{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

ألغاز ومآزق وطريق مسدودة

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
TT

{باتمان} جديد يعكس الحياة في عالم مختلف

روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»
روبرت باتنسن وزاو كراڤيتز في «باتمان وكات»

مرّة أخرى تجد هوليوود لزاماً عليها إعادة تقديم شخصية مشهورة مستنبطة من صفحات الكوميكس. أفلام الكوميكس (أو «السوبر هيروز» كما يمكن تصنيفها) تنبع من تراث قديم لتقديم بطل خارق المواصفات يبطش بالأشرار ويساعد الأخيار والمجتمع ويعود في كل مرّة بحكاية يمارس فيها هذا الفعل. في كل مرّة هناك فيلم أفضل أو أسوأ من سابقه، يعتمد ذلك على قدرة المخرج لا على حسن التنفيذ فقط، بل على ثبات رؤيته وفرضها - ولو إلى حد - على الاستوديو.
في هذا النطاق، فإن أفلام شركة «ديزني» وشريكتها «مارڤل» في هذا المضمار، سادتها إرادة وتوجيهات الاستديو الذي كبّل معظم تلك الأفلام بتنميط متكرر وأسلوب سرد يعتقد أن التوقف عن اللهاث هو موت للفيلم.
«ذا باتمان»، كما ينجزه مات ريڤز يختلف. وجزء من اختلافه (جزء مهم فعلاً) هو أن شركة «وورنر» (التي تلتزم بإنتاج شركة DC التي كـ Marvel اشتغلت طويلاً على مجموعات أبطالها ورقياً قبل أن تبدأ الانتقال إلى الشاشة) منحت المخرج ما يكفي لبلورة رؤيته الخاصّة والتعامل مع شخصية باتمان في صورة جديدة تعنى بتحليلها والمجتمع الذي تعيش فيه.


لقطة من فيلم «باتمان»

- غوثام سيتي
إنها مدينة غوثام. هذه المدينة، في روايات DC خيالية، لكنها قد تكون أي مدينة أميركية ترتع فيها الجريمة وتحتاج إلى بطل يحررها. عادة ما تبدو رمزاً لمدينة نيويورك، لكنها قد تكون شيكاغو أو لوس أنجليس. مجرد استخدامها في سلسلة أفلام باتمان يحرر تلك الأفلام من الحاجة إلى ازدواجية المعايير فيما لو تم تحديدها. بكلمات أخرى، لو كانت نيويورك مثلاً لكان على نصف الفيلم أن يكون واقعياً ملتزماً بالأماكن والبيئة النيويوركية وكل ما تتألف منه، وفي ذلك تقليص لمدى قدرة الفيلم أن يكون خيالاً مطلقاً.
هناك، في الفيلم الجديد، قاتل مقنّع يرتكب جرائم متوالية، وأول جريمة يرتكبها هي قتل حاكم المدينة. في كل مرّة يترك لغزاً موجّهاً لباتمان (روبرت باتنسن) هو بمثابة تحدٍ لذكاء الرجل وقدراته. باتمان يحل كل لغز ليصطدم بالآخر وصولاً إلى معرفة القاتل (The Riddler) كما يؤديه بول دانو. على مسافة غير بعيدة منهما هناك مجرم آخر (قدمته أفلام باتمانية سابقة) هو «ذا بنغوين» (كولين فارل) ثم رئيس عصابة اسمه كارمن فالكوني (جون تورتورو). كل واحد من هؤلاء يحتل حيّزاً في مهام بطل الفيلم.
لكن الأمور، حسب سيناريو جيد في غالبه، ليست مجرد مناوشات وتحقيقات ومجابهات. بروس واين في حياته العادية (الذي يتحوّل إلى الرجل الوطواط لتنفيذ مهامه) يعاني من مسائل تتداعى من جديد. مسائل لها علاقة بحياته المزدوجة وبحقيقة أنه يكتشف أن ما يقوم به من بطولات لم يمنع، سابقاً، من انحدار المدينة إلى مرتع للجريمة. هذا يؤرقه لأنه مفتاح باب يطل منه على مسببات وجوده.
إلى ذلك، يذكّره مقتل الحاكم بمقتل والده. ومن ناحية ثالثة، يكتشف احتمال ألا يكون والده الشخص البريء من الفساد الذي يعم المدينة. هذا يقع عندما يكتشف واين/ باتمان وجود علاقة ما بين فالكوني وبين أبيه الراحل.
البوليس، كما يمثّله المحقق جيفري رايت لا يستطيع مجاراة باتمان لا في قوّته ولا في ذكائه. الحليف الوحيد هو كاتوومان (زاو كراڤيتز) التي تشترط ألا يتولّى باتمان قيادتها ولا سؤالها عن أساليب عملها.
في شخصيّتيه، كبروس واين وكباتمان، فإن هذا الرجل الممعن هنا في ذاته (أكثر من المعتاد في أفلام باتمان السابقة)، يعيش وضعاً من الكآبة. لجانب أنه يطرح على نفسه أسئلة شبه وجودية بات لا يثق بحلوله ولا بنجاح معاركه ضد الجريمة. نعم عليه أن يستمر، ليس هناك من طريق أخرى، لكنه ليس سوبرمان ولا سبايدر - مان ولا فلاش غوردون أو سواهم. كل واحد من هؤلاء يقفز فوق متاعبه الذاتية (إن وُجدت) مصرّاً على قهر العالم. باتمان بقدراته التي لا جدال فيها، يخضع أكثر منهم لمساءلة نفسه.
ليس فقط أن المخرج يضع له قوانينه هذه (شارك المخرج كتابة السيناريو مع بيتر كرايغ)، بل يمنحه البيئة البصرية والأجواء الفعلية التي تصاحبه. الدكانة جزء لا يتجزأ من شخصية البطل والمدينة والفيلم. هو، إلى حد بعيد، فيلم نوار بقدر ما هو فيلم سوبر هيرو.


مشهد من فيلم «غوثام سيتي»

- جذور
الأفلام الأخرى المماثلة لا تتمتع بهذا المنظور ولا بهذه المعالجة. هي بيضاء بقدر ما هذا الفيلم أسود. مشعّة بقدر ما هذا الفيلم مظلم، واستعراضية للقوّة بقدر ما القوّة هنا ليست الطرح الأول.
حتى بعض أفلام باتمان السابقة لا تتمتع بهذه الخصية التي يشارك بها هذا الفيلم ما قام به كريستوفر نولان عندما أخرج الأجزاء الثلاثة من «باتمانه» من دون أن يبلغ درجة فن نولان ومعالجته البديعة للحكايات التي أوردها.
بعد قيام بوب كاين وبل فينغر بنشر الحلقة الأولى من باتمان سنة 1939 في مجلة DC المنتمية، كسواها، لثقافة البالب فيكشن إنما المرسومة فيما عُرف ولا يزال يُعرف بمجلات الكوميكس. قامت هوليوود بنقل الشخصية إلى الشاشة العريضة لأول مرّة سنة 1943 في مسلسل فيلمي (حلقات من نحو 10 - 12 دقيقة كانت تعرض الواحدة منها قبل عرض الفيلم الأساسي كل أسبوع) بعنوان «باتمان» الذي أنتجته كولمبيا من إخراج لامبرت هيليَر. تبعه مسلسل آخر بعد ست سنوات بعنوان «باتمان وروبن» (حققه سبنسر غوردون بَنت).
أول فيلم من عرض واحد ورد سنة 1966 في «باتمان الفيلم» للسلي ماتنسون. هذا المخرج لم يكن بشهرة وقدرة كل من هيليَر وبَنت والفيلم لم يترك أثراً يُذكر. باتمان غاب عن السينما لخمسٍ وعشرين سنة قبل عودته في فيلم جيد (اكتفى باسم «باتمان») من إخراج تيم بورتن وبطولة مايكل كيتُن، والاثنان أنجزا الفيلم التالي، «باتمان يعود» سنة 1992.
تسلم المخرج جووَل شوماكر المهمّة في «باتمان للأبد» (بطولة ڤال كيلمر) و«باتمان وروبن» (بطولة جورج كلوني) ما بين 1995 و1997، والفيلمان كانا من أسوأ ما تم تحقيقه تحت غطاء هذه الشخصية. وبل أدى إلى انحسار الشخصية مجدداً حتى رفعها من جديد كريستوفر نولان في ثلاثيته «باتمان يبدأ» (2005) و«الفارس المعتم» (2008) و«الفارس المعتم يرتفع» (2017).
خلال الفترة حاولت وورنر توسيع رقعة هذه الشخصية بإدخال عناصر أخرى في ستة أفلام، أولها «باتمان ضد سوبرمان: فجر العدالة» (زاك سنايدر، 2016) وآخرها «جوكر» (تود فيليبس، 2019).
إذ لا يتساوى «باتمان» الجديد مع ثلاثية نولان، على صعيد فني بحت، إلا أنه أفضل من معظم ما تم تحقيقه في هذه السلسلة.
المشكلة الرئيسية هنا هي أن الدكانة التي يلعب «باتمان» الجديد عليها تأخذنا، حيث لا نريد دوماً أن نذهب. تأخذنا إلى حيث توفر لوناً قاتماً جدّاً على العين والأنفاس. إنه كما لو أن شرور المدينة وأشرارها ووضع الحياة البائس عليه أن يستخدم كل مشهد لتأكيده. نعم، هو فيلم نوار مناسب لشخصية بطله «النوارية» أيضاً، لكن الكثير منه يؤدي إلى تقليل أثره من حين إلى آخر.
من حسن الحظ أن هذه المشكلة تبقى محصورة في خانة واحدة لا تمنع من استشفاف حسنات الفيلم الأخرى. فإلى جانب إدخال الصورة كعنصر ربط بين الشخصية وعالمها وبين المدينة وما آلت إليه، هناك حقيقة أن هذه المدينة تعبّر، في الفيلم، عن أميركا المضطربة. يستعير الفيلم، على سبيل المثال، ما قام به مؤخراً بضعة رجال بيض من اعتداء على آسيوي بعدما تناهى لهم أن الصين هي التي أصدرت وباء كورونا. هنا مشهد موازٍ يذكّر بالحادثة كدليل على وضع فعلي حاصل.
بتصوير الفيلم مدينة غوثام على هذه الحالة من العنف والفساد (الذي يبلغ في الفيلم مستويات عليا في النظام) فإن المٌشاهد يدرك تماماً بأن مات ريڤز إنما يقصد هذا التماثل لذاته. هو يدفع بباتمان الجديد صوب المنهج ذاته الذي أقدم عليه نولان في ثلاثيته: المتعة لم تكن أنك أمام فيلم خيالي جانح عن بطولة معصومة عن الخطأ، بل هي في توجيه العمل وبطله وجمهوره، إلى طريق مسدودة لا يسمح بتمرير الترفيه المجاني بل يقرنه بالرسالة المتوخاة في طيّاته.

- مهارات
280 مليون دولار في أقل من أسبوع على شكل إيرادات عالمية تُفيد بأن الجمهور موافق على المضمون والمنهج. وما يجعله كذلك، هذا الإحساس بعالم مضطرب يبحث عن طوق نجاة.
في طيّات هذا النجاح هناك روبرت باتنسن في دور باتمان لأول مرّة، وما قاله لهذا الناقد قبل أسابيع قليلة واصفاً شخصيته بالجديدة والمفكّرة في متاعبها نراه واضحاً هنا كل الوضوح. يمنح الممثل الشخصية ما تحتاج إليه من الألم الدفين.
هذا بطل في مأزق يداويه بالمضي فيه. لا يضحك. ليس لديه شعور بالمتعة. لا ترفيه. لا غراميات (هناك هنّات جنسية بينه وبين كاتوومان) لا راحة. لكن المهارة هي كيف جعل باتنسن هذا المأزق فرصة للخروج من المتوقع والمعتاد. ومهارة الفيلم هي في كيف جعل باتمان مختلفاً عن ذويه أو أعاد إليه، بالأحرى، ذلك الاختلاف بعد هرائيات زاك سنايدر وجويل شوماكر وبعض الآخرين.
تلك فشلت تجارياً أو فنياً (أو تجارياً وفنياً معاً) لأنها أرادت تشجيع المشاهدين على قبول باتمان يشبه سوبرمان أو آيرون مان. فعل يخون الشخصية الأصلية بقدر ما تعود إليها وتجسدها جيدا أفلام نولان وهذا الفيلم الجديد.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز