الغرب يرفض أي تسوية «سياسية» مع طهران بشأن «الضمانات»

باقري كني يصل إلى مقر المحادثات النووية في فيينا أمس (إ.ب.أ)
باقري كني يصل إلى مقر المحادثات النووية في فيينا أمس (إ.ب.أ)
TT

الغرب يرفض أي تسوية «سياسية» مع طهران بشأن «الضمانات»

باقري كني يصل إلى مقر المحادثات النووية في فيينا أمس (إ.ب.أ)
باقري كني يصل إلى مقر المحادثات النووية في فيينا أمس (إ.ب.أ)

شددت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون الثلاثة، أمس، على ضرورة تقديم إيران الإيضاحات اللازمة، إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحل المشكلة العالقة منذ فترة طويلة، بشأن جزيئات اليورانيوم التي عثر عليها في مواقع غير معلنة، رافضين أي تسوية «سياسية» بشأن القضية التي تحظى بأهمية في التحقق من برنامج طهران النووي.
وقال بيان أميركي لمجلس محافظي «الطاقة الذرية»، التابعة للأمم المتحدة التي تضم 35 عضواً: «لا تزال المخاوف الكبيرة المعتقلة بالتزامات إيران الوقائية دون حل»، منتقداً عدم تعاون إيران، مشدداً على أهمية العمل بتفاهم توصل إليه مدير الوكالة الدولية، رافائيل غروسي، والمسؤولون الإيرانيون، السبت الماضي، لتوضيح القضايا المتعلقة بالضمانات بموجب خطة مدتها ثلاثة أشهر.
وحضّ البيان الأميركي، الطرف الإيراني على انتهاز فرصة التفاهم الأخير مع غروسي لتزويد الوكالة على الفور بالتوضيحات المكتوبة اللازمة والوثائق الداعمة ذات الصلة، بما في ذلك الإيضاحات المطلوبة، حتى يمكن توضيح قضايا الضمانات المعلقة وحلها، حسبما نقل موقع البعثة الأميركية في فيينا.
واستند البيان الأميركي إلى أن قراراً سابقاً لمجلس محافظي الوكالة الدولية في يونيو (حزيران) 2020 دعا إيران إلى التعاون الكامل بشأن المواقع السرية دون تأخير.
وتطرق البيان الأميركي أيضاً إلى تقليص إيران مستوى التعاون مع المفتشين الدوليين وقال: «لا نزال نشعر بقلق عميق إزاء تقارير المدير العام التي تفيد بأن إيران توقفت من فبراير (شباط) 2021 عن العمل بالبروتوكول الإضافي» الملحق بمعاهدة حظر الانتشار، وذلك في إشارة إلى امتناع إيران عن تزويد الوكالة بتسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالأنشطة الحساسة، ما لم يتم إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.
في الاتجاه نفسه، قالت الأطراف الأوروبية التي تتفاوض لإحياء الاتفاق النووي، إنها تؤيد «التحقق المهني والمستقل والنزيه» للتحقق من التزامات إيران بموجب اتفاقية «الضمانات» الخاصة بمعاهدة عدم الانتشار. وأعلنت تلك الدول رفضها أي مقترحات بوجود «حل سياسي» لهذه القضايا، مشددة على ضرورة تمكن الوكالة الدولية من «أداء واجباتها التقنية دون أي ضغوط سياسية». وقالت الدول الثلاث إنها تشعر بقلق عميق لأن إيران توقفت منذ عام عن العمل بالبروتوكول الإضافي. وقالت إنه «شرط ضروري للوكالة الدولية للوصول إلى استنتاج أوسع بأن جميع المواد النووية في إيران لا تزال تستخدم في الأغراض السلمية».

تحذير آيرلندي
في الأثناء، حذر وزير الخارجية الآيرلندي سيمون كوفيني، أمس، من ضياع «الفرصة» قريباً جداً، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن.
وقال كوفيني، في حديث بمعهد دبلن للشؤون الأوروبية والدولية: «يحتاج هذا حقاً إلى القيام به قريباً جداً حتى ينجح. وإلا أظن أننا سنكون ببساطة قد ضيعنا الوضع الحالي الملائم للاتفاق... وستكون هذه مأساة حقاً».
ولعب كوفيني دور وسيط مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، وتقوم بلاده بتسهيل تطبيق القرار 2231 الذي تبنى الاتفاق النووي. والتقى كوفيني نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في طهران، منتصف الشهر الماضي.
واستؤنفت المشاورات المكثفة غير الرسمية بين إيران والقوى الكبرى، أمس، إلى مجراها الطبيعي، بعودة كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني إلى فيينا، بعد إجراء مشاورات في طهران.
وفور وصوله إلى العاصمة النمساوية، توجه باقري كني إلى مقر المحادثات، وعقد اجتماعاً مع منسق الاتحاد الأوروبي في محادثات فيينا، إنريكي مورا. وكتب السفير الروسي، ميخائيل أوليانوف على «تويتر»: «اجتماع آخر مع مورا في المرحلة الأخيرة من الماراثون الدبلوماسي نحو إحياء الاتفاق النووي».
وقال مصدر مقرب من فريق المفاوض الإيراني لوكالة «إرنا» الرسمية إن المفاوضات «تنتظر قراراً أميركياً». وأضاف: «المفاوضات حققت خلال الأسابيع الماضية تقدماً لافتاً في ضوء مبادرات إيران وحسن نواياها... وفي المقابل يعرقل الفريق الأميركي الوصول إلى اتفاق جيد عبر التباطؤ في اتخاذ القرار السياسي». وأضاف: «الفريق الأميركي في فيينا ينتظر تلقي التعليمات بشأن القضايا المتبقية، الاتفاق في فيينا ينتظر الرد الأميركي على المقترحات أكثر من أي وقت مضى».
وبات إحياء اتفاق 2015 الذي رفع العقوبات عن إيران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي وشيكاً بعد 11 شهراً من المحادثات. لكن المفاوضات تعقدت بسبب مطالبة روسيا في اللحظة الأخيرة بضمانات من الولايات المتحدة بأن العقوبات الغربية التي تستهدف موسكو بسبب غزوها لأوكرانيا لن تؤثر على أعمالها مع إيران.

هدف مشترك
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أمس: «نعتقد أن أميركا وروسيا هدفهما مشترك على صعيد اتفاق إيران النووي»، وأضافت أنه «لا يزال التواصل مستمراً مع الشركاء في اتفاق إيران ومن ضمنهم روسيا».
واتفقت باريس وواشنطن على مواصلة التنسيق الوثيق بينهما في محاولة للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، حسبما أفادت الخارجية الأميركية، في بيان عقب اجتماع وزير الخارجية أنتوني بلينكن مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس.
من جهتها، أكدت مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند، في جلسة استماع في الكونغرس، الثلاثاء، أن الولايات المتحدة لم تقدم أي ضمانات مكتوبة لروسيا بشأن تعاون موسكو مع إيران رغم العقوبات، مشيرة إلى أن موسكو تسعى لجني فوائد إضافية من مشاركتها في جهود إحياء الاتفاق الإيراني.
وأضافت أن روسيا لن تنجح في مسعاها هذا بعد أن أربكت المفاوضات المستمرة منذ 11 شهراً بطلبها في اللحظة الأخيرة ضماناً من الولايات المتحدة بأن العقوبات المفروضة عليها بسبب غزوها لأوكرانيا لن تعرقل تجارتها واستثماراتها وتعاونها العسكري التقني مع إيران.
وقالت نولاند، في جلسة أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي: «تحاول روسيا رفع سقف مطالبها وتوسيع نطاق مطالبها فيما يتعلق بخطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي)». ونوهت بأن العلاقات التجارية الروسية مع إيران «محدودة نسبياً» ومشاركة موسكو في هذا الاتفاق المهم مرتبطة بشكل أساسي بـ«مصالح الأمن القومي» الروسي. كذلك، أكدت أن مفاوضات فيينا باتت على «وشك إبرام» تسوية ورفضت دعوات من معارضي اتفاق 2015 إلى تعليق المحادثات بسبب الحرب في أوكرانيا. وقالت إن «آخر أمر نحتاج إليه الآن إلى جانب حرب بوتين الدموية، هو إيران مسلحة نووياً» بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

مصالح روسية
في طهران، حاول سفير روسيا لدى إيران، ليفان دجاغاريان، في مؤتمر صحافي أمس، توضيح موقف بلاده من المحادثات النووية. وقال: «سنأخذ مصالحنا أيضاً بعين الاعتبار في المفاوضات».
وبحسب وكالة «إيلنا» الإصلاحية، سئل دجاغاريان عن «سعي روسيا لنسف الاتفاق النووي بعد غزو أوكرانيا»، قال: «نسمع أصواتاً كثيرة بأن روسيا لا تريد بقاء الاتفاق النووي، لكن الجميع يعرف الدور الذي قامت به روسيا في المفاوضات التي انتهت باتفاق 2015، ولا يزال مبعوثنا في فيينا (ميخائيل أوليانوف) مصدراً لأخبار المحادثات» وقال: «الآن نأخذ مصالحنا بعين الاعتبار ونريد ضمان تبادلنا مع إيران»، وأضاف: «نريد أن ينجح الاتفاق النووي، لكن مصالحنا الخاصة مهمة بالنسبة لنا، وهي مصالح لإيران أيضاً».
وأشار دجاغاريان إلى اتصالات بين عبد اللهيان ونظيره الروسي سيرغي لافروف، ورد على أسئلة الصحافيين بسؤال «ألا تعتقدون أن الغربيين يريدون إثارة الانقسام بيننا؟».
ورأى العضو السابق في مركز أبحاث الرئاسة الإيرانية دياكو حسيني، أن حل القضايا المتبقية ممكن عبر التفاوض المباشر بين طهران وواشنطن.
وقال الناشط السياسي علي مطهري، نائب رئيس البرلمان الإيراني السابق، إن «روسيا بعد الهجوم على أوكرانيا، تسعى لأن تستفيد من الصراع بين إيران والغرب، خصوصاً في مجال الاتفاق النووي». ونقلت مواقع إخبارية عن مطهري قوله إن «روسيا تعتقد أن إحياء الاتفاق النووي، سيخلص الغرب، على رأسه أميركا، من قضية مهمة، وستركز على أوكرانيا».
وقال مطهري وهو أبرز مؤيدي الاتفاق النووي في إيران: «روسيا تحاول أن تستخدم الاتفاق النووي في صالحها في قضية أوكرانيا... برأيي أن روسيا تورطت في أوكرانيا، وتعتقد أن إطالة إحياء الاتفاق النووي يمكن أن تساعدها، بطبيعة الحال، هذه سياسة غير نزيهة».
وعاد أوليانوف للتغريد عبر «تويتر» بشأن الاتفاق النووي، وكتب أمس: «ينشر معارضو (الاتفاق النووي) في كل من الولايات المتحدة وإيران (...) معلومات مضللة من خلال الادعاء بأن روسيا هيمنت على محادثات فيينا». وقال: «هذا إطراء لكنه هراء. أود أن أرى كيف يمكن لأي شخص أن يسيطر على المفاوضات بمشاركة إيران والولايات المتحدة».

تهديد جمهوري
إلى ذلك، توعد مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي السابق، أمس، بانسحاب واشنطن مجدداً من الاتفاق النووي في حال عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض.
وقال بنس لصحيفة «إسرائيل هيوم» إن «الإدارة الجمهورية المستقبلية لن تكون ملتزمة بالاتفاق النووي وستنسحب منه بسرعة»، محذراً من أن إحياء الاتفاق النووي «سيمهد الطريق لقنبلة نووية لإيران»، رافضاً انتقادات الإدارة الحالية بأن الانسحاب من الاتفاق النووي «أدى إلى تفاقم الوضع» وقال: «انسحب الرئيس ترمب وإدارتنا من الاتفاق النووي لأنه كان كارثياً في المقام الأول». وتوقع بنس سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، معرباً عن اعتقاده أنهم سيعودون إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية 2024.



مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».