خيام ومدافئ مُرتجَلة وجداريات ذهبية... مشاهد من محطة عبور اللاجئين الأولى

مفوضية اللاجئين لـ«الشرق الأوسط»: نخشى تفاقم الأوضاع وأعداد اللاجئين مرشّحة للارتفاع

غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت (الشرق الأوسط)



غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت مؤقت (الشرق الأوسط)
غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت (الشرق الأوسط) غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت مؤقت (الشرق الأوسط)
TT

خيام ومدافئ مُرتجَلة وجداريات ذهبية... مشاهد من محطة عبور اللاجئين الأولى

غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت (الشرق الأوسط)



غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت مؤقت (الشرق الأوسط)
غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت (الشرق الأوسط) غرفة لتخزين السلع تحولت إلى مركز مبيت مؤقت (الشرق الأوسط)

إنها الساعة التاسعة والنصف مساء، وصل قطار يُقلّ مئات اللاجئين من معبر ميديكا الحدودي إلى محطة بشيمشل، بعد رحلة محفوفة بالصعوبات من لفيف الأوكرانية. اصطفّ رجال أمن ومتطوّعون ومسعفون لاستقبالهم، تحت تساقط ثلوج خفيفة. «لم يكن الأطفال يقوون على المشي، ولم تنجح ألعابنا في إيقاف دموعهم».

يقول القسّ باتريك كانا إن بعضهم «اضطر إلى قطع مسافات طويلة مشياً، قبل الوصول إلى لفيف. إنه أمر مفجع. فقد استهدفت هذه الحرب الأهالي، والأطفال يدفعون ثمنها». كان القس البولندي من أصول كاميرونية، أو «باتريك» كما يفضّل أن يُعرف، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» وسط صالة الانتظار الرئيسية في محطة بشيمشل، التي تبعد أقل من 14 كيلومتراً عن الحدود. اشتهرت هذه المحطة، التي تربط لفيف الأوكرانية بكراكوف البولندية منذ عقود، بطرازها المعماري الفريد وجدارياتها الذهبية الصامدة منذ القرن التاسع عشر. أما اليوم، ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فقد تحولت إلى محطة الاستقبال الرئيسية للفارين من الحرب نحو ملاذات آمنة في بولندا وخارجها.
«يتلقى اللاجئون هنا الرعاية الأولية. يصلون مرهقين بعد رحلات صعبة، وبحاجة إلى وجبات ساخنة، ومكان آمن للراحة والاغتسال، والعناية الطبية أحياناً». يتابع باتريك: «غالبية اللاجئين هنا قرروا وجهاتهم المقبلة»، مشيراً إلى أن كثيرين اختاروا الالتحاق بأهاليهم أو معارفهم في ألمانيا وتشيكيا وإيطاليا. «أما الآخرون، فيتم توجيههم إلى مراكز استقبال مؤقتة في بشيمشل ومدن بولندية أخرى، في انتظار إيوائهم لدى أهالي متطوعين أو نقلهم إلى مراكز لجوء طويلة المدى».
كانت سفيتلانا من هؤلاء اللاجئين. تقول هذه الجدة، وهي تقاوم الدموع: «لا أعرف أين سأذهب من هنا. لكنني أود البقاء في بشيمشل لمقابلة ابنتي وحفيديّ. فقد وصلوا إلى لفيف أمس، ويتجهون حالياً صوب الحدود البولندية». وتضيف: «كل شيء سيتحسن بعد وصولهم».

ستُنقل سفيتلانا، إلى جانب أفواج من اللاجئين، إلى مركز استقبال مؤقت في مدخل البلدة التي لا يتجاوز عدد سكانها 62 ألفاً. حوّلت السلطات المحلية سوق «تيسكو» التجارية الضخمة، التي أغلقت أبوابها قبل أشهر، إلى مبنى لإيواء اللاجئين. فحلّت سيارات الإسعاف والشرطة والحافلات محلّ مركبات المتسوّقين، فيما أزيحت الرفوف ومخازن السلع ليتم إنشاء صالات نوم مؤقتة.
رافقت «الشرق الأوسط» أحد المتطوعين البولنديين إلى داخل المركز. وباللغتين البولندية والأوكرانية، يصيح توماس في أروقة «تيسكو» المكتظة: «4 مقاعد إلى وارسو... رحلة مجانية إلى العاصمة». ويقول هذا الطالب الجامعي: «أعرض خدمات نقل مجانية إلى وارسو مرتين في الأسبوع. هذا أقل ما أستطيع تقديمه. أعود إلى بشيمشل مُحمّلاً بتبرعات مختلفة، خاصة أغراض الأطفال والرضّع».
واصل توماس بحثه عن الراغبين في السفر إلى العاصمة، متّجهاً نحو رواق واسع محظور على الصحافيين. يقف جنديان و4 متطوعين في مدخل الرواق، ويطالبون بتفقّد معاصم الوافدين بحثاً عن أساور ورقية. يقول أحد الجنود: «تدلّ الأساور الزرقاء على أن حاملها لاجئ، فيما تُشير الصفراء إلى المتطوّعين بمختلف أدوارهم». وانضمّ أحد المتطوعين القائمين على تنظيم الدخول إلى الحديث، فقال: «علينا حماية خصوصية هذه العائلات. فقد اقتُلعوا من منازلهم، وفقدوا أحباءهم، ويواجهون مستقبلاً غامضاً».

*أدوية... وألعاب
في كل ركن من أركان المركز، نصب المتطوعون والموظفون المحليون أكشاكاً لمساعدة اللاجئين وتخفيف معاناتهم. تشكَّل صفّ خارج صيدلية عادت إلى الخدمة تلبية لاحتياجات الوافدين إلى المركز، فيما حظي «ركن الألعاب» بشعبية واسعة لدى الأمهات وأطفالهنّ. تقول أوليفيا، وهي متطوعة شابة من وودش ثالث كبرى مدن بولندا: «يتضاعف عدد اللاجئين داخل المركز ليلاً، مع انخفاض درجات الحرارة»، مشيرة إلى أن «الوافدين إلى المركز يستفيدون كذلك من خدمة الـ(واي فاي) للتواصل مع أهاليهم العالقين في أوكرانيا، وترتيب خطواتهم المقبلة».
لا تقتصر الخدمات المقدّمة للاجئين على مركز الإيواء، إذ نُصبت عشرات الخيام في محيط السوق التجارية، خُصّص غالبيتها لتجهيز وتوزيع وجبات ساخنة، وشرائح هاتف مجانية، وعرض خدمات الترجمة من اللغة الأوكرانية إلى لغات مختلفة.
وبابتسامة عريضة، رحّبت مايلين، الأرجنتينية المقيمة في فرنسا، بزائري كُشكها. «نوزّع مشروب الشوكولاتة الساخن، وبعض المخبوزات». وتقول، فيما كان زميلها منهمكاً في تحضير شطائر لحم ساخنة: «وصلنا إلى بشيمشل، الاثنين، في حافلة صغيرة محمّلة بالتبرعات. كنا نخطط للبقاء أسبوعاً واحداً، لكننا قررنا تمديد زيارتنا للمساعدة في دعم الأوكرانيين الفارين من الحرب». بدوره، كان إيفان، القادم من برشلونة، يجهّز طبقاً تقليدياً مكوّناً من العدس، ويوزّعه في أطباق ورقية على المارّة. أما بشيميك، القادم من كراكوف، فعلّق مؤقتاً تنظيم صناديق التبرعات الغذائية ليضيف حطباً على نار أوقدها في مدفأة مُرتجلة خارج خيمته. قال مبتسماً: «الطقس لم يقف في صفّنا اليوم. لكن لكل مشكلة حلّها».

رغم تضافر جهود البولنديين والمتطوعين من مختلف أنحاء أوروبا، تقترب مراكز الاستقبال والإيواء في المناطق الحدودية من تجاوز طاقتها الاستيعابية. عبّر كريس ميلزر، المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عن قلقه من تفاقم الأوضاع. ويقول متحدّثا لـ«الشرق الأوسط» من الحدود البولندية - الأوكرانية: «أعداد اللاجئين الأوكرانيين لا تنفك ترتفع. فقد بلغ العدد الإجمالي مليونين و200 ألف، بينهم مليون و300 ألف عبروا الحدود نحو بولندا». رجّح ميلزر ارتفاع هذه الحصيلة في الأيام المقبلة، «ما سيشكّل تحدياً».

ولحظ ميلزر، الذي يراقب توافد اللاجئين عبر الحدود الأوكرانية - البولندية منذ بداية الحرب، تحسناً كبيراً في فترة الانتظار خارج المعابر الحدودية. «تراجعت فترة الانتظار في الطوابير خارج المعابر، من 60 ساعة قبل أسبوعين، إلى 8 ساعات اليوم، فيما لا يستغرق عبور بعض النقاط أي وقت تقريباً». في المقابل، يشير ميلزر إلى أن تدهور الأوضاع الجوية، مع الانخفاض الكبير في درجات الحرارة، يثير قلق المنظمة، «خاصة أن غالبية اللاجئين هنا هم نساء وأطفال».


مقالات ذات صلة

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...