{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

ألغاز ومآزق وطريق مسدودة

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
TT

{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»

مرّة أخرى تجد هوليوود لزاماً عليها إعادة تقديم شخصية مشهورة مستنبطة من صفحات الكوميكس. أفلام الكوميكس (أو «السوبر هيروز» كما يمكن تصنيفها) تنبع من تراث قديم لتقديم بطل خارق المواصفات يبطش بالأشرار ويساعد الأخيار والمجتمع ويعود في كل مرّة بحكاية يمارس فيها هذا الفعل. في كل مرّة هناك فيلم أفضل أو أسوأ من سابقه، يعتمد ذلك على قدرة المخرج لا على حسن التنفيذ فقط، بل على ثبات رؤيته وفرضها - ولو إلى حد - على الاستوديو.
في هذا النطاق، فإن أفلام شركة «ديزني» وشريكتها «مارڤل» في هذا المضمار، سادتها إرادة وتوجيهات الاستديو الذي كبّل معظم تلك الأفلام بتنميط متكرر وأسلوب سرد يعتقد أن التوقف عن اللهاث هو موت للفيلم.
«ذا باتمان»، كما ينجزه مات ريڤز يختلف. وجزء من اختلافه (جزء مهم فعلاً) هو أن شركة «وورنر» (التي تلتزم بإنتاج شركة DC التي كـ Marvel اشتغلت طويلاً على مجموعات أبطالها ورقياً قبل أن تبدأ الانتقال إلى الشاشة) منحت المخرج ما يكفي لبلورة رؤيته الخاصّة والتعامل مع شخصية باتمان في صورة جديدة تعنى بتحليلها والمجتمع الذي تعيش فيه.


لقطة من فيلم «باتمان»

- غوثام سيتي
إنها مدينة غوثام. هذه المدينة، في روايات DC خيالية، لكنها قد تكون أي مدينة أميركية ترتع فيها الجريمة وتحتاج إلى بطل يحررها. عادة ما تبدو رمزاً لمدينة نيويورك، لكنها قد تكون شيكاغو أو لوس أنجليس. مجرد استخدامها في سلسلة أفلام باتمان يحرر تلك الأفلام من الحاجة إلى ازدواجية المعايير فيما لو تم تحديدها. بكلمات أخرى، لو كانت نيويورك مثلاً لكان على نصف الفيلم أن يكون واقعياً ملتزماً بالأماكن والبيئة النيويوركية وكل ما تتألف منه، وفي ذلك تقليص لمدى قدرة الفيلم أن يكون خيالاً مطلقاً.
هناك، في الفيلم الجديد، قاتل مقنّع يرتكب جرائم متوالية، وأول جريمة يرتكبها هي قتل حاكم المدينة. في كل مرّة يترك لغزاً موجّهاً لباتمان (روبرت باتنسن) هو بمثابة تحدٍ لذكاء الرجل وقدراته. باتمان يحل كل لغز ليصطدم بالآخر وصولاً إلى معرفة القاتل (The Riddler) كما يؤديه بول دانو. على مسافة غير بعيدة منهما هناك مجرم آخر (قدمته أفلام باتمانية سابقة) هو «ذا بنغوين» (كولين فارل) ثم رئيس عصابة اسمه كارمن فالكوني (جون تورتورو). كل واحد من هؤلاء يحتل حيّزاً في مهام بطل الفيلم.
لكن الأمور، حسب سيناريو جيد في غالبه، ليست مجرد مناوشات وتحقيقات ومجابهات. بروس واين في حياته العادية (الذي يتحوّل إلى الرجل الوطواط لتنفيذ مهامه) يعاني من مسائل تتداعى من جديد. مسائل لها علاقة بحياته المزدوجة وبحقيقة أنه يكتشف أن ما يقوم به من بطولات لم يمنع، سابقاً، من انحدار المدينة إلى مرتع للجريمة. هذا يؤرقه لأنه مفتاح باب يطل منه على مسببات وجوده.
إلى ذلك، يذكّره مقتل الحاكم بمقتل والده. ومن ناحية ثالثة، يكتشف احتمال ألا يكون والده الشخص البريء من الفساد الذي يعم المدينة. هذا يقع عندما يكتشف واين/ باتمان وجود علاقة ما بين فالكوني وبين أبيه الراحل.
البوليس، كما يمثّله المحقق جيفري رايت لا يستطيع مجاراة باتمان لا في قوّته ولا في ذكائه. الحليف الوحيد هو كاتوومان (زاو كراڤيتز) التي تشترط ألا يتولّى باتمان قيادتها ولا سؤالها عن أساليب عملها.
في شخصيّتيه، كبروس واين وكباتمان، فإن هذا الرجل الممعن هنا في ذاته (أكثر من المعتاد في أفلام باتمان السابقة)، يعيش وضعاً من الكآبة. لجانب أنه يطرح على نفسه أسئلة شبه وجودية بات لا يثق بحلوله ولا بنجاح معاركه ضد الجريمة. نعم عليه أن يستمر، ليس هناك من طريق أخرى، لكنه ليس سوبرمان ولا سبايدر - مان ولا فلاش غوردون أو سواهم. كل واحد من هؤلاء يقفز فوق متاعبه الذاتية (إن وُجدت) مصرّاً على قهر العالم. باتمان بقدراته التي لا جدال فيها، يخضع أكثر منهم لمساءلة نفسه.
ليس فقط أن المخرج يضع له قوانينه هذه (شارك المخرج كتابة السيناريو مع بيتر كرايغ)، بل يمنحه البيئة البصرية والأجواء الفعلية التي تصاحبه. الدكانة جزء لا يتجزأ من شخصية البطل والمدينة والفيلم. هو، إلى حد بعيد، فيلم نوار بقدر ما هو فيلم سوبر هيرو.


مشهد من فيلم «غوثام سيتي»

- جذور
الأفلام الأخرى المماثلة لا تتمتع بهذا المنظور ولا بهذه المعالجة. هي بيضاء بقدر ما هذا الفيلم أسود. مشعّة بقدر ما هذا الفيلم مظلم، واستعراضية للقوّة بقدر ما القوّة هنا ليست الطرح الأول.
حتى بعض أفلام باتمان السابقة لا تتمتع بهذه الخصية التي يشارك بها هذا الفيلم ما قام به كريستوفر نولان عندما أخرج الأجزاء الثلاثة من «باتمانه» من دون أن يبلغ درجة فن نولان ومعالجته البديعة للحكايات التي أوردها.
بعد قيام بوب كاين وبل فينغر بنشر الحلقة الأولى من باتمان سنة 1939 في مجلة DC المنتمية، كسواها، لثقافة البالب فيكشن إنما المرسومة فيما عُرف ولا يزال يُعرف بمجلات الكوميكس. قامت هوليوود بنقل الشخصية إلى الشاشة العريضة لأول مرّة سنة 1943 في مسلسل فيلمي (حلقات من نحو 10 - 12 دقيقة كانت تعرض الواحدة منها قبل عرض الفيلم الأساسي كل أسبوع) بعنوان «باتمان» الذي أنتجته كولمبيا من إخراج لامبرت هيليَر. تبعه مسلسل آخر بعد ست سنوات بعنوان «باتمان وروبن» (حققه سبنسر غوردون بَنت).
أول فيلم من عرض واحد ورد سنة 1966 في «باتمان الفيلم» للسلي ماتنسون. هذا المخرج لم يكن بشهرة وقدرة كل من هيليَر وبَنت والفيلم لم يترك أثراً يُذكر. باتمان غاب عن السينما لخمسٍ وعشرين سنة قبل عودته في فيلم جيد (اكتفى باسم «باتمان») من إخراج تيم بورتن وبطولة مايكل كيتُن، والاثنان أنجزا الفيلم التالي، «باتمان يعود» سنة 1992.
تسلم المخرج جووَل شوماكر المهمّة في «باتمان للأبد» (بطولة ڤال كيلمر) و«باتمان وروبن» (بطولة جورج كلوني) ما بين 1995 و1997، والفيلمان كانا من أسوأ ما تم تحقيقه تحت غطاء هذه الشخصية. وبل أدى إلى انحسار الشخصية مجدداً حتى رفعها من جديد كريستوفر نولان في ثلاثيته «باتمان يبدأ» (2005) و«الفارس المعتم» (2008) و«الفارس المعتم يرتفع» (2017).
خلال الفترة حاولت وورنر توسيع رقعة هذه الشخصية بإدخال عناصر أخرى في ستة أفلام، أولها «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» (زاك سنايدر، 2016) وآخرها «جوكر» (تود فيليبس، 2019).
إذ لا يتساوى «باتمان» الجديد مع ثلاثية نولان، على صعيد فني بحت، إلا أنه أفضل من معظم ما تم تحقيقه في هذه السلسلة.
المشكلة الرئيسية هنا هي أن الدكانة التي يلعب «باتمان» الجديد عليها تأخذنا، حيث لا نريد دوماً أن نذهب. تأخذنا إلى حيث توفر لوناً قاتماً جدّاً على العين والأنفاس. إنه كما لو أن شرور المدينة وأشرارها ووضع الحياة البائس عليه أن يستخدم كل مشهد لتأكيده. نعم، هو فيلم نوار مناسب لشخصية بطله «النوارية» أيضاً، لكن الكثير منه يؤدي إلى تقليل أثره من حين إلى آخر.
من حسن الحظ أن هذه المشكلة تبقى محصورة في خانة واحدة لا تمنع من استشفاف حسنات الفيلم الأخرى. فإلى جانب إدخال الصورة كعنصر ربط بين الشخصية وعالمها وبين المدينة وما آلت إليه، هناك حقيقة أن هذه المدينة تعبّر، في الفيلم، عن أميركا المضطربة. يستعير الفيلم، على سبيل المثال، ما قام به مؤخراً بضعة رجال بيض من اعتداء على آسيوي بعدما تناهى لهم أن الصين هي التي أصدرت وباء كورونا. هنا مشهد موازٍ يذكّر بالحادثة كدليل على وضع فعلي حاصل.
بتصوير الفيلم مدينة غوثام على هذه الحالة من العنف والفساد (الذي يبلغ في الفيلم مستويات عليا في النظام) فإن المٌشاهد يدرك تماماً بأن مات ريڤز إنما يقصد هذا التماثل لذاته. هو يدفع بباتمان الجديد صوب المنهج ذاته الذي أقدم عليه نولان في ثلاثيته: المتعة لم تكن أنك أمام فيلم خيالي جانح عن بطولة معصومة عن الخطأ، بل هي في توجيه العمل وبطله وجمهوره، إلى طريق مسدودة لا يسمح بتمرير الترفيه المجاني بل يقرنه بالرسالة المتوخاة في طيّاته.

- مهارات
280 مليون دولار في أقل من أسبوع على شكل إيرادات عالمية تُفيد بأن الجمهور موافق على المضمون والمنهج. وما يجعله كذلك، هذا الإحساس بعالم مضطرب يبحث عن طوق نجاة.
في طيّات هذا النجاح هناك روبرت باتنسن في دور باتمان لأول مرّة، وما قاله لهذا الناقد قبل أسابيع قليلة واصفاً شخصيته بالجديدة والمفكّرة في متاعبها نراه واضحاً هنا كل الوضوح. يمنح الممثل الشخصية ما تحتاج إليه من الألم الدفين.
هذا بطل في مأزق يداويه بالمضي فيه. لا يضحك. ليس لديه شعور بالمتعة. لا ترفيه. لا غراميات (هناك هنّات جنسية بينه وبين كاتوومان) لا راحة. لكن المهارة هي كيف جعل باتنسن هذا المأزق فرصة للخروج من المتوقع والمعتاد. ومهارة الفيلم هي في كيف جعل باتمان مختلفاً عن ذويه أو أعاد إليه، بالأحرى، ذلك الاختلاف بعد هرائيات زاك سنايدر وجويل شوماكر وبعض الآخرين.
تلك فشلت تجارياً أو فنياً (أو تجارياً وفنياً معاً) لأنها أرادت تشجيع المشاهدين على قبول باتمان يشبه سوبرمان أو آيرون مان. فعل يخون الشخصية الأصلية بقدر ما تعود إليها وتجسدها جيدا أفلام نولان وهذا الفيلم الجديد.


مقالات ذات صلة

رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

يوميات الشرق استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

قال المخرج الإسباني رافا موليس إن فيلمه الوثائقي «الشفقة» يسعى إلى نقل تجربة إنسانية وشعورية عميقة عاشها بنفسه أمام الأنهار الجليدية في آيسلندا.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز