قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

وسط الحذر من الانعكاسات الإقليمية في شرق آسيا وجنوبها

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا
TT

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

مع مواصلة المباحثات حيال الأزمة الأوكرانية بين الأطراف المعنية، تتجاوز تداعيات الأزمة المستمرة حدود الأثر على أوروبا، حيث يوجد لها بعد آسيوي جيو - سياسي، إلى جانب آثار أخرى للصراع ما يشكل تهديداً جديداً لآسيا أيضاً. فرغم أن الصراع يبدو ظاهراً مشكلة أوروبية لها عمقها عبر المحيط الأطلسي بالأساس، فإن لدى كل من الصين والهند واليابان علاقات تاريخية، خاصةً مع روسيا، تقيد ردود فعلها تجاه الصراع في أوكرانيا، ما يضعها في مأزق دبلوماسي واقتصادي.
لقد انضمت الهند والصين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في النأي بنفسها عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية. وكما هو معروف، فإن هذا القرار، الذي يدين بشدة الاعتداء الروسي على أوكرانيا، حصل على أحد عشر صوتاً في المجلس المكون من 15 دولة، لكن ما حال دون إقراره، استخدام روسيا، العضو الدائم في المجلس – وهي بالمناسبة رئيس مجلس الأمن لشهر فبراير (شباط) – حق النقض «الفيتو».
تحافظ نيودلهي على علاقات وثيقة قوية مع موسكو، وكانت البيانات الرسمية الهندية إزاء الأزمة الراهنة في أوكرانيا مرضية، حتى هذه اللحظة للمسؤولين الروس، وأقرت بذلك روسيا علناً. وفي المقابل، رفض السفير الهندي في الولايات المتحدة انتقاد تحركات روسيا صراحاً، بل حث كل الأطراف على «ضبط النفس».
وفي المقابل، كتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حسابه على موقع «تويتر» أنه قد تحدث مع ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، ساعياً إلى الحصول على «دعم سياسي»، بعد فترة وجيزة من ثناء روسيا على القرار الهندي بالامتناع عن التصويت على قرار الأمم المتحدة بإدانة الغزو الروسي. وبدوره، اتصل رئيس الوزراء الهندي بالرئيس الروسي بعد ساعات من طلب أوكرانيا تدخل الهند في حل الأزمة. لقد ذكر مكتب مودي في بيان «طالب رئيس الوزراء بوقف فوري للعنف، ودعا إلى بذل جهود منسقة من جانب جميع الأطراف للعودة إلى مسار المفاوضات الدبلوماسية والحوار».
الدبلوماسي الهندي السابق أشوك ساجانهار علق على هذا الموقف بالقول «يمثل العدوان الروسي في أوكرانيا أخطارا كبيرة على المصالح الهندية، بدءاً من إلقاء موسكو في أيدي بكين إلى تشتيت تركيز واشنطن وإبعادها عن مواجهة القوة الصينية في منطقة آسيا - المحيط الهادئ. كذلك إذا ظلت الهند متجاهلة لذلك «العدوان الروسي»، قد تتعرض العلاقات الهندية - الأميركية، التي ازدادت قوة خلال العقد الماضي حتى وصلت إلى آفاق جديدة، إلى ضربة موجعة». وأردف الدبلوماسي الهندي «قد يعرض ذلك مجموعة الـ«كواد» (الحوار الأمني الرباعي) للخطر، نظراً لإعلان أعضاء المجموعة الآخرين، وهم أستراليا واليابان والولايات المتحدة، فرض عقوبات على روسيا. وبعكس الدول الثلاث الأعضاء في الـ«كواد»، اختارت الهند التزام الصمت في اجتماع وزراء خارجية دول المجموعة خلال فبراير (شباط) المنقضي، وكانت اختلافاتهم كبيرة وغير قابلة للمعالجة خلال الاجتماع كما يتضح من تحاشي البيان المشترك لـ«كواد» التطرق إلى أوكرانيا».
الجدير بالذكر هنا، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد زار الهند في ديسمبر (كانون الأول) الماضي لتسليم أول منظومة دفاع صاروخية من طراز «إس - 400». وللعلم، تعتمد الهند كثيراً على موسكو في مجالي الأسلحة والنفط، كما أنها تنظر إلى كل من الولايات المتحدة وروسيا كدولتين حليفتين لها، وقد يكون لاتخاذها جانب أي من الدولتين القويتين تداعيات كبيرة في كل من مجال التجارة والدبلوماسية والدفاع. وفي هذا السياق أضاف ساجانهار شارحاً «ربما يصبح مستقبلاً من الأصعب تفادي فرض العقوبات ضد روسيا مع السعي في الوقت ذاته وراء مشاريع دفاع متعددة في المستقبل. وفيما يتعلق بمشروع «إس 400»، أمكن التوصل إلى تفاهم مرحلي وشفوي مع واشنطن بعد إصدار نيودلهي ورقة غير رسمية توضح التفاصيل الخاصة بأهمية المنظومة الروسية. كذلك أوضحت الحكومة الهندية أن المشروع يسبق تنفيذ قانون مواجهة خصوم أميركا من خلال العقوبات، وبالتالي ينبغي أن يكون خارج نطاقه».
مواقف الهند القلقة
في هذه الأثناء، يلتزم الأميركيون الصمت حتى الآن، في حين تثير العقوبات الجديدة ويحرك استبعاد موسكو من نظام الـ«سويفت» المالي العالمي (التحويلات المصرفية) مخاوف وقلق الهند أيضاً. إذ أنه من شأن ذلك التأثير على مدفوعات الهند إلى روسيا، وفق مصادر مطلعة أشارت إلى أنه على المرء الانتظار ليرى مواقف الدول الأخرى تجاه استمرار مشاريع الهند الخاصة بشراء أنظمة الدفاع مع روسيا. وما يستحق الذكر هنا أنه بالإضافة إلى الـ«إس - 400»، تعد أكبر صفقة بين الهند وروسيا هي استئجار غواصات نووية. ثم هناك مشروع آخر من المرجح تأجيله هو المشروع الهندي - الروسي لتصنيع بنادق «إيه كي 203» الأوتوماتيكية الذي استكملت إجراءاته الشكلية لكنه ما زال بانتظار التوقيعات النهائية.
حول الموقف الهندي من الأزمة الأوكرانية وتداعياتها على أجواء المواجهة بين واشنطن وموسكو، يقول هاريش تاشندرا ديغي، المعلق السياسي الهندي «ولاءات الهند مشتتة بين حليفتها القديمة روسيا، وصداقتها المتنامية مع الولايات المتحدة والغرب. بيد أن هذا الغزو يمنح رئيس الوزراء الهندي فرصة لا تأتي إلا مرة كل جيل لترك أثره على السياسة الخارجية الهندية. إذ يعتمد الأمر برمته على كيفية التحرك على هذا المسار الخطير الدقيق بين واشنطن وموسكو وواقع سياسة القوة». ويستطرد «حتى هذه اللحظة اختارت نيودلهي التزام الصمت واتخاذ موقف محايد مكتفية بدعوة الأطراف كافة إلى إنهاء كل أشكال العنف، ولكن، مع ذلك قد يؤثر هذا النهج غير الملتزم قد يؤثر على علاقات الهند مع أوروبا، والتي تعتمد على الهند في التجارة وأشكال الدعم الأخرى في مواجهة الصين».
على الجانب الآخر، تجلي الهند بنجاح طلبتها المحاصرين من أوكرانيا بعدما تحدث مودي مع بوتين، حيث يسمح راهناً لأي مركبة ترفع علم الهند في أوكرانيا بالتحرك بحرية ومن دون اعتراض باتجاه الحدود البرية لأوكرانيا، كي يتسنى للطلبة المغادرين استقلال الطائرات الهندية المنتظرة هناك. وبالفعل، أنجز حتى اللحظة إجلاء نحو ثلاثة آلاف هندي بأمان، ونقلوا إلى الهند.
حبل الصين المشدود
في هذه الأثناء، تسير الصين الآن على حبل مشدود مع إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا.
لقد نأى «التنين» الصيني بنفسه عن الطموحات التوسعية الروسية ودعم السياسيين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وحاولت بكين، في ظل كل ما يحدث، الدعوة إلى الدبلوماسية من أجل إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، والرقابة على أي آراء على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد الكرملين على قراره غزو أوكرانيا.
بل إن الرئيس الصيني شي جينبينغ أجرى مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي بوتين هدف منها إلى توضيح موقفه تجاه غزو أوكرانيا، وقال شي إن الصين تدعم كلا من روسيا وأوكرانيا في «حل المشكلة من خلال المفاوضات». أما على المستوى المحلي، فقد حاولت وسائل إعلام الدولة الصينية تصوير الغزو الروسي لأوكرانيا على أنه «عملية عسكرية خاصة» وبررت في هذا الإطار أفعال بوتين. كذلك تتفادى بكين الانتقاد المباشر لموسكو حتى تنأى بنفسها عن إزعاج وإثارة ضيق شريك غريب الأطوار، يصادف أنه مفيد في اللحظة الراهنة في تشتيت الانتباه الغربي بعيداً عن آسيا.
الحقيقة أن بكين رفضت حتى الآن إدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا أو وصفه بالغزو، وكان استخدام عبارات مثل «يفطر القلب» و«أزمة إنسانية» هي أقرب نقطة وصلت إليها البيانات الصينية. ومن جانب آخر كان مثيراً للاهتمام أنه منذ ثلاثة أسابيع أعلن قادة كل من الصين وروسيا أن الصداقة بين دولتيهما «لا حدود لها» حين التقيا في بكين عشية دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية. ولقد حدث تقارب بين دولتي «الجوار» العملاقتين المسلحتين نووياً خلال السنوات القليلة الماضية، ما أيقظ في الغرب – على الأقل – شبح تحالف دول «استبدادية» قادر على تحدي الغرب «الديمقراطي» بقيادة الولايات المتحدة في «حرب باردة» جديدة.
في هذا الصدد، يعلق سريكانت كوندابالي، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة جواهر لال نهرو الهندية المرموقة «تحاول الصين الحصول على نصيبها من أوكرانيا أيضاً، وسيتضح مستقبلاً مدى التمادي الصيني في دعم روسيا. لقد شددت بكين على ضرورة احترام سيادة ووحدة أراضي جميع الدول، وهذا موقف يتعارض مع الغزو، ولكنها في المقابل، عارضت فرض العقوبات على روسيا، محملة كلاً من واشنطن والتوجه الغربي إلى توسيع حلف شمال الأطلسي «ناتو» شرقاً المسؤولية، باعتبارها ذلك السبب الجذري للأزمة». وأردف كوندابالي «من غير الواضح ما إذا كان بوتين قد سعى للحصول على دعم شي حين ذهب إلى بكين لحضور مراسم افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في 4 فبراير أم لا. ولكن العلاقات الأميركية - الصينية تمر بصعوبات وتقترب من النهاية، في حين تتقارب كل من بكين وموسكو».
موضوع تايوان
وفي سياق متصل، يلاحظ محللون أمنيون أن غزو أوكرانيا سلط الضوء على قضية تايوان، حيث يمكن للصين أن تتخذ ذريعة لبدء عمليات عسكرية من أجل ضم الدولة - الجزيرة التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.
واليوم أدرك الصينيون أن القوى الغربية لم تهب إلى مساعدة أوكرانيا في القتال فعلياً، وأن روسيا تمكنت من «تحديهم بإثبات جدية موقفهم» على حد تعبير بعض المصادر. وتتابع هذه المصادر أن ما ظهر من موقف الغرب قد يكون قوة دافعة للصينيين الذين سيصبحون أكثر جرأة وعدوانية فيما يتعلق بخططهم الخاصة بضم تايوان. وعن هذا الجانب، يقول هاريش تشاندرا ديغي «لقد أرادت الولايات المتحدة تركيز قوتها بالكامل على الصين، لكن الأزمة الأوكرانية أدت لفتح جبهتين أمام واشنطن، حيث سيتوجب عليها الآن التعامل في وقت واحد مع الصين من جانب، وروسيا من جانب آخر».
من ناحية أخرى، أفادت مصادر الأسطول السابع في البحرية الأميركية أن مدمرة الصواريخ الموجهة «يو إس إس رالف جونسون» أبحرت عبر مضيق تايوان، وينطر المراقبون إلى مهمة العبور تلك كإشارة إلى بكين. وهنا يرى كوندابالي أنه «مع سيادة حالة من الجمود المسلح في المناطق الحدودية بين الصين والهند بعد الصدام المميت في 15 يونيو (حزيران) 2020 في غالوان، الذي أسفر عن مقتل 20 جنديا هنديا، قد تندفع بكين نحو شن مغامرة عسكرية أخرى على الحدود الهندية بالنظر إلى صمود الهند حتى هذه اللحظة». ما يذكر أنه لم تؤد الاجتماعات المستمرة على مستوى القيادة العسكرية العليا إلى عملية «فض اشتباك ووقف للتصعيد» عند كل نقاط الاحتكاك على الحدود. ولتاريخه تشعر الصين بالغضب من المقاومة الهندية الفعالة. ولكن، وفق مصدر هندي، فإنه في حال نشوب صراع بين الهند والصين، سيكون من المؤكد سلفاً إحجام موسكو عن الوقوف في صف نيودلهي، وهذا إن لم تدعم بكين علانيةً.
وعودة إلى مسألة تايوان، حاولت وزارة الخارجية الصينية منع وسائل الإعلام العالمية من تشبيه وضع أوكرانيا بوضع تايوان. إذ قالت هوا تشانينغ، الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية «بالتأكيد تايوان ليست مثل أوكرانيا، فلطالما كانت تايوان جزءاً ثابتاً من الأراضي الصينية. هذه حقيقة تاريخية وقانونية لا جدال فيها. مبدأ الصين الواحدة يشكل قاعدة معترف بها عالمياً تحكم العلاقات الدولية».
استجابة جنوب غربي آسيا
في الوقت الذي أدان فيه قادة العالم الغزو الروسي لأوكرانيا وفرضوا عقوبات صارمة على الاقتصاد الروسي والدائرة المقربة من الرئيس فلاديمير بوتين، اتخذ وزراء خارجية عشر حكومات آسيوية، موقفاً وسطاً، مانحين الأولوية لإجلاء مواطنيهم من أوكرانيا، وطالبوا الطرفين بضبط النفس ومواصلة المفاوضات السلمية دون ذكر روسيا. كانت الدولة الأجرأ والأكثر صراحة هي سنغافورة، حيث صرحت بأن الحكومة كانت «شديدة القلق» من الغزو الروسي، وأنها «تدين بشدة أي غزو غير مبرر لدولة ذات سيادة بأي ذريعة». جاء في المعسكر المقابل الحكم العسكري في ميانمار، الذي وصف الغزو الروسي بأنه «إجراء ملائم للحفاظ على سيادتها». أكدت وزارة الخارجية الإندونيسية أهمية القانون الدولي و«احترام وحدة الأراضي والسيادة» مضيفة أن «الهجوم العسكري على أوكرانيا غير مقبول» دون ذكر اسم روسيا.
أسباب هذا النهج الحذر نابعة من خشية تحدي قوة روسيا، حيث يرون أن الأزمة لا تؤثر مباشراً عليهم باستثناء الاقتصاد، وتعد أمراً بعيداً عنهم. سوف تجد بعض الحكومات، ومنها ميانمار بالتأكيد وربما كمبوديا ولاوس، منافع استراتيجية محددة في تآكل قوة وسلطة الولايات المتحدة الأميركية الناتج عن تحطم نظام أمن ما بعد الحرب الباردة. على عكس البيانات التصادمية للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، تتسم بيانات الهند بالمهادنة، حيث تزخر بكلمات مثل «ضبط» و«وقف التصعيد» و«حوار دبلوماسي». كذلك تحاشت الهند إدانة أو تحدي روسيا لأفعالها في أوكرانيا.
مع ذلك موقف الهند ليس محايداً، فموقفها لا يختلف عن قوى حلف شمال الأطلسي فحسب، بل يعد ليناً تجاه الروس.

نبرة أكثر حدة من طوكيو تجاه موسكو وبكين
>إبان فترة حكم شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني السابق، كانت اليابان مترددة نسبياً تجاه كيفية الاستجابة إلى النهج التوسعي الروسي. وفي الواقع، لطالما قدمت اليابان دعماً كبيراً للجهود الدولية في الاستجابة للأزمات، لكن اعتماد الدولة على الواردات الروسية من النفط والغاز الطبيعي ورغبتها في مواصلة الحوار الثنائي بشأن جزر أرخبيل كوريل - التي استحوذ عليها الاتحاد السوفياتي عام 1945 - جعلها تقليدياً مترددة تجاه فرض عقوبات قاسية على روسيا وجعل المعاملات الدبلوماسية معها مقيدة. أما اليوم، فإن الحكومة اليابانية الحالية تتبنى نبرة أكثر حدة تجاه الصين مقارنة بالكثير من الحكومات السابقة.
من جهة أخرى، تشعر اليابان بالقلق من أنه في حال فشل الدول الديمقراطية في اتخاذ موقف صارم بشأن غزو روسيا لأوكرانيا، سيشجع ذلك الصين على بسط المزيد من النفوذ على دول جوارها في شرق آسيا. وفي تعليق له بهذا الخصوص، يذكر الكاتب الصحافي عادل برار، «أن رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي اعتبر أنه من الضروري على واشنطن الآن توضيح موقفها بشأن حماية تايوان من غزو صيني محتمل. وقال أيضاً إن إظهار إمكانية تدخلها يجعل الصين تحت السيطرة، لكن إذا كانت إمكانية عدم التدخل قائمة، عليها الحرص بألا تفقد القوات التايوانية للاستقلال السيطرة».

   وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (يسار) لدى لقائه السفير الأوكراني لدى اليابان سيرغي كورسونسكي لإجراء محادثات بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا (د.ب.أ)

حذر وترقب في جنوب آسيا
> تداعيات الوضع الأوكراني وانعكاساته المحتملة في شرق آسيا وجنوبها تدفع معظم دول جنوب آسيا إلى الحذر والامتناع عن اتخاذ مواقف قاطعة ومباشرة. مثلاً، لدى بنغلاديش مصالح اقتصادية كبيرة على المحك مع روسيا، حيث تدين تلك الدولة لموسكو بالكثير لأن استخدام السوفيات «الفيتو» في مجلس الأمن ساعد في ولادة بنغلاديش عام 1971، ومن المرجح، أن تلتزم بسياسة خارجية قائمة على «صداقة الجميع دون إضمار الأذى لأي أحد» لتفادي غضب روسيا.
من جهتها، اتخذت نيبال حتى اللحظة أقوى موقف ضد روسيا بين كل دول جنوب آسيا، إذ ذكر مكتب وزارة الخارجية في بيان أن «نيبال تعارض استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة في أي حال من الأحوال، وتؤمن بالحل السلمي للخلافات من خلال الدبلوماسية والحوار».
في المقابل، كان عمران خان، رئيس وزراء باكستان، هو أول زعيم أجنبي يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد دخول القوات الروسية أوكرانيا في خضم الأزمة المتصاعدة بين روسيا والغرب. ومع أن خان ليس طرفاً فاعلا بارزاً في السياسة العالمية، يعد لقاؤه ببوتين إبان غزو أوكرانيا أمراً ذا قيمة رمزية كبيرة تصب لصالح روسيا بشكل كبير. ثم إن لتوقيت هذه الزيارة آثاراً ونتائج، إذ يعتقد محللون جيو-سياسيون أنه بينما ينقسم فيه العالم بشكل واضح بين المعسكر الغربي والمعسكر الصيني الروسي، قد تكون محاولات باكستان الانضمام إلى المعسكر الروسي خطيرة عليها.


مقالات ذات صلة

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

حصاد الأسبوع جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها

محمد الريس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار

كوثر وكيل (لندن)
حصاد الأسبوع مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس

كوثر وكيل (لندن)
حصاد الأسبوع هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

هل تصبح الانتخابات الفرنسية «ساحة صراع» مع واشنطن؟

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المقرر إجراء دورها الأول يوم 18 أبريل (نيسان) 2027 ودورها الثاني يوم 2 مايو (أيار)، ما عاد النقاش في باريس يدور

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض

إيلي يوسف (واشنطن)

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.