قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

وسط الحذر من الانعكاسات الإقليمية في شرق آسيا وجنوبها

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا
TT

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

قراءة في الحسابات الصينية والهندية لاجتياح أوكرانيا

مع مواصلة المباحثات حيال الأزمة الأوكرانية بين الأطراف المعنية، تتجاوز تداعيات الأزمة المستمرة حدود الأثر على أوروبا، حيث يوجد لها بعد آسيوي جيو - سياسي، إلى جانب آثار أخرى للصراع ما يشكل تهديداً جديداً لآسيا أيضاً. فرغم أن الصراع يبدو ظاهراً مشكلة أوروبية لها عمقها عبر المحيط الأطلسي بالأساس، فإن لدى كل من الصين والهند واليابان علاقات تاريخية، خاصةً مع روسيا، تقيد ردود فعلها تجاه الصراع في أوكرانيا، ما يضعها في مأزق دبلوماسي واقتصادي.
لقد انضمت الهند والصين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في النأي بنفسها عن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية. وكما هو معروف، فإن هذا القرار، الذي يدين بشدة الاعتداء الروسي على أوكرانيا، حصل على أحد عشر صوتاً في المجلس المكون من 15 دولة، لكن ما حال دون إقراره، استخدام روسيا، العضو الدائم في المجلس – وهي بالمناسبة رئيس مجلس الأمن لشهر فبراير (شباط) – حق النقض «الفيتو».
تحافظ نيودلهي على علاقات وثيقة قوية مع موسكو، وكانت البيانات الرسمية الهندية إزاء الأزمة الراهنة في أوكرانيا مرضية، حتى هذه اللحظة للمسؤولين الروس، وأقرت بذلك روسيا علناً. وفي المقابل، رفض السفير الهندي في الولايات المتحدة انتقاد تحركات روسيا صراحاً، بل حث كل الأطراف على «ضبط النفس».
وفي المقابل، كتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حسابه على موقع «تويتر» أنه قد تحدث مع ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، ساعياً إلى الحصول على «دعم سياسي»، بعد فترة وجيزة من ثناء روسيا على القرار الهندي بالامتناع عن التصويت على قرار الأمم المتحدة بإدانة الغزو الروسي. وبدوره، اتصل رئيس الوزراء الهندي بالرئيس الروسي بعد ساعات من طلب أوكرانيا تدخل الهند في حل الأزمة. لقد ذكر مكتب مودي في بيان «طالب رئيس الوزراء بوقف فوري للعنف، ودعا إلى بذل جهود منسقة من جانب جميع الأطراف للعودة إلى مسار المفاوضات الدبلوماسية والحوار».
الدبلوماسي الهندي السابق أشوك ساجانهار علق على هذا الموقف بالقول «يمثل العدوان الروسي في أوكرانيا أخطارا كبيرة على المصالح الهندية، بدءاً من إلقاء موسكو في أيدي بكين إلى تشتيت تركيز واشنطن وإبعادها عن مواجهة القوة الصينية في منطقة آسيا - المحيط الهادئ. كذلك إذا ظلت الهند متجاهلة لذلك «العدوان الروسي»، قد تتعرض العلاقات الهندية - الأميركية، التي ازدادت قوة خلال العقد الماضي حتى وصلت إلى آفاق جديدة، إلى ضربة موجعة». وأردف الدبلوماسي الهندي «قد يعرض ذلك مجموعة الـ«كواد» (الحوار الأمني الرباعي) للخطر، نظراً لإعلان أعضاء المجموعة الآخرين، وهم أستراليا واليابان والولايات المتحدة، فرض عقوبات على روسيا. وبعكس الدول الثلاث الأعضاء في الـ«كواد»، اختارت الهند التزام الصمت في اجتماع وزراء خارجية دول المجموعة خلال فبراير (شباط) المنقضي، وكانت اختلافاتهم كبيرة وغير قابلة للمعالجة خلال الاجتماع كما يتضح من تحاشي البيان المشترك لـ«كواد» التطرق إلى أوكرانيا».
الجدير بالذكر هنا، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد زار الهند في ديسمبر (كانون الأول) الماضي لتسليم أول منظومة دفاع صاروخية من طراز «إس - 400». وللعلم، تعتمد الهند كثيراً على موسكو في مجالي الأسلحة والنفط، كما أنها تنظر إلى كل من الولايات المتحدة وروسيا كدولتين حليفتين لها، وقد يكون لاتخاذها جانب أي من الدولتين القويتين تداعيات كبيرة في كل من مجال التجارة والدبلوماسية والدفاع. وفي هذا السياق أضاف ساجانهار شارحاً «ربما يصبح مستقبلاً من الأصعب تفادي فرض العقوبات ضد روسيا مع السعي في الوقت ذاته وراء مشاريع دفاع متعددة في المستقبل. وفيما يتعلق بمشروع «إس 400»، أمكن التوصل إلى تفاهم مرحلي وشفوي مع واشنطن بعد إصدار نيودلهي ورقة غير رسمية توضح التفاصيل الخاصة بأهمية المنظومة الروسية. كذلك أوضحت الحكومة الهندية أن المشروع يسبق تنفيذ قانون مواجهة خصوم أميركا من خلال العقوبات، وبالتالي ينبغي أن يكون خارج نطاقه».
مواقف الهند القلقة
في هذه الأثناء، يلتزم الأميركيون الصمت حتى الآن، في حين تثير العقوبات الجديدة ويحرك استبعاد موسكو من نظام الـ«سويفت» المالي العالمي (التحويلات المصرفية) مخاوف وقلق الهند أيضاً. إذ أنه من شأن ذلك التأثير على مدفوعات الهند إلى روسيا، وفق مصادر مطلعة أشارت إلى أنه على المرء الانتظار ليرى مواقف الدول الأخرى تجاه استمرار مشاريع الهند الخاصة بشراء أنظمة الدفاع مع روسيا. وما يستحق الذكر هنا أنه بالإضافة إلى الـ«إس - 400»، تعد أكبر صفقة بين الهند وروسيا هي استئجار غواصات نووية. ثم هناك مشروع آخر من المرجح تأجيله هو المشروع الهندي - الروسي لتصنيع بنادق «إيه كي 203» الأوتوماتيكية الذي استكملت إجراءاته الشكلية لكنه ما زال بانتظار التوقيعات النهائية.
حول الموقف الهندي من الأزمة الأوكرانية وتداعياتها على أجواء المواجهة بين واشنطن وموسكو، يقول هاريش تاشندرا ديغي، المعلق السياسي الهندي «ولاءات الهند مشتتة بين حليفتها القديمة روسيا، وصداقتها المتنامية مع الولايات المتحدة والغرب. بيد أن هذا الغزو يمنح رئيس الوزراء الهندي فرصة لا تأتي إلا مرة كل جيل لترك أثره على السياسة الخارجية الهندية. إذ يعتمد الأمر برمته على كيفية التحرك على هذا المسار الخطير الدقيق بين واشنطن وموسكو وواقع سياسة القوة». ويستطرد «حتى هذه اللحظة اختارت نيودلهي التزام الصمت واتخاذ موقف محايد مكتفية بدعوة الأطراف كافة إلى إنهاء كل أشكال العنف، ولكن، مع ذلك قد يؤثر هذا النهج غير الملتزم قد يؤثر على علاقات الهند مع أوروبا، والتي تعتمد على الهند في التجارة وأشكال الدعم الأخرى في مواجهة الصين».
على الجانب الآخر، تجلي الهند بنجاح طلبتها المحاصرين من أوكرانيا بعدما تحدث مودي مع بوتين، حيث يسمح راهناً لأي مركبة ترفع علم الهند في أوكرانيا بالتحرك بحرية ومن دون اعتراض باتجاه الحدود البرية لأوكرانيا، كي يتسنى للطلبة المغادرين استقلال الطائرات الهندية المنتظرة هناك. وبالفعل، أنجز حتى اللحظة إجلاء نحو ثلاثة آلاف هندي بأمان، ونقلوا إلى الهند.
حبل الصين المشدود
في هذه الأثناء، تسير الصين الآن على حبل مشدود مع إعلان روسيا الحرب على أوكرانيا.
لقد نأى «التنين» الصيني بنفسه عن الطموحات التوسعية الروسية ودعم السياسيين الانفصاليين في شرق أوكرانيا. وحاولت بكين، في ظل كل ما يحدث، الدعوة إلى الدبلوماسية من أجل إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، والرقابة على أي آراء على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد الكرملين على قراره غزو أوكرانيا.
بل إن الرئيس الصيني شي جينبينغ أجرى مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي بوتين هدف منها إلى توضيح موقفه تجاه غزو أوكرانيا، وقال شي إن الصين تدعم كلا من روسيا وأوكرانيا في «حل المشكلة من خلال المفاوضات». أما على المستوى المحلي، فقد حاولت وسائل إعلام الدولة الصينية تصوير الغزو الروسي لأوكرانيا على أنه «عملية عسكرية خاصة» وبررت في هذا الإطار أفعال بوتين. كذلك تتفادى بكين الانتقاد المباشر لموسكو حتى تنأى بنفسها عن إزعاج وإثارة ضيق شريك غريب الأطوار، يصادف أنه مفيد في اللحظة الراهنة في تشتيت الانتباه الغربي بعيداً عن آسيا.
الحقيقة أن بكين رفضت حتى الآن إدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا أو وصفه بالغزو، وكان استخدام عبارات مثل «يفطر القلب» و«أزمة إنسانية» هي أقرب نقطة وصلت إليها البيانات الصينية. ومن جانب آخر كان مثيراً للاهتمام أنه منذ ثلاثة أسابيع أعلن قادة كل من الصين وروسيا أن الصداقة بين دولتيهما «لا حدود لها» حين التقيا في بكين عشية دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية. ولقد حدث تقارب بين دولتي «الجوار» العملاقتين المسلحتين نووياً خلال السنوات القليلة الماضية، ما أيقظ في الغرب – على الأقل – شبح تحالف دول «استبدادية» قادر على تحدي الغرب «الديمقراطي» بقيادة الولايات المتحدة في «حرب باردة» جديدة.
في هذا الصدد، يعلق سريكانت كوندابالي، أستاذ الدراسات الصينية في جامعة جواهر لال نهرو الهندية المرموقة «تحاول الصين الحصول على نصيبها من أوكرانيا أيضاً، وسيتضح مستقبلاً مدى التمادي الصيني في دعم روسيا. لقد شددت بكين على ضرورة احترام سيادة ووحدة أراضي جميع الدول، وهذا موقف يتعارض مع الغزو، ولكنها في المقابل، عارضت فرض العقوبات على روسيا، محملة كلاً من واشنطن والتوجه الغربي إلى توسيع حلف شمال الأطلسي «ناتو» شرقاً المسؤولية، باعتبارها ذلك السبب الجذري للأزمة». وأردف كوندابالي «من غير الواضح ما إذا كان بوتين قد سعى للحصول على دعم شي حين ذهب إلى بكين لحضور مراسم افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في 4 فبراير أم لا. ولكن العلاقات الأميركية - الصينية تمر بصعوبات وتقترب من النهاية، في حين تتقارب كل من بكين وموسكو».
موضوع تايوان
وفي سياق متصل، يلاحظ محللون أمنيون أن غزو أوكرانيا سلط الضوء على قضية تايوان، حيث يمكن للصين أن تتخذ ذريعة لبدء عمليات عسكرية من أجل ضم الدولة - الجزيرة التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الصيني.
واليوم أدرك الصينيون أن القوى الغربية لم تهب إلى مساعدة أوكرانيا في القتال فعلياً، وأن روسيا تمكنت من «تحديهم بإثبات جدية موقفهم» على حد تعبير بعض المصادر. وتتابع هذه المصادر أن ما ظهر من موقف الغرب قد يكون قوة دافعة للصينيين الذين سيصبحون أكثر جرأة وعدوانية فيما يتعلق بخططهم الخاصة بضم تايوان. وعن هذا الجانب، يقول هاريش تشاندرا ديغي «لقد أرادت الولايات المتحدة تركيز قوتها بالكامل على الصين، لكن الأزمة الأوكرانية أدت لفتح جبهتين أمام واشنطن، حيث سيتوجب عليها الآن التعامل في وقت واحد مع الصين من جانب، وروسيا من جانب آخر».
من ناحية أخرى، أفادت مصادر الأسطول السابع في البحرية الأميركية أن مدمرة الصواريخ الموجهة «يو إس إس رالف جونسون» أبحرت عبر مضيق تايوان، وينطر المراقبون إلى مهمة العبور تلك كإشارة إلى بكين. وهنا يرى كوندابالي أنه «مع سيادة حالة من الجمود المسلح في المناطق الحدودية بين الصين والهند بعد الصدام المميت في 15 يونيو (حزيران) 2020 في غالوان، الذي أسفر عن مقتل 20 جنديا هنديا، قد تندفع بكين نحو شن مغامرة عسكرية أخرى على الحدود الهندية بالنظر إلى صمود الهند حتى هذه اللحظة». ما يذكر أنه لم تؤد الاجتماعات المستمرة على مستوى القيادة العسكرية العليا إلى عملية «فض اشتباك ووقف للتصعيد» عند كل نقاط الاحتكاك على الحدود. ولتاريخه تشعر الصين بالغضب من المقاومة الهندية الفعالة. ولكن، وفق مصدر هندي، فإنه في حال نشوب صراع بين الهند والصين، سيكون من المؤكد سلفاً إحجام موسكو عن الوقوف في صف نيودلهي، وهذا إن لم تدعم بكين علانيةً.
وعودة إلى مسألة تايوان، حاولت وزارة الخارجية الصينية منع وسائل الإعلام العالمية من تشبيه وضع أوكرانيا بوضع تايوان. إذ قالت هوا تشانينغ، الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية «بالتأكيد تايوان ليست مثل أوكرانيا، فلطالما كانت تايوان جزءاً ثابتاً من الأراضي الصينية. هذه حقيقة تاريخية وقانونية لا جدال فيها. مبدأ الصين الواحدة يشكل قاعدة معترف بها عالمياً تحكم العلاقات الدولية».
استجابة جنوب غربي آسيا
في الوقت الذي أدان فيه قادة العالم الغزو الروسي لأوكرانيا وفرضوا عقوبات صارمة على الاقتصاد الروسي والدائرة المقربة من الرئيس فلاديمير بوتين، اتخذ وزراء خارجية عشر حكومات آسيوية، موقفاً وسطاً، مانحين الأولوية لإجلاء مواطنيهم من أوكرانيا، وطالبوا الطرفين بضبط النفس ومواصلة المفاوضات السلمية دون ذكر روسيا. كانت الدولة الأجرأ والأكثر صراحة هي سنغافورة، حيث صرحت بأن الحكومة كانت «شديدة القلق» من الغزو الروسي، وأنها «تدين بشدة أي غزو غير مبرر لدولة ذات سيادة بأي ذريعة». جاء في المعسكر المقابل الحكم العسكري في ميانمار، الذي وصف الغزو الروسي بأنه «إجراء ملائم للحفاظ على سيادتها». أكدت وزارة الخارجية الإندونيسية أهمية القانون الدولي و«احترام وحدة الأراضي والسيادة» مضيفة أن «الهجوم العسكري على أوكرانيا غير مقبول» دون ذكر اسم روسيا.
أسباب هذا النهج الحذر نابعة من خشية تحدي قوة روسيا، حيث يرون أن الأزمة لا تؤثر مباشراً عليهم باستثناء الاقتصاد، وتعد أمراً بعيداً عنهم. سوف تجد بعض الحكومات، ومنها ميانمار بالتأكيد وربما كمبوديا ولاوس، منافع استراتيجية محددة في تآكل قوة وسلطة الولايات المتحدة الأميركية الناتج عن تحطم نظام أمن ما بعد الحرب الباردة. على عكس البيانات التصادمية للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، تتسم بيانات الهند بالمهادنة، حيث تزخر بكلمات مثل «ضبط» و«وقف التصعيد» و«حوار دبلوماسي». كذلك تحاشت الهند إدانة أو تحدي روسيا لأفعالها في أوكرانيا.
مع ذلك موقف الهند ليس محايداً، فموقفها لا يختلف عن قوى حلف شمال الأطلسي فحسب، بل يعد ليناً تجاه الروس.

نبرة أكثر حدة من طوكيو تجاه موسكو وبكين
>إبان فترة حكم شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني السابق، كانت اليابان مترددة نسبياً تجاه كيفية الاستجابة إلى النهج التوسعي الروسي. وفي الواقع، لطالما قدمت اليابان دعماً كبيراً للجهود الدولية في الاستجابة للأزمات، لكن اعتماد الدولة على الواردات الروسية من النفط والغاز الطبيعي ورغبتها في مواصلة الحوار الثنائي بشأن جزر أرخبيل كوريل - التي استحوذ عليها الاتحاد السوفياتي عام 1945 - جعلها تقليدياً مترددة تجاه فرض عقوبات قاسية على روسيا وجعل المعاملات الدبلوماسية معها مقيدة. أما اليوم، فإن الحكومة اليابانية الحالية تتبنى نبرة أكثر حدة تجاه الصين مقارنة بالكثير من الحكومات السابقة.
من جهة أخرى، تشعر اليابان بالقلق من أنه في حال فشل الدول الديمقراطية في اتخاذ موقف صارم بشأن غزو روسيا لأوكرانيا، سيشجع ذلك الصين على بسط المزيد من النفوذ على دول جوارها في شرق آسيا. وفي تعليق له بهذا الخصوص، يذكر الكاتب الصحافي عادل برار، «أن رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي اعتبر أنه من الضروري على واشنطن الآن توضيح موقفها بشأن حماية تايوان من غزو صيني محتمل. وقال أيضاً إن إظهار إمكانية تدخلها يجعل الصين تحت السيطرة، لكن إذا كانت إمكانية عدم التدخل قائمة، عليها الحرص بألا تفقد القوات التايوانية للاستقلال السيطرة».

   وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي (يسار) لدى لقائه السفير الأوكراني لدى اليابان سيرغي كورسونسكي لإجراء محادثات بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا (د.ب.أ)

حذر وترقب في جنوب آسيا
> تداعيات الوضع الأوكراني وانعكاساته المحتملة في شرق آسيا وجنوبها تدفع معظم دول جنوب آسيا إلى الحذر والامتناع عن اتخاذ مواقف قاطعة ومباشرة. مثلاً، لدى بنغلاديش مصالح اقتصادية كبيرة على المحك مع روسيا، حيث تدين تلك الدولة لموسكو بالكثير لأن استخدام السوفيات «الفيتو» في مجلس الأمن ساعد في ولادة بنغلاديش عام 1971، ومن المرجح، أن تلتزم بسياسة خارجية قائمة على «صداقة الجميع دون إضمار الأذى لأي أحد» لتفادي غضب روسيا.
من جهتها، اتخذت نيبال حتى اللحظة أقوى موقف ضد روسيا بين كل دول جنوب آسيا، إذ ذكر مكتب وزارة الخارجية في بيان أن «نيبال تعارض استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة في أي حال من الأحوال، وتؤمن بالحل السلمي للخلافات من خلال الدبلوماسية والحوار».
في المقابل، كان عمران خان، رئيس وزراء باكستان، هو أول زعيم أجنبي يلتقي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد دخول القوات الروسية أوكرانيا في خضم الأزمة المتصاعدة بين روسيا والغرب. ومع أن خان ليس طرفاً فاعلا بارزاً في السياسة العالمية، يعد لقاؤه ببوتين إبان غزو أوكرانيا أمراً ذا قيمة رمزية كبيرة تصب لصالح روسيا بشكل كبير. ثم إن لتوقيت هذه الزيارة آثاراً ونتائج، إذ يعتقد محللون جيو-سياسيون أنه بينما ينقسم فيه العالم بشكل واضح بين المعسكر الغربي والمعسكر الصيني الروسي، قد تكون محاولات باكستان الانضمام إلى المعسكر الروسي خطيرة عليها.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.