«حرب بوتين» تلهب العقوبات وتعيد روسيا إلى عصر الستار الحديدي

أقساها استهدف النفط والغاز والبنك المركزي و«سويفت» والنخبة المحيطة بزعيم الكرملين

دبابة روسية استولى عليها الجيش الأوكراني (رويترز)
دبابة روسية استولى عليها الجيش الأوكراني (رويترز)
TT

«حرب بوتين» تلهب العقوبات وتعيد روسيا إلى عصر الستار الحديدي

دبابة روسية استولى عليها الجيش الأوكراني (رويترز)
دبابة روسية استولى عليها الجيش الأوكراني (رويترز)

يشكل الاستغناء عن الغاز والمنتجات النفطية الخطوة الأحدث في العقوبات التي شرعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وغيرهم عبر العالم في فرضها على روسيا. يعتقد المسؤولون الكبار في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا «شطب» أكثر من 30 عاماً من انخراط روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي في المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي.
أعاد قرار الحرب إلى الأذهان زمن الحرب الباردة ومصطلحات اعتقد كثيرون أنها ذهبت إلى غير رجعة. يتضمن الحديث الأميركي تكهنات متزايدة عن «الستار الحديدي» بين الغرب والمعسكر الاشتراكي، ويقابله كلام روسي عن «التعايش السلمي» تحت المظلة النووية. وذهب بعض الأميركيين في الآونة الأخيرة إلى تسمية بلدهم «الولايات المتحدة العقابية» كتعبير ساخر من كثرة الإجراءات التي تتخذها الإدارات الأميركية لمحاسبة الدول والجماعات والأفراد على أفعال يقومون بها. وبدا في مرات كثيرة أن هذه العقوبات صارت عديمة الفاعلية.
بلغت الجزاءات التي اتخذتها إدارة الرئيس جو بايدن بالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى وغيرها من الحلفاء والشركاء رداً على غزو أوكرانيا، حداً لا سابق له على اقتصاد روسيا الذي تبلغ قيمته 1.5 تريليون دولار ويحتل المرتبة الـ11 في العالم. أدت على الفور إلى هبوط حاد في سعر الروبل وإلى إغلاق سوق الأسهم، ودفعت المواطنين إلى التهافت على المصارف. وعلى رغم إقرار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بأن «هذه ليست حرب الشعب الروسي»، نبّه إلى أن «الشعب الروسي سيعاني تبعات خيارات قادته». وكشف مسؤولون أميركيون، عن أن تصعيد العقوبات حدث بشكل أسرع بكثير من التوقعات. وردوا ذلك إلى تبني الزعماء الأوروبيين أكثر الإجراءات حزماً التي اقترحتها إدارة بايدن لمعاقبة روسيا على اعتمادها الخيار العسكري لتحقيق أهدافها. ويعتقد بعضهم أن الرئيس الروسي يمكن أن يوقف الحرب إذا احتج عدد كافٍ من الروس في الشوارع وانقلب عليه عدد كافٍ من أباطرة المال المحيطين به في الدوائر الصغيرة حوله في الكرملين. ولا يأتي المسؤولون الأميركيون والأوروبيون على ذكر أي سعي إلى «تغيير النظام» أو انهيار الحكم في موسكو عن طريق هذه العقوبات.
- النفط والغاز
جاءت الخطوة الأخيرة التي أعلنها الرئيس جو بايدن بحظر استيراد النفط والغاز من روسيا لتشكل ما يمكن أن يرقى إلى أقوى ضربة على الإطلاق للبلد الذي يعتمد اقتصاده بنسبة 60 إلى 70 في المائة على هذين الموردين الطبيعيين. وأوضح الرئيس بايدن، أن قراره التخلي عن النفط الروسي يعني أن «الشعب الأميركي سيوجه ضربة قوية أخرى لآلة حرب بوتين»، مضيفاً أن الولايات المتحدة «تستهدف الشريان الرئيسي للاقتصاد الروسي»؛ لأنها لا تريد أن «تشارك في دعم حرب بوتين» على أوكرانيا، حتى لو كان ذلك سيؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار البنزين. وشدد على أن «بوتين لا يمكن أبداً أن يخرج منتصراً من الحرب». واتخذ بايدن هذا القرار «بتنسيق وثيق» مع حلفاء الولايات المتحدة، علماً بأن أوروبا ترفض فرض حظر فوري على الواردات الروسية من الطاقة التي توفر روسيا 40 في المائة من حاجاتها إلى الغاز الطبيعي و30 في المائة من حاجاتها إلى النفط. وأخذ بايدن في الاعتبار أن الولايات المتحدة دولة مصدرة لموارد الطاقة؛ ولذلك «يمكننا اتخاذ هذا القرار حيث لا يستطيع آخرون»، مستدركاً «لكننا نعمل بشكل وثيق مع أوروبا وشركائنا لوضع استراتيجية على المدى الطويل من أجل تخفيف اعتمادهم على الطاقة الروسية».
- «نورد ستريم 2» وغيره
ومع أن الولايات المتحدة كانت تستورد ما يصل إلى 8 في المائة فقط من حاجتها إلى النفط و4 في المائة للغاز من روسيا، فإن هذا الإجراء الذي اتُخذ بالتزامن مع قرار مماثل من بريطانيا يمكن أن ينذر بأن أوروبا ستبدأ تدريجاً بقطع اعتمادها على الوقود الروسي. وظهرت أولى العلامات حيال ذلك من خلال تخلي ألمانيا عن مشروع «نورد ستريم2» لإمدادات الغاز من روسيا. وتخلت السلطات الألمانية عن ترددها في هذا الاتجاه بعدما أصرت الولايات المتحدة على ضرورة أن تؤدي العقوبات إلى إلحاق الضرر بقطاعات الطاقة والنقل في روسيا، بالتساوي مع الضوابط على الصادرات والحظر على تمويل التجارة. وجاءت الخطوة الأميركية بعد تصاعد ضغط الحزبين الديمقراطي والجمهوري على إدارة بايدن لإنهاء جميع واردات النفط الروسية وفرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي، وبعدما حض المشرعون الأميركيون بايدن علناً على ضرب بوتين في المواقع الأكثر إيلاماً. وقدموا مقترحات من شأنها إنهاء واردات النفط الروسية إلى الولايات المتحدة. ورأى السيناتور جيم ريش، أنه «إذا كانت العقوبات الحالية كافية، لن يتجه رتل الدبابات الروسية الذي يبلغ طوله 40 ميلاً (64 كيلومتراً) إلى كييف».
- البنك المركزي الروسي
وقبل العقوبات النفطية، كانت أشد العقوبات هي تلك التي تمنع البنك المركزي الروسي من الاستفادة من معظم احتياطاته من العملات الأجنبية البالغة 643 مليار دولار؛ مما أدى إلى انخفاض حاد في سعر الروبل الذي خسر نحو 50 في المائة من قيمته مقابل الدولار الأميركي في غضون أيام قليلة. وأدت هذه الإجراءات إلى فرض «قيود» تمنع البنك المركزي الروسي من استخدام احتياطاته الدولية بطرق تقوض تأثير العقوبات، كما أنها تشل أصول البنك المركزي وتجمد معاملاته؛ مما يجعل تصفية أصوله مستحيلة.
تظهر هذه الخطوة الاستثنائية كيف غيّر غزو أوكرانيا الطريقة التقليدية التي كانت تعتمدها الإدارات الأميركية المتعاقبة للرد على تصرفات روسيا داخليا وعلى الساحة الدولية. كان سلاح العقوبات أداة تستخدمها الولايات المتحدة حصراً ضد أفراد أو مؤسسات في روسيا بين الحين والآخر لأسباب تتعلق بأفعال مثل قمع الحريات السياسية والدينية في روسيا، بما في ذلك محاولة تصفية المعارض أليكسي نافالني عبر تسميمه بمادة «نوفيتشوك» المحظورة دولياً، أو الهجمات السيبرانية، أو التدخل في الانتخابات الأميركية، أو الاستيلاء على شبه جزيرة القرم وضمها عام 2014. أو حتى عقب اعتراف موسكو باستقلال جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الجورجيتين. لم تجدِ الطرق القديمة نفعاً.
- لا «سويفت» ولا تحويلات
تتسم العقوبات الجديدة بأنها منسقة جيداً بين الولايات المتحدة وحلفائها. وبدأت الجولة الأحدث منها في مستهل الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، وهي شملت أربعة من المصارف والمؤسسات المالية الروسية الكبرى. وجاء الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا على استخدام بعض المصارف الروسية لنظام «سويفت»، وهي شبكة مشددة أمنيا لتسهيل التعاملات المالية بين 11 ألف مؤسسة مالية في 200 دولة، ليوجه ضربة قاسية يمكن أن تؤدي إلى إخراج روسيا من النظام المالي الدولي. وترقى هذه الخطوة إلى ما يسميه البعض «السلاح المالي النووي» في ترسانة العقوبات لدى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
ومنعت الولايات المتحدة التعامل مع 13 شركة كبرى تملكها الدولة الروسية من جمع الأموال في الولايات المتحدة، بما في ذلك عملاق الطاقة «غازبروم» ومؤسسة «سبيربنك» المالية الكبرى ومصرف «سوفروم بنك» وغيره من المصارف التي تمول بشكل خاص وزارة الدفاع الروسية.
وتشمل العقوبات الأميركية حظر تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى روسيا التي تعتمد بشكل كبير على أشباه النواقل والرقائق الإلكترونية المعقدة لتطوير صناعاتها الدفاعية والفضائية؛ مما سيحد بشدة من قدرة روسيا على النهوض بهذين القطاعين. وأكد البيت الأبيض، أن العقوبات «تشمل قيوداً على مستوى روسيا على أشباه الموصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية وأمن التشفير والليزر وأجهزة الاستشعار والملاحة وإلكترونيات الطيران والتقنيات البحرية».
- الاتحاد الأوروبي وبريطانيا
وبموازاة الخطوات الأميركية، اتخذت العديد من الدول الأوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إجراءات للحد من بيع «جوازات السفر الذهبية» التي تسمح للأثرياء الروس بالحصول على جنسيات في دول أخرى مقابل استثمار. ومن شأن ذلك أن يضيق الخناق على الأثرياء الروس الذين تربطهم صلات بالحكومة ليصبحوا مواطنين في بلدان أخرى و«يمكنهم الوصول إلى الأنظمة المالية» في الغرب. وما أن شرعت روسيا في غزوها، بدأت الدول الأوروبية تلاحق السلع الكمالية المملوكة لروس مستهدفين بالعقوبات، بما في ذلك الأصول المالية والعقارات واليخوت والسيارات الفاخرة التي تملكها شخصيات روسية خاضعة للعقوبات الأوروبية. وسارعت اليابان إلى المشاركة في هذه العقوبات، بما يتوافق مع قرارات مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى. وكذلك فعلت أستراليا ونيوزيلندا وتايوان التي ركزت على الأوليغارشية، الذين «يمثل ثقلهم الاقتصادي أهمية استراتيجية لموسكو وأكثر من 300 عضو في مجلس دوما الدولة الروسي».
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أن المملكة المتحدة ستحظر شركة الطيران الوطنية الروسية «ايروفلوت»، وستصدر تشريعات لحظر تصدير بعض التقنيات، لا سيما «في قطاعات تشمل الإلكترونيات والاتصالات والفضاء» في روسيا.
- حتى سويسرا
وعلى رغم أن سويسرا محايدة تاريخياً، أعلن رئيسها إغناسيو كاسيس، أن بلاده التي تعد مركزاً رئيسياً للأثرياء الروس، ستتبنى عقوبات الاتحاد الأوروبي وستجمد أصول بعض الأفراد «بأثر فوري»، موضحاً أن «الهجوم العسكري الروسي غير المسبوق على دولة أوروبية ذات سيادة كان العامل الحاسم في قرار المجلس الاتحادي تغيير موقفه السابق بشأن العقوبات». وتشمل هذه العقوبات وتجميد الأصول الرئيس بوتين ورئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين ووزير الخارجية سيرغي لافروف. وتعهدت الولايات المتحدة والدول الغربية أيضاً بفرض عقوبات على 20 من الأفراد والشركات البيلاروسية، بما في ذلك «مصرفان مهمان تملكهما الدولة، وتسع شركات دفاع، وسبعة مسؤولين ونخب على صلة بالنظام».
أياً كان الهدف من العقوبات، فلها سجل ضعيف في إقناع الحكومات بتغيير سلوكها. ويشير البعض إلى فشل العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب على إيران، وهي الأكثر قسوة عالمياً، في إجبار طهران على التوقف عن دعم الميليشيات في الشرق الأوسط أو وقف جهودها في تخصيب اليورانيوم. وكذلك تقدمت كوريا الشمالية ببرنامج أسلحتها النووية على رغم العقوبات الكبيرة التي فرضها أربعة من الرؤساء الأميركيين. وينطبق الأمر نفسه إلى حد كبير على العقوبات الأميركية على سوريا وكوبا وفنزويلا.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.