ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

«أين اسمي؟» فازت على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر

ديمة الشكر
ديمة الشكر
TT

ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

ديمة الشكر
ديمة الشكر

واحدة من الروايات، على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر لهذا العام، تلك التي كتبتها ديمة الشكر، وحملت عنوان «أين اسمي؟»، صادرة عن «دار الآداب». هي العمل الروائي الأول للمترجمة والناقدة، التي قررت الانتقال إلى عالم الرواية، خلال فترة الحجر، منطلقة من بحثها المزمن والقديم عن حكاية مدرسة طفولتها في باب توما المهددة باستثمار تجاري تحوم حوله الشبهات، وينزع عنها صبغتها التاريخية. ديمة الشكر تابعت طويلاً حكاية هذا المبنى الذي كان في الأصل بيتاً شامياً بناه الوجيه أنطوان شامية، من التعويضات التي دفعها العثمانيون لضحايا مجزرة 1860 في دمشق، أو ما بات يسمى بعد ذلك «طوشة النصارى»، ليؤكد أن المسيحيين باقون، ولن يغادروا بيوتهم، رغم ما حلّ بهم من تقتيل.

مدرسة ومجزرة

قصة المدرسة فتحت الباب، إذن، للكاتبة على حكاية المجزرة حين اكتشفت أنها ارتكبت في الجوار. 12 سنة وهي تتابع، وتبحث عما حدث في تلك الفترة الأليمة من حياة دمشق، وكيف عاش الناس المقتلة وبعدها. كيف يفكر الضحايا، وما هي التحولات الاجتماعية التي مروا بها إثر تهجيرهم من بيوتهم، ومغادرتهم أماكن سكنهم، وكيف يتصرف المرء بعد أن يفقد غالياً بوحشية تصبغ ذاكرته.
تقول ديمة الشكر لـ«الشرق الأوسط»: «سكنني شغف كبير للبحث عن مجزرة 1860 في دمشق. وهي حتماً على صلة بالمذبحة التي حصلت في الفترة نفسها في جبل لبنان، فالضحايا في الحالتين مسيحيون.
صحيح أنني كتبت الرواية في فترة 4 أشهر، لكنني كنت قد جمعت قبلها كل المعلومات، وقرأت كثيراً حول تلك الفترة. لفتني أن المذبحة غالباً ما يطلق عليها اسم حوادث، لتخفيف الوقع على الأذن. وكان ثمة حرص من قبل السلطات العثمانية على التكتم، بل منع الكلام عنها، فيما تصمت الضحية عادة، لأنها تشعر بالعار».

البطلة الضحية

تولد قمّور بطلة رواية «أين اسمي» من رحم المذبحة في دمشق. كانت في السابعة بعد ظهر 9 يوليو (تموز) 1860 تلعب قرب بركة الدار حين هوى نصل حادّ على رأس أمها شاجّاً إياه، وقضت مع من قضوا. آلت حال الصغيرة بعد حين، لأن تصبح خادمة، في منزل إيزابيل وزوجها القنصل الإنجليزي ريتشارد فرنسيس بورتون.
وهو مكتشف وأثري وباحث ومترجم معروف، له يرجع الفضل في نقل «ألف ليلة وليلة» و«الروض العاطر» والـ«كاماسوترا» إلى الإنجليزية. ليس غريباً أن نرى قمّور خادمة، وأن يتبدّل حال الناجين من المجزرة، «فأي كارثة تحلّ على الطبقة المتوسطة، تهوي بها إلى أسفل، وهذا ما حدث لكثير من شخصيات الرواية في باب توما، بعد المجزرة التي فرقتهم، وجعلت أقدارهم تتحول، رغماً عنهم. لكن ما يعود وينقذ هذه الطبقة ويرفعها هو التعليم»، تقول لنا الكاتبة.
بين الحقيقة التاريخية، وأجواء دمشق بأسواقها وديباجها وروائحها وحارتها، ومسحة الخيال التي تضفيها الشكر على عملها، يستعين القنصل بخادمته قمّور لتجمع له المعلومات عن المجزرة وتدونها، وهو ينهرها عن التدخل في رواية التفاصيل، يلزمها بحيادية النقل، وبرود المشاعر: «أنت مدوّنة ولست كاتبة»، يقول لها حين تحيد عن النهج الذي رسمه لها. لكن ما جمعته قمّور على أهميته لا يتحول إلى مادة صالحة للنشر، تحاول ولا تستطيع. كانت تحتاج مسافة من الوقت بين المأساة والتدوين الفعلي لها. تؤكد الشكر أن «قصة الخادمة قمّور ليست من نسج الخيال بالكامل. فمن الممارسات التي كانت شائعة استعانة الإنجليز بالأهالي لجمع الشهادات والمعلومات. ومما فعله السير ريتشارد بورتون نفسه أنه طلب ترجماناً ليجمع له الأمثال السورية، ويترجمها إلى الإنجليزية ونشرها بعد ذلك». وتضيف: «نعلم أن ثمة فتاة سورية أخذها معه ريتشارد بورتون وزوجته إلى بريطانيا، كما هي حال قمّور».
قمّور كاتبة، لكننا لا نعلم عنها الكثير. وبالتالي، فإن شخصية قمّور هي مزيج روائي تاريخي. «مقاطع كثيرة من الرواية، مستلهمة من حقائق وجدت بالفعل، لكن كان لا بد من نسج خط قصصي يربطها». بمعنى آخر، فإن المعلومات الغزيرة للأديبة عن المرحلة، وعن القنصل الإنجليزي ومساره، كل هذا ساعدها كي تحبك قصتها من الخلفيات التي تمتلكها. فإذا بنا أمام حكاية، تقرب قدر الممكن روح تلك المرحلة، في نهاية القرن التاسع عشر التي كانت مفصلية ومضطربة.
بورتون وزوجته يعودان إلى بلادهما، وقمور تريد أن تنسى نزف الماضي، لتعيش حياة جديدة برفقة زوجها حنا. ويوم يصلها مبلغ من المال، بعد وفاة بورتون وزوجته التي أوصت لها بـ50 جنيه إسترليني، تتذكر قمّور وصية برتون لها بالكتابة، وتعود تنبش فيما نسخت وخبّأت، يوم كان يطلب منها التسجيل. «هذه المرة تكتب قمّور، لأنها تريد أن تكتب، هي تمتلك إرادتها وحريتها، ترجع إلى القديم، وتتحول هي نفسها إلى شاهد عيان على ما رأت وسمعت. لكن زوجها الذي كان قبل ذلك ترجمان القنصلية البريطانية، سيصدر الكتاب بدون اسمها، وعلى غلافه (قرين حنّا المسك)». من هنا يحق لها أن تسأل، وهي صاحبة الجهد والشاهد الحقيقي: «أين اسمي؟» تشرح الكاتبة: «في النهاية، صار التأجيل بالنسبة لقمّور أمراً لا يحتمل بعد انتظار 22 سنة. تدون هي الحكاية، لكن النسخة المكتوبة تحمل اسم زوجها. ولأن الكلام كان لا يزال محظوراً، يقول أحد الباحثين؛ الآن عرفنا سبب وجود عدة نسخ عن المخطوطة، ذلك لأن تناقلها كان سرياً وتأخر طبعها حتى عام 1901».
تتحدث الشكر على جزئية غاية في الأهمية في الرواية، وهي أن «قمّور لفتت القنصل بذكائها، في وقت كان فيه التعليم قد بدأ ينتشر في المنطقة، فوجد أنه لا بد أن يعلمها الإنجليزية، كي تتواصل مع زوجته التي لم تتحدث العربية. وما أردت أن أبرزه هو أن قمّور فشلت في الكتابة في البداية، لكن مع التدرج في التعلم، وبعد اكتمال الأدوات لديها، قررت أن تكتب من تلقاء نفسها». فالقصة تدور أحداثها على أعتاب عصر النهضة، والروائية لم تفوت الفرصة، لتجعل من بطلتها الخارجة من مجزرة، امرأة لا تكف عن التطور، سواء في مظهرها أو في عاداتها، بعد أن تذهب مع مخدوميها إلى لندن وتريستا، أو بشكل أخص في فكرها وقدرتها على التعبير عن نفسها.

روايتان في كتاب

الكتاب عبارة عن روايتين، تحكيان قصة امرأتين دمشقيتين، من زمنين مختلفين. ففي القسم الثاني هي حكاية زينة الهاربة من جحيم هي الأخرى، لكنها الحرب السورية هذه المرة. تدرس المعمار في لندن بفضل منحة حصلت عليها، وتقرر أن تتخصص في البلاط القيشاني. يصادف أن يعطيها أستاذها رواية قديمة، فيها معلومات تفيدها في اختصاصها. الصلة بين المرأتين وطيدة، رغم فارق الزمن الذي يقارب 100 سنة. الاثنتان ذهبتا إلى لندن، وعادتا مختلفتين. وتتشارك ديمة الشكر مع بطلتيها عيشها، هي أيضاً لفترة في لندن: «كتبت عما أحب، عما أعرف. تدور أحداث الروايتين في أماكن تحركت فيها، وأعلم تفاصيلها، وصفت كثيراً المعمار، فهذا أمر يهمني». شغفت الروائية بشخصية بورتن، قرأت عنها، تتبعت سيرته، ذهبت وزارت مقبرته. «لم أتمكن من أن أحمّل الرواية كل ما عرفته عنه. الروائي كالخياط، حين يخيط حكايته، لا بد أن ثمة معلومات تفيض عن حاجة القص، فيهملها. لكن معلوم أن زوجة بورتون بعد وفاته أحرقت كتبه. كانت سيدة متعصبة مسيحياً، وهو منفتح وغير عابئ بالدين، ويحب المسلمين. أرادت أن تخفي هذا الوجه عنده، الذي لم يكن يريحها، ويموت مؤمناً كاثوليكياً. وقد عني كثيراً في حياته بدراسة الممارسات الجنسية عن الشعوب، من هنا جاءت ترجمته للكاماسوترا. وتعمق في الأنثروبولوجيا ودرس الأفارقة والهنود والعرب. لكن كل هذا لم يكن له من مبرر لذكره في الرواية».
بالعودة إلى زينة بطلة القسم الثاني من «أين اسمي؟» فهي الأخرى تتعلم من أستاذها الإنجليزي كما تعلمت قمّور على يدي القنصل ريتشارد بورتون. وفي نهاية الرواية، نراها تستمع إلى ملاحظاته التي تبدو ألطف وأكثر لياقة من ملاحظات ريتشارد الفظة المستعلية لقمّور. لكن القارئ يترك الرواية على عطش، ويبقى يعنّ على باله سؤال، لا يجد له جواباً؛ لماذا تتطور البطلتان قمّور وزينة وتترقيان في مراتب المعرفة، على اختلاف الزمنين، على يدي رجلين إنجليزيين؟ بالتأكيد ليس في الأمر من مصادفة.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».