كيف تغير العالم منذ غزو روسيا لأوكرانيا؟

لاجئون أوكرانيون في مركز استقبال لاجئين ببلدة كورزوا البولندية (أ.ف.ب)
لاجئون أوكرانيون في مركز استقبال لاجئين ببلدة كورزوا البولندية (أ.ف.ب)
TT

كيف تغير العالم منذ غزو روسيا لأوكرانيا؟

لاجئون أوكرانيون في مركز استقبال لاجئين ببلدة كورزوا البولندية (أ.ف.ب)
لاجئون أوكرانيون في مركز استقبال لاجئين ببلدة كورزوا البولندية (أ.ف.ب)

أودى الغزو الروسي لأوكرانيا بحياة المئات في ساحة المعركة وفي المدن الأوكرانية الواقعة تحت القصف.
لكن على الصعيد الدولي، أثّر الغزو أيضاً على مختلف دول العالم في الكثير من المجالات، مثل الأمن الغذائي وأسعار الغاز، كما أنه أعاد خلط أوراق جيوسياسية وغيّر طريقة عمل بعض أبرز المؤسسات في العالم، وفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية.
وذكرت الشبكة 4 طرق تغير بها العالم منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي:

1- تغير النظام العالمي
يقول الخبراء إن التغييرات في النظام العالمي الجيوسياسي التي حدثت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا هي الأكبر منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، ففي السنوات التي تلت هذه الأحداث، استحوذ الإرهاب العالمي على اهتمام القادة الغربيين، الذين عدّوا «القاعدة»، ومؤخراً «داعش»، أعداءهم الأساسيين الذين يحتاجون إلى مواجهة. ولم يعد يُنظر إلى الكرملين على أنه مصدر تهديد، كما كان يُرى من قبل، لدرجة أنه في عام 2012، سخر الرئيس الأميركي باراك أوباما من المرشح الرئاسي آنذاك ميت رومني بعد وصفه لروسيا بالعدو الجيوسياسي الأول للولايات المتحدة.
ولم يدعم الكثير من الديمقراطيات الغربية بوتين خلال وقوفه إلى جانب رئيس النظام السوري بشار الأسد، رغم زعمه أنه يساعد الأسد «في الحرب على الإرهاب»، وذلك لعدة أسباب أهمها التقارير الموثوقة عن مهاجمة الديكتاتور السوري لشعبه بعنف شديد وأسلحة كيميائية.
وأدى قرار بوتين ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا إلى فرض عقوبات عليه وإدانته بشدة.
لكن على الرغم من ذلك، ظل بوتين لاعباً وشريكاً مهماً للقادة من واشنطن إلى وارسو. فقد كانت روسيا عنصراً مهماً في القتال ضد «داعش»، ومورّد الطاقة الرئيسي لأوروبا، هذا إلى جانب دورها في التفاوض على اتفاقيات دبلوماسية كبرى مثل الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.
وربما يكون غزو الأسبوع الماضي قد أنهى ذلك، وألقى بتبعاته على النظام العالمي، حيث أعاد خلط أوراق جيوسياسية، ووضع موسكو في موقع «المنبوذ» دولياً، ووحّد الدول الغربية في مواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأيقظ التهديد النووي من سباته.

ورداً على الغزو، ضرب العالم الغربي روسيا بعقوبات غير مسبوقة أصابت مؤسساتها المالية بالشلل، ودفعت اقتصادها والروبل إلى حالة من الانهيار الشديد، بل استهدفت بوتين وبعض أفراد دائرته المقربة شخصياً.
وقال الرئيس الأميركي جو بايدن، يوم الثلاثاء، خلال خطاب «حال الاتحاد» إن «بوتين الآن معزول عن العالم أكثر من أي وقت مضى».

2- توحيد أوروبا بشكل أكبر
دفع الغزو الروسي الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ قرارات أمنية لم يكن من الممكن تصورها قبل بضعة أسابيع.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان لسنوات واحداً من أقوى اللاعبين الاقتصاديين في العالم، فإنه فشل في تحويل تلك القوة إلى قوة جيوسياسية مكافئة.

وتاريخياً، انقسم الاتحاد الأوروبي حول مدى السيطرة المركزية التي يجب أن يتمتع بها على السياسة الخارجية.
أما الآن، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فقد تطور تفكير أوروبا بشأن الدفاع والأمن والشؤون الخارجية بشكل لم يسبق له مثيل.
لقد استيقظت أوروبا الآن من حلم دام عقوداً بأن الاستقرار الذي يوفره عالم مترابط سيمنع اندلاع الحرب وأنه في حالة حدوث أزمة سياسية من هذا النوع، فإن أميركا ستعمل على حلها.
وأدت صدمة عودة الحرب إلى أوروبا إلى توحيد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعددها 27 دولة. وتستخدم الكتلة الآن قوتها الاقتصادية لأغراض جيوسياسية، وتستهدف روسيا بأقوى حزمة من العقوبات التي فرضتها على الإطلاق.
وقدمت الكتلة، لأول مرة على الإطلاق، التمويل لشراء أسلحة لأوكرانيا. وحتى ألمانيا، التي كانت على مدى عقود تكره النهج العسكري للسياسة الخارجية، فتشارك الآن في تسليح أوكرانيا وتعزيز إنفاقها العسكري رداً على الغزو.

3- مليون لاجئ أوكراني
فر مليون شخص أوكراني من ديارهم في الأيام السبعة الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي واحدة من أسرع وأكبر الهجرات البشرية في الذاكرة الحديثة.
وقال فيليبو غراندي، المفوض الأعلى لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة: «لقد عملت في حالات الطوارئ الخاصة باللاجئين منذ ما يقرب من 40 عاماً، ونادراً ما رأيت نزوحاً جماعياً بهذه السرعة».

وإذا استمر القتال، فقد تواجه أوروبا أزمة لاجئين غير مسبوقة.
ولا يزال مستقبل اللاجئين غير واضح. فإذا أطاحت روسيا بالحكومة الأوكرانية المنتخبة ديمقراطياً، فهل سيرغب هؤلاء في العودة إلى ديارهم؟ وماذا لو لم يعد لديهم منازل يعودون إليها بعد القتال؟

4- الغذاء والوقود
توقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع تكاليف الطاقة وأسعار السلع في الكثير من البلدان مع الصراع الروسي - الأوكراني.
وسجلت أسعار الغاز في الولايات المتحدة مؤخراً أكبر ارتفاعاتها منذ الفترة التي تلت إعصار كاترينا في 2005.

وعلى الرغم من أن أوروبا قالت منذ سنوات إنها بحاجة إلى التخلص من الطاقة الروسية، فإن موسكو هي أكبر مورّد للنفط والغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي.
علاوة على ذلك، يخشى الخبراء من أن أسعار المواد الغذائية قد ترتفع بشكل حاد جداً في الفترة القادمة.
وقال المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي ديفيد بيسلي، إنه، في أوكرانيا وحدها، سيحتاج ما بين ثلاثة وخمسة ملايين شخص إلى الدعم الغذائي على الفور نتيجة للأزمة الحالية.

وتحذّر وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني من أن سلاسل التوريد العالمية، التي تضررت بالفعل بسبب جائحة «كورونا»، يمكن أن تتعرض لمزيد من الفوضى.
وتعد روسيا وأوكرانيا من بين المنتجين الرئيسيين للقمح في العالم. ويمثلان معاً 23% من جميع الصادرات العالمية، وفقاً لشركة «S&P Global».
وقال جوليان بارنز داسي، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز أبحاث «المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية»، إن التأثير على الشرق الأوسط قد يكون أسوأ بكثير من دول أخرى.
وكان الشرق الأوسط ثالث أكبر مشترٍ للقمح الأوكراني في موسم 2020 – 2021، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة الأميركية. ووصل أكثر من 40% من صادرات القمح الأوكرانية الأخيرة إلى الشرق الأوسط أو أفريقيا.
وتعد مصر ولبنان وليبيا من بين أكبر مشتري القمح الأوكراني في المنطقة، مع دول مثل اليمن وسوريا تعتمد على مشتريات برنامج الغذاء العالمي للقمح الأوكراني كمساعدات.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended