ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

«أين اسمي؟» فازت على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر

ديمة الشكر
ديمة الشكر
TT

ديمة الشكر: شغفت بشخصية ريتشارد بورتون حتى أنني زرت مقبرته

ديمة الشكر
ديمة الشكر

واحدة من الروايات، على اللائحة الطويلة لجائزة البوكر لهذا العام، تلك التي كتبتها ديمة الشكر، وحملت عنوان «أين اسمي؟»، صادرة عن «دار الآداب». هي العمل الروائي الأول للمترجمة والناقدة، التي قررت الانتقال إلى عالم الرواية، خلال فترة الحجر، منطلقة من بحثها المزمن والقديم عن حكاية مدرسة طفولتها في باب توما المهددة باستثمار تجاري تحوم حوله الشبهات، وينزع عنها صبغتها التاريخية. ديمة الشكر تابعت طويلاً حكاية هذا المبنى الذي كان في الأصل بيتاً شامياً بناه الوجيه أنطوان شامية، من التعويضات التي دفعها العثمانيون لضحايا مجزرة 1860 في دمشق، أو ما بات يسمى بعد ذلك «طوشة النصارى»، ليؤكد أن المسيحيين باقون، ولن يغادروا بيوتهم، رغم ما حلّ بهم من تقتيل.

مدرسة ومجزرة

قصة المدرسة فتحت الباب، إذن، للكاتبة على حكاية المجزرة حين اكتشفت أنها ارتكبت في الجوار. 12 سنة وهي تتابع، وتبحث عما حدث في تلك الفترة الأليمة من حياة دمشق، وكيف عاش الناس المقتلة وبعدها. كيف يفكر الضحايا، وما هي التحولات الاجتماعية التي مروا بها إثر تهجيرهم من بيوتهم، ومغادرتهم أماكن سكنهم، وكيف يتصرف المرء بعد أن يفقد غالياً بوحشية تصبغ ذاكرته.
تقول ديمة الشكر لـ«الشرق الأوسط»: «سكنني شغف كبير للبحث عن مجزرة 1860 في دمشق. وهي حتماً على صلة بالمذبحة التي حصلت في الفترة نفسها في جبل لبنان، فالضحايا في الحالتين مسيحيون.
صحيح أنني كتبت الرواية في فترة 4 أشهر، لكنني كنت قد جمعت قبلها كل المعلومات، وقرأت كثيراً حول تلك الفترة. لفتني أن المذبحة غالباً ما يطلق عليها اسم حوادث، لتخفيف الوقع على الأذن. وكان ثمة حرص من قبل السلطات العثمانية على التكتم، بل منع الكلام عنها، فيما تصمت الضحية عادة، لأنها تشعر بالعار».

البطلة الضحية

تولد قمّور بطلة رواية «أين اسمي» من رحم المذبحة في دمشق. كانت في السابعة بعد ظهر 9 يوليو (تموز) 1860 تلعب قرب بركة الدار حين هوى نصل حادّ على رأس أمها شاجّاً إياه، وقضت مع من قضوا. آلت حال الصغيرة بعد حين، لأن تصبح خادمة، في منزل إيزابيل وزوجها القنصل الإنجليزي ريتشارد فرنسيس بورتون.
وهو مكتشف وأثري وباحث ومترجم معروف، له يرجع الفضل في نقل «ألف ليلة وليلة» و«الروض العاطر» والـ«كاماسوترا» إلى الإنجليزية. ليس غريباً أن نرى قمّور خادمة، وأن يتبدّل حال الناجين من المجزرة، «فأي كارثة تحلّ على الطبقة المتوسطة، تهوي بها إلى أسفل، وهذا ما حدث لكثير من شخصيات الرواية في باب توما، بعد المجزرة التي فرقتهم، وجعلت أقدارهم تتحول، رغماً عنهم. لكن ما يعود وينقذ هذه الطبقة ويرفعها هو التعليم»، تقول لنا الكاتبة.
بين الحقيقة التاريخية، وأجواء دمشق بأسواقها وديباجها وروائحها وحارتها، ومسحة الخيال التي تضفيها الشكر على عملها، يستعين القنصل بخادمته قمّور لتجمع له المعلومات عن المجزرة وتدونها، وهو ينهرها عن التدخل في رواية التفاصيل، يلزمها بحيادية النقل، وبرود المشاعر: «أنت مدوّنة ولست كاتبة»، يقول لها حين تحيد عن النهج الذي رسمه لها. لكن ما جمعته قمّور على أهميته لا يتحول إلى مادة صالحة للنشر، تحاول ولا تستطيع. كانت تحتاج مسافة من الوقت بين المأساة والتدوين الفعلي لها. تؤكد الشكر أن «قصة الخادمة قمّور ليست من نسج الخيال بالكامل. فمن الممارسات التي كانت شائعة استعانة الإنجليز بالأهالي لجمع الشهادات والمعلومات. ومما فعله السير ريتشارد بورتون نفسه أنه طلب ترجماناً ليجمع له الأمثال السورية، ويترجمها إلى الإنجليزية ونشرها بعد ذلك». وتضيف: «نعلم أن ثمة فتاة سورية أخذها معه ريتشارد بورتون وزوجته إلى بريطانيا، كما هي حال قمّور».
قمّور كاتبة، لكننا لا نعلم عنها الكثير. وبالتالي، فإن شخصية قمّور هي مزيج روائي تاريخي. «مقاطع كثيرة من الرواية، مستلهمة من حقائق وجدت بالفعل، لكن كان لا بد من نسج خط قصصي يربطها». بمعنى آخر، فإن المعلومات الغزيرة للأديبة عن المرحلة، وعن القنصل الإنجليزي ومساره، كل هذا ساعدها كي تحبك قصتها من الخلفيات التي تمتلكها. فإذا بنا أمام حكاية، تقرب قدر الممكن روح تلك المرحلة، في نهاية القرن التاسع عشر التي كانت مفصلية ومضطربة.
بورتون وزوجته يعودان إلى بلادهما، وقمور تريد أن تنسى نزف الماضي، لتعيش حياة جديدة برفقة زوجها حنا. ويوم يصلها مبلغ من المال، بعد وفاة بورتون وزوجته التي أوصت لها بـ50 جنيه إسترليني، تتذكر قمّور وصية برتون لها بالكتابة، وتعود تنبش فيما نسخت وخبّأت، يوم كان يطلب منها التسجيل. «هذه المرة تكتب قمّور، لأنها تريد أن تكتب، هي تمتلك إرادتها وحريتها، ترجع إلى القديم، وتتحول هي نفسها إلى شاهد عيان على ما رأت وسمعت. لكن زوجها الذي كان قبل ذلك ترجمان القنصلية البريطانية، سيصدر الكتاب بدون اسمها، وعلى غلافه (قرين حنّا المسك)». من هنا يحق لها أن تسأل، وهي صاحبة الجهد والشاهد الحقيقي: «أين اسمي؟» تشرح الكاتبة: «في النهاية، صار التأجيل بالنسبة لقمّور أمراً لا يحتمل بعد انتظار 22 سنة. تدون هي الحكاية، لكن النسخة المكتوبة تحمل اسم زوجها. ولأن الكلام كان لا يزال محظوراً، يقول أحد الباحثين؛ الآن عرفنا سبب وجود عدة نسخ عن المخطوطة، ذلك لأن تناقلها كان سرياً وتأخر طبعها حتى عام 1901».
تتحدث الشكر على جزئية غاية في الأهمية في الرواية، وهي أن «قمّور لفتت القنصل بذكائها، في وقت كان فيه التعليم قد بدأ ينتشر في المنطقة، فوجد أنه لا بد أن يعلمها الإنجليزية، كي تتواصل مع زوجته التي لم تتحدث العربية. وما أردت أن أبرزه هو أن قمّور فشلت في الكتابة في البداية، لكن مع التدرج في التعلم، وبعد اكتمال الأدوات لديها، قررت أن تكتب من تلقاء نفسها». فالقصة تدور أحداثها على أعتاب عصر النهضة، والروائية لم تفوت الفرصة، لتجعل من بطلتها الخارجة من مجزرة، امرأة لا تكف عن التطور، سواء في مظهرها أو في عاداتها، بعد أن تذهب مع مخدوميها إلى لندن وتريستا، أو بشكل أخص في فكرها وقدرتها على التعبير عن نفسها.

روايتان في كتاب

الكتاب عبارة عن روايتين، تحكيان قصة امرأتين دمشقيتين، من زمنين مختلفين. ففي القسم الثاني هي حكاية زينة الهاربة من جحيم هي الأخرى، لكنها الحرب السورية هذه المرة. تدرس المعمار في لندن بفضل منحة حصلت عليها، وتقرر أن تتخصص في البلاط القيشاني. يصادف أن يعطيها أستاذها رواية قديمة، فيها معلومات تفيدها في اختصاصها. الصلة بين المرأتين وطيدة، رغم فارق الزمن الذي يقارب 100 سنة. الاثنتان ذهبتا إلى لندن، وعادتا مختلفتين. وتتشارك ديمة الشكر مع بطلتيها عيشها، هي أيضاً لفترة في لندن: «كتبت عما أحب، عما أعرف. تدور أحداث الروايتين في أماكن تحركت فيها، وأعلم تفاصيلها، وصفت كثيراً المعمار، فهذا أمر يهمني». شغفت الروائية بشخصية بورتن، قرأت عنها، تتبعت سيرته، ذهبت وزارت مقبرته. «لم أتمكن من أن أحمّل الرواية كل ما عرفته عنه. الروائي كالخياط، حين يخيط حكايته، لا بد أن ثمة معلومات تفيض عن حاجة القص، فيهملها. لكن معلوم أن زوجة بورتون بعد وفاته أحرقت كتبه. كانت سيدة متعصبة مسيحياً، وهو منفتح وغير عابئ بالدين، ويحب المسلمين. أرادت أن تخفي هذا الوجه عنده، الذي لم يكن يريحها، ويموت مؤمناً كاثوليكياً. وقد عني كثيراً في حياته بدراسة الممارسات الجنسية عن الشعوب، من هنا جاءت ترجمته للكاماسوترا. وتعمق في الأنثروبولوجيا ودرس الأفارقة والهنود والعرب. لكن كل هذا لم يكن له من مبرر لذكره في الرواية».
بالعودة إلى زينة بطلة القسم الثاني من «أين اسمي؟» فهي الأخرى تتعلم من أستاذها الإنجليزي كما تعلمت قمّور على يدي القنصل ريتشارد بورتون. وفي نهاية الرواية، نراها تستمع إلى ملاحظاته التي تبدو ألطف وأكثر لياقة من ملاحظات ريتشارد الفظة المستعلية لقمّور. لكن القارئ يترك الرواية على عطش، ويبقى يعنّ على باله سؤال، لا يجد له جواباً؛ لماذا تتطور البطلتان قمّور وزينة وتترقيان في مراتب المعرفة، على اختلاف الزمنين، على يدي رجلين إنجليزيين؟ بالتأكيد ليس في الأمر من مصادفة.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.