لبنانيون يبحثون عن أدويتهم المفقودة في السوق السوداء ودول المهجر

TT

لبنانيون يبحثون عن أدويتهم المفقودة في السوق السوداء ودول المهجر

تبحث اللبنانية سمر عن دواء ضغط الدم المفقود كلما اقتربت الكمية الموجودة لديها من النفاد. تجول على صيدليات بيروت، تتصل بالأصدقاء والأقارب ليبحثوا لها عن دوائها ضمن نطاق سكنهم أو عملهم. وغالباً ما تخرج من رحلة البحث تلك بسلة فارغة، وقليلاً ما تفلح في «اقتناص» علبة لدى إحدى الصيدليات، «لكن نادراً ما يكون الثمن وفق التسعيرة الرسمية لوزارة الصحة»، حسبما قالت لـ«الشرق الأوسط».
وسمر واحدة من كثيرين من اللبنانيين الذين باتوا يفتشون اليوم عن أدويتهم المفقودة سواء في السوق السوداء أو عبر أصدقاء ومعارف في دول المهجر.
وتحدد وزارة الصحة اللبنانية التسعيرة الرسمية للأدوية في مؤشر يُعرض على منصتها الإلكترونية، ويرتفع أو ينخفض وفقاً لتغير سعر صرف الدولار في السوق الموازية. وترفض بعض الصيدليات الالتزام بالتسعيرة الرسمية، وتروي سمر (60 عاماً) أنها دفعت ثمن العلبة الواحدة 191 ألف ليرة لبنانية في حين أن وزارة الصحة حددت السعر بـ128 ألف ليرة، وتقول: «لم يعد يهمني السعر بقدر ما يهمني أن أجد الدواء، وأنا على استعداد لدفع الثمن الذي يطلبونه».
وفي هذا الإطار، يؤكد نقيب الصيادلة جو سلوم لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم الصيدليات ملتزمة، أما المخالفات فطفيفة ولأسباب تقنية»، لكنه يضيف: «أحياناً تكون الصيدليات قد اشترت الدواء بسعر مرتفع ولا تريد أن تتكبد خسارة من خلال بيعه بسعر أرخص».
أزمة نقص الأدوية في السوق اللبنانية بدأت في عام 2020 بسبب عدم توفر الدولار اللازم للاستيراد، وتفاقمت يوماً بعد يوم فزادت أصناف الأدوية المفقودة خصوصاً مع قيام جهات بتهريبها إلى سوريا من جهة، وقيام المحتكرين والمستوردين وأصحاب الصيدليات بتخزينها من جهة أخرى، بهدف تحقيق أرباح أكبر بعد رفع الدعم أو لبيعها في السوق السوداء.
وبعد إعلان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عدم توفر الأموال اللازمة لاستمرار الدعم، أصدرت الحكومة اللبنانية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي قراراً برفع الدعم الجزئي أو الكلي عن معظم الأدوية، وأبقى مصرف لبنان الدعم للأدوية المزمنة والمستعصية وأدوية المناعة بمبلغ 25 مليون دولار بعدما كان بدعم قطاع الدواء قبل رفع الدعم بـ115 مليون دولار، إلا أن هذا القرار لم يحل أزمة عدم توفر العديد من الأدوية.
ويوضح سلوم أن «الصناعة المحلية هي البديل الأوفر من حيث الكمية والنوعية إضافة إلى السعر الذي يعتبر مقبولاً نسبياً»، ورغم أن البديل المصنع محلياً يعوض الخلل الموجود إلى حد ما وفقاً لسلوم، فإنه يؤكد عدم وجود البديل لعدد كبير من الأدوية. ويشرح أنه «لتغطية حاجة السوق من الأدوية المصنعة محلياً يجب تخصيص دعم شهري بـ8 ملايين دولار في حين أن الدعم الذي يعطى هو 4 ملايين دولار فقط أي نصف المبلغ المطلوب».
ويدور الحديث في الأروقة عن أن الأدوية المدعومة جزئياً ستبقى مفقودة من السوق اللبنانية لحين رفع الدعم عنها، ويرى سلوم «أننا أمام حلين لا ثالث لهما إما إعطاء المال الكافي لدعم الدواء أو رفعه كلياً، وفي حال كان الاتجاه للخيار الثاني يجب أن يترافق مع البطاقة الدوائية التي تتيح للمريض الحصول على الدواء».
من جهته، يشرح نقيب مستوردي الأدوية في لبنان كريم جبارة لـ«الشرق الأوسط» أن مصرف لبنان لا يستطيع دعم قطاع الأدوية إلا بمبلغ 25 مليون دولار شهرياً وهذا المبلغ بحسب كل الإحصاءات لا يكفي لسد الحاجة مهما بلغ حجم الترشيد، مشيراً إلى أن «مستوردي الأدوية كانوا يصرفون 70 مليون دولار في السابق لتغطية حاجة السوق». ويقول جبارة: «اليوم لم نعد كمستوردين نقرر أي أدوية مدعومة سنستورد ولسنا من نحدد الكمية، بل نقوم بتقديم الطلبات لوزارة الصحة التي تقوم بدراستها وتلعب دور الحكم في تحديد الأنواع والكمية وفقاً للأولويات التي تضعها، لتضمين أكبر عدد ممكن من الأدوية ضمن ميزانية الـ25 مليون دولار».
ويلفت إلى أن مصرف لبنان لا يستطيع زيادة الأموال لدعم الدواء وهذا ما أكده لوزير الصحة فراس الأبيض، وتتفق وجهتا نظر جبارة وسلوم لناحية حل أزمة انقطاع الدواء، ويقول نقيب المستوردين: «هناك حلان، إما زيادة الدعم من خلال تمويل خارجي، وصعوبة هذا الحل بأن لبنان لن يحصل على أي تمويل من الدول المانحة من دون تقديم إصلاحات»، أما الحل الثاني وفقاً له، فيتمثل بتجيير مبلغ الـ25 مليون دولار من مصرف لبنان لدعم الأدوية المستعصية، ورفع الدعم عن الأدوية المزمنة مقابل تقديم بطاقة دوائية بالليرة اللبنانية للمواطن تعوض فارق رفع الدعم وتغطي كلفة الدواء.
وفي حين لا يفلح العدد الأكبر من المرضى في إيجاد أدويتهم المفقودة، يلجأ البعض إلى الأقارب والأصدقاء في الخارج، ومنهم جميلة (80 عاماً)، التي تشرح لـ«الشرق الأوسط» أن ابنتها بحثت عن دواء لمرض القلب أو البديل عنه وهو من الأدوية المزمنة المدعومة جزئياً. وتضيف: «بحثت ابنتي عن الدواء في أغلب صيدليات لبنان من دون أن تجد حبة واحدة. من هنا لم يكن أمامها سوى اللجوء إلى معارفها خارج لبنان، فتواصلت مع أصدقائها في الأردن ومصر وتركيا من دون نتيجة، إلى أن وجدته في فرنسا. ومذاك الحين يجلب أصدقاؤها كمية كافية لمدة شهرين أو ثلاثة في كل زيارة يقومون بها إلى لبنان».
طريقة أخرى لجأ إليها المرضى لتأمين أدويتهم، عبر تجار يسافرون بشكل دوري لاستيراد بضائعهم. ويخصص موسى وهو تاجر ملابس يسافر أكثر من خمس مرات في السنة إلى تركيا، جزءاً من حقيبة سفره لإحضار «الطلبية» التي يوصيه بها الباحثون عن الدواء، حسبما يوضح لـ«الشرق الأوسط»، ويضيف: «الدفع بالدولار النقدي مع هامش بسيط من الربح».
بالمقابل، أصبحت السوق السوداء الحل الوحيد للعديد من اللبنانيين الذين لا يجدون أدويتهم، ومنهم جمال الذي يؤكد أنه وجد في السوق السوداء الحل الأفضل لاختصار جهد البحث. الرجل الأربعيني الذي يعاني من مرضي ارتفاع سكر الدم والاكتئاب، لا يجد في لبنان الإبر الخاصة لجهاز فحص السكري منذ نحو السنة، إضافة إلى الدواء الذي يستعمله لمعالجة مرض السكري ودواء الاكتئاب، حسبما يروي لـ«الشرق الأوسط». ووجد جمال «ضالته» لدى إحدى الصيدليات التي تبيع علبة الإبر بـ33 دولار نقدا (نحو 700 ألف ليرة) وعلبة دواء السكري بـ10 دولارات (200 ألف ليرة)، ودواء الاكتئاب بـ20 دولاراً (400 ألف ليرة)، حسبما يروي.
ويقول: «عند الحاجة تسقط كل الاعتبارات ولو كانت الدولة تؤمن الأدوية والمستلزمات الطبية لما أجبرنا على دفع ثلاثة أضعاف الثمن».
ويستورد بعض أصحاب الصيدليات المقتدرين الأدوية المفقودة من تركيا ومصر ودول الخليج وأوروبا، على حسابهم الشخصي، ويبيعونها في السوق السوداء بالدولار النقدي.
ويقول صيدلي يقوم باستيراد الدواء بشكل غير قانوني لـ«الشرق الأوسط»: «الدواء المهرب هو بمثابة الحل الوحيد للمرضى العاجزين عن تأمين أدويتهم. عدم أخذ أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية بانتظام يهدد صحة المريض النفسية والجسدية والعقلية، وقد يودي بحياته... ما نقوم به يمثل خشبة الخلاص للكثيرين».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.