تقليل أثره من حين إلى آخر.
من حسن الحظ أن هذه المشكلة تبقى محصورة في خانة واحدة لا تمنع من استشفاف حسنات الفيلم الأخرى. فإلى جانب إدخال الصورة كعنصر ربط بين الشخصية وعالمها وبين المدينة وما آلت إليه، هناك حقيقة أن هذه المدينة تعبّر، في الفيلم، عن أميركا المضطربة. يستعير الفيلم، على سبيل المثال، ما قام به مؤخراً بضعة رجال بيض من اعتداء على آسيوي بعدما تناهى لهم أن الصين هي التي أصدرت وباء كورونا. هنا مشهد موازٍ يذكّر بالحادثة كدليل على وضع فعلي حاصل.
بتصوير الفيلم مدينة غوثام على هذه الحالة من العنف والفساد (الذي يبلغ في الفيلم مستويات عليا في النظام) فإن المٌشاهد يدرك تماماً بأن مات ريڤز إنما يقصد هذا التماثل لذاته. هو يدفع بباتمان الجديد صوب المنهج ذاته الذي أقدم عليه نولان في ثلاثيته: المتعة لم تكن أنك أمام فيلم خيالي جانح عن بطولة معصومة عن الخطأ، بل هي في توجيه العمل وبطله وجمهوره، إلى طريق مسدودة لا يسمح بتمرير الترفيه المجاني بل يقرنه بالرسالة المتوخاة في طيّاته.

- مهارات
280 مليون دولار في أقل من أسبوع على شكل إيرادات عالمية تُفيد بأن الجمهور موافق على المضمون والمنهج. وما يجعله كذلك، هذا الإحساس بعالم مضطرب يبحث عن طوق نجاة.
في طيّات هذا النجاح هناك روبرت باتنسن في دور باتمان لأول مرّة، وما قاله لهذا الناقد قبل أسابيع قليلة واصفاً شخصيته بالجديدة والمفكّرة في متاعبها نراه واضحاً هنا كل الوضوح. يمنح الممثل الشخصية ما تحتاج إليه من الألم الدفين.
هذا بطل في مأزق يداويه بالمضي فيه. لا يضحك. ليس لديه شعور بالمتعة. لا ترفيه. لا غراميات (هناك هنّات جنسية بينه وبين كاتوومان) لا راحة. لكن المهارة هي كيف جعل باتنسن هذا المأزق فرصة للخروج من المتوقع والمعتاد. ومهارة الفيلم هي في كيف جعل باتمان مختلفاً عن ذويه أو أعاد إليه، بالأحرى، ذلك الاختلاف بعد هرائيات زاك سنايدر وجويل شوماكر وبعض الآخرين.
تلك فشلت تجارياً أو فنياً (أو تجارياً وفنياً معاً) لأنها أرادت تشجيع المشاهدين على قبول باتمان يشبه سوبرمان أو آيرون مان. فعل يخون الشخصية الأصلية بقدر ما تعود إليها وتجسدها جيدا أفلام نولان وهذا الفيلم الجديد.


مقالات ذات صلة

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

يوميات الشرق سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة...

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق حقق الفيلم إيرادات كبيرة بالسينما المصرية (الشركة المنتجة)

«برشامة» ينطلق بالصالات الخليجية مراهناً على المواقف الصارخة

ينطلق الفيلم المصري «برشامة» للعرض في دور السينما الخليجية، الخميس، بعدما حقق إيرادات في مصر اقتربت من 130 مليون جنيه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من كواليس تصوير فيلم «السادة الأفاضل»

«الإغلاق المبكر» يفرض تعديلات على برنامج «جمعية الفيلم» في مصر

بينما كان يستعد مهرجان «جمعية الفيلم المصرية» لإقامة دورته الـ52 صدرت قرارات الإغلاق المبكر التي بدأ تنفيذها بهدف توفير الطاقة، إثر تداعيات الحرب على إيران.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق واجه المخرج صعوبات إنتاجية لخروج فيلمه إلى النور (الشركة المنتجة)

توم أديجيبي: «هذا ليس فيلماً فرنسياً» يحكي معاناتي سينمائياً

لم يكن يُنظر إليه بوصفه ممثلاً قادراً على تجسيد شخصيات متنوعة، بل ممثلاً غير أبيض فحسب.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور.

إيمان الخطاف (الدمام)

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز