«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

يُفتتح اليوم رغم غياب دور نشر وازنة

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
TT

«بيروت للكتاب» يعلن «الصمود» و«التحدي»

جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)
جانب من معرض بيروت للكتاب في دورة سابقة (أرشيف)

يفتتح اليوم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» أبوابه بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الانقطاع، إذ إن آخر دورة له، وكانت تحمل الرقم (62) تعود إلى نهاية عام 2018، غير أن هذا لم يشفع للمعرض كي يبقى بمنأى عن الخلافات اللبنانية التي باتت تطال حتى الكتب. فقد انقسم الناشرون إلى فئتين: فئة ترى أن بيروت بحاجة لفسحة أمل، ولو متواضعة، وعلى الجميع مواجهة الظروف بما ملكوا من إمكانيات، كي لا تطول فترة الانقطاع أكثر. بينما عدّت دور نشر أخرى أن الوقت غير مناسب ويمكن الانتظار حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، الموعد الرسمي للمعرض. وهو ما لا يريده «النادي الثقافي العربي»، أي الجهة المنظِّمة التي ترى أن الغياب الطويل ليس في صالح أحد، ولا بأس في معرض الآن، تعويضاً لما فات، على أن تُعقد دورة أخرى في ديسمبر المقبل.
وبالتالي فإن المعرض وللمرة الأولى في تاريخه، سيشهد غياباً لكبريات الدور المعترضة مثل «الآداب»، و«الساقي»، و«العربية للعلوم»، و«الجديد»، و«هاشيت أنطوان»، و«التنوير»، و«الجمل»، و«المدى»، و«سرد»، و«ضفاف». غير أن أحد أصحاب الدور المشاركة عدّ غياب من سماهم بـ«الحيتان» قد يكون في صالح الدور الصغيرة. ويقول د. عبد الحليم حمود، مؤسس «دار زمكان» الصاعدة، التي بدأت عملها منذ ثمانية أشهر فقط، أصدرت خلالها نحو 20 كتاباً، إنها فرصة للدور المبتدئة، لتلتقي مع القراء من دون منافسة كبيرة. ويقول حمود: «نحن من ناحيتنا عندنا 5 حفلات توقيع، وكتب جديدة كثيرة، بينها واحد عن فيروز وآخر عن زياد الرحباني. وكل دار من الدور الزميلة المشاركة عندها من ست إلى عشر حفلات توقيع». وإذا كان الجميع يترقب ليرى نتائج هذه الدورة غير المسبوقة، فإن حمود يعتقد أن «الحسابات الأولية، قد لا توحي بأن المعرض سينجح، بسبب الظروف غير العادية التي يعيشها لبنان». يكمل حمود: «لكن لو فكّرنا بطريقة أخرى، فإن 3 سنوات من الغياب، راكمت خلالها الدور عناوين كثيرة. كما أن مخازن الناشرين معبأة كتباً طُبعت قبل الأزمة، أي بأسعار رخيصة للغاية، يوم كان الدولار بألف وخمسمائة ليرة، ويمكنها أن تبيعها بأسعار مناسبة للجميع. وهذا إيجابي للدور نفسها، التي هي بحاجة لتصريف ما عندها. نحن من جهتنا سنبيع 4 روايات جديدة بسعر 100 ألف ليرة (نحو 5 دولارات) في الوقت الذي تبيع فيه بعض الدور الرواية الواحدة بسعر 200 ألف ليرة (نحو 10 دولارات)».
إذا كانت الجهة المنظمة قد أطلقت على هذه الدورة عنوان «بيروت الصمود... بيروت لا تنكسر»، بسبب كل ما تواجهه من عقبات، فإن صاحب «دار نلسن» سليمان بختي يعده «معرض التحدي» و«الاستكشاف». ويضيف: «ذلك، لأننا ما عدنا نعرف أين نحن من جمهور الناس، من عموم القراء. مضى وقت طويل، تغيّرت خلاله أشياء كثيرة. هذا أمر يقلقني كشخص يُعنى بالشأن الثقافي. هناك نوع من الانسحابات من الميدان، بينما واجبنا أن نخلق مساحات للتلاقي من خلال الكتاب، المسرح، الموسيقى، وغيرها. ليس من المهم أن يشتري الناس هذه المرة، الأهم أن يأتوا، أن يلتقوا، أن يخرجوا من بيوتهم وهمومهم. نحن نريد بعد الانهيار الاقتصادي وانفجار بيروت وكورونا، وكل الكوارث التي حلّت بنا خلال السنتين الفائتتين، أن نرى الناس تلملم نفسها من جديد».
كانت المعارض في السنوات السابقة تقام في «سي سايد آرينا» وسط بيروت، على مساحة 10 آلاف متر مربع، لكن هذ الصالة الضخمة، نُسفت بسبب انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) 2020، وتم ترميم جانب منها، مساحته 4 آلاف متر سيستقبل كل الدور المشاركة، فيما ثمة وعد بأن الصالة كلها ستكون قد رُمِّمت في نهاية السنة، وحلول الموعد المقبل للمعرض.
جهاد شبارو، صاحب «الدار العربية للعلوم» التي لم تشارك في المعرض، مقتنع بأن الظروف غير مواتية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المبنى غير جاهز بعد، ومواقف السيارات لم ينظم وضعها بعد. وعندما سئل الناشرون عن تنظيم المعرض الآن غالبيتهم لم يوافقوا، كذلك حال النقابة التي لن تشارك. ولم نحب أن نكسر قرارها. قلنا لهم: نحن لا نريد فشلاً. دعوا المعرض يحدث في الوقت المناسب، ونحن على استعداد للمشاركة بأسعار رخيصة».
أما رشا الأمير، صاحبة «دار الجديد» التي لن تشارك هي الأخرى، فكتبت على صفحة الدار على «فيسبوك»: «(دار الجديد) التي شاركت منذ تأسيسها في هذا المعرض، تحتجب هذا العام. آن أوان بعض المصارحة. كتبنا عبر موقعنا بالمجّان. كتبنا عبر (أمازون) لمن يستطيع شراء الكتب بهذه الحلّة المريحة (تكبير وتصغير الخطّ، قاموس مدمج، إمكانيّة تدوين ملاحظات، إلخ). معارض الكتب في عرفنا واجهات ليس إلّا ومنظرة لا تخدم القارئ. القارئ، القارئ بغناء عن بهرج نرجسي لم يعد ضمن أولويّاتنا».
لكن هذا ليس رأي القراء، الذين عبّروا عن سعادتهم عبر صفحاتهم على «فيسبوك»، لرؤية المعرض يعود، كأنه يؤشر إلى فرج قد يَلوح قريباً.
وكانت سلوى السنيورة بعاصيري، رئيسة النادي الثقافي العربي (المنظِّم للحدث) قد رأت أن إقامة المعرض اليوم هو «عملية استنهاض ثقافي لبيروت العاصمة التي تنكسر ولا تنهزم» وردت على مقولة البعض: «إن الظروف لا تسمح»، بأن «الإنسان هو من يوفر الظروف وهو من يفسح المجال للهزيمة أو يقرر التغلب عليها. وإذا كانت عنده الإرادة فحتماً سيقف مجدداً».
ويوافقها الناشر سليمان بختي قائلاً: «يجب ألا نترك الكتاب وحيداً. هذا المعرض لنا، نحن نصلحه، ونحن من نفسده. كنت أتمنى مشاركة الجميع، مع احترامي لرأي المعترضين. نحن سنكون حاضرين، وسنؤمّن التكاليف، ولا نعرف إذا كنا سنعوّضها، فنحن نختبر وضعاً جديداً. لكن إذا لم يحصل المعرض، فثمة نقص. نريد أن نستمر، لأن الثقافة من معالم حياتنا، وكلما كثر عدد المتحدين، كانت المحاولة أجدى، وأشرف».
ثمة مشكلات تواجه المعرض، وهذا لا يخفيه أحد، لكنّ ثمة جهوداً هائلة تُبذل من النادي الثقافي والكثير من الدور التي ترى في احتجاب دور أساسية عن المشاركة موقفاً غير مبرَّر ولا مفهوم خصوصاً أن هذه الدور تشارك في كل المعارض العربية، وجميعها كان يفترض أن تكون في معرضي البحرين والكويت اللذين أُلغيا، بسبب «كورونا».
وسيُحرم معرض بيروت هذه السنة من زيارة طلاب المدارس التي لن تتمكن من المشاركة بنشاطات كما جرت العادة، بسبب ارتفاع تكلفة التنقلات. كما أن عدداً من الناشرين واجهوا صعوبات لتأمين أرفف للعرض بأسعار في متناولهم. كل الترتيبات اللوجيستية، كانت دونها عقبات. وهو بالفعل ما جعل المنظمين يتعاملون مع تحديات لم يسبق لهم أن واجهوا مثيلاً لها.
يشارك الكثير من الفنانين والمثقفين في النشاطات اليومية المصاحبة للمعرض. ففي اليوم الثاني حوار بين الشعر والموسيقى، بمشاركة هبة القواس وزاهي وهبي. وعلى البرنامج أمسية موسيقية بعنوان «على درب الشعر من طرابلس إلى بيروت»، وأمسية طربية لـ«فرقة بيكار بيروت»، ومن المصادفات أن يقام يوم للثقافة الأوكرانية في وقت تملأ فيه أخبار هذا البلد الشاشات، ولا بد أن الجمهور يتمنى أن يعرف الوجه الآخر لبلد تعصف به الحرب. وضمن البرنامج احتفال بمئوية فرج أنطون، بمشاركة كرم الحلوة، وعلي حمية، ومحمود شريح، وصقر أبو فخر، وسليمان بختي، وتقديم ميشال مبارك. كما ستعقد ندوة بعنوان «أمكنة الرواية والارتحال نحوها» يشارك فيها الروائي الجزائري واسيني الأعرج. وثمة جلسة عن «مذكرات انتصار الوزير»، بمشاركة انتصار الوزير وصقر أبو فخر. ويوجه المعرض تحية إلى الناشر رياض نجيب الريس: بمشاركة فواز طرابلسي، ويحيى جابر، ويوسف بزي، وخولة مطر. ونقاش حول كتاب «الوثائق الحقيقية لسلطان باشا الأطرش». إضافةً إلى «بيروت والاستشراق»، بمشاركة نادر سراج، وعماد الدين رائف.
تشارك في هذه الدورة 90 دار نشر لبنانية، ودور مصرية وسورية وعراقية. كما تقام على هامشه 30 فعالية تتوزع بين ندوات ثقافية فكرية وتواقيع لإصدارات جديدة وحفلات موسيقية والكثير من الأنشطة التي ستكون يومياً لبهجة الزائرين.
«معرض بيروت العربي للكتاب»، هو أول معرض شهده العالم العربي، وكان ذلك عام 1956 حين قام «النادي الثقافي العربي» بتنظيمه فِي الجامعة الأميركية فِي بيروت واستمر لِمدة ثلاثة أَيام، وبسبب نجاحه، أصبح سنوياً، وموعداً ثقافياً ينتظره القراء والناشرون. وفيما بعد حمل اسم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، وتستمر الدورة الحالية حتى 13 من الشهر.


مقالات ذات صلة

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ».

عبير مشخص (لندن)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد

عمر شهريار

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت
TT

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026، لتُقيم من خلالها حواراً مستمراً مع غائب لم يغادر، وتُشيّد صرحاً أدبياً نادراً لعلاقة جمعت كاتبيْن عاشا 43 عاماً في داخل صفحات بعضهما البعض.

الكتاب ليس رواية خيالية، بل نصّ اعترافي يعود بنا إلى الأيام الأخيرة في حياة بول أوستر، وإلى سنوات الحياة التي جمعت الكاتبين في زواج أدبي وإنساني استثنائي. فحين قال بول أوستر لسيري هوستفدت في لقائهما الأول في مطلع الثمانينات إنه يريد أن يعود يوماً ما كشبح، لم يكن يدري أنها ستُنجز وصيّته بعد 44 عاماً في كتاب استثنائي يُعيده إلى الحياة بكل عيوبه وعاداته ونكاته وأوراقه غير المكتملة.

في «حكايات شبح» يظهر بول أوستر بوصفه زوجاً وكاتباً وصديقاً وشريكاً في الحياة اليومية، لا بوصفه فقط اسماً لامعاً في الأدب الأميركي. إذ تكتب أرملته سيري هوستفدت: «بول كان عنيداً وأحياناً عديم اللباقة، لكنه كان أيضاً رقيقاً عاطفياً وطيب القلب». وهي تصفه في صفحات عديدة بأنه كان رجلاً لا يعيش وكأن البرق سيضربه مجدداً، أي أنه لم يكن يترقب المجد بل يعيش الحياة في حضور كامل وبساطة أخّاذة. تستعيد هوستفدت حضور زوجها في أدق التفاصيل: صوته، عاداته اليومية، محيطه، طريقته في الكتابة، وحتى ما تركه خلفه من أوراق وآثار شخصية، ورسائل ومذكرات ومسودات لم يسبق نشرها. أبرزها مخطوطة لم يُكملها تتضمّن خمساً وثلاثين صفحة كان يعدّها هدية لحفيده مايلز الذي وُلد في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، أي قبل أربعة أشهر فقط من رحيل جدّه. النصّ بعنوان «رسائل إلى مايلز»، يحكي فيه تاريخ العائلة ويوصي الطفل بطريقة عيش كريمة. هذه الصفحات، التي تضمّ جوهر ما أراد أوستر توريثه، هي ربما أكثر ما في الكتاب توهّجاً وإيلاماً، إذ يظهر وهو يكتب لطفل لن يراه يكبر، لطفل لن يتذكر وجهه، لكنه سيقرأ ما كتبه جدّه يوماً ما.

تعود هوستفدت إلى بداية علاقتها بأوستر في نيويورك في ثمانينات القرن الماضي، ثم تتقدم نحو المرض والرحيل، مستعينةً بمراسلات شخصية ومقاطع من يومياتها ورسائل كتبها زوجها في أيامه الأخيرة. ومن خلال هذه المواد، تبني صورة لعلاقة كُتبت بالحوار الدائم، إذ كان كل منهما يقرأ أعمال الآخر ويعلّق عليها ويشارك في صوغها ذهنياً، وكأن الزواج نفسه صار شكلاً من أشكال الكتابة المشتركة. وفي هذا السياق يبدو الكتاب كمحاولة لاستعادة الشراكة الثقافية التي جمعت الزوجيْن الكاتبيْن، إذ كان كل منهما يقرأ الآخر ويعتمد عليه في اختبار النص ومعناه. ولذا فإن كثيراً ممن قرأوا «حكايات شبح» وصفوه أيضاً بأنه كتاب عن الزواج بقدر ما هو كتاب عن الحداد، فهو يلتقط كيف يصبح الحب، مع الزمن، جزءاً من بنية التفكير نفسها، وكيف يخلخل الغياب هذه البنية من الداخل.

تتطرق سيري هوستفدت في كتابها إلى طقوس العمل المشتركة: القراءة بصوت عالٍ في فترة بعد الظهر، ومشاركة الجمل والأفكار وأحياناً الشخصيات نفسها. لم يكونا يكتبان في الغرفة ذاتها، كان هو في الطابق الثالث وهي في الثاني، لكنهما كانا يلتقيان لمراجعة ما كتباه، وكأن المنزل نفسه كان يُمليهما معاً.

ما يجعل «حكايات شبح» مؤثراً ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي تصف بها هوستفدت التفاصيل الصغيرة: الرسائل، اليوميات، الملاحظات، الأشياء المتروكة على الطاولة، ونبرة البيت حين يغيب أحد أركانه. إنها لا تكتب عن موت زوجها فقط، بل عن تحوّل الحياة اليومية نفسها بعد الموت، وكيف يصبح الزمن متكسراً حين يغيب الشخص الذي كان يضبط إيقاعه. الكتاب، بحسب أكثر من قراءة نقدية، لا يكتفي بتسجيل الحزن، بل يفكك أثره على اللغة والذاكرة والجسد، حتى إن القارئ يشعر أن هوستفدت لا تلاحق بول أوستر كشخص، بل تلاحق صورته داخلها، داخل البيت، وداخل المعنى الذي تشكَّل من سنوات العيش المشترك.

كتبت سيري هوستفدت «حكايات شبح» بلغة متماسكة، دقيقة، ومشحونة بالتأمل. وهي لا تنزلق إلى العاطفية المباشرة، بل توازن بين حرارة التجربة وصرامة التفكير، بين الاعتراف الشخصي والأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والوقت. ولهذا تبدو بعض المقاطع كأنها تنتمي إلى نوع من «الفلسفة الحميمة»، حين يصبح الحزن مدخلاً لفهم الذات لا مجرد استعادة مأساة. وتُجمع القراءات النقدية على أن قوة الكتاب تكمن في هذا التوتر الخصب بين الوجع والوعي. فهو لا يريد أن يبتز عاطفة القارئ، بل يدعوه إلى مرافقة تجربة إنسانية عميقة، تتكشف فيها هشاشة العلاقات، وعبث اللغة أمام الموت، وفي الوقت نفسه قدرتها على حفظ ما لا يُحفظ.

كتبت «نيويورك تايمز بوك ريفيو»: «مؤثر حقاً... كتاب هوستفدت يشبه في نبرته (عام التفكير السحري) لجوان ديديون... كتاب مُحبَّب ومؤثر عن الوحدة واليأس والارتباك. إنه قريب من الصرخة». فيما لفتت «نيويورك تايمز» إلى أن «جزءاً من الكتاب عن الحزن وتداعياته النفسية والفيزيولوجية، وجزءاً آخر هو لمحة كاشفة عن الزواج الأدبي بين بول وسيري، والتزامهما العميق بمشاركة أعمال بعضهما البعض».

أما في فرنسا، فقد رأت «لوموند» أن هوستفدت «تُنجز الأمنية الأخيرة لبول أوستر، وهي العودة في هيئة شبح»، في كتاب «مؤثر» لا هو «رثاء ضبابي» ولا «ضريح أدبي». وقدّرت المجلة الثقافية «تيليراما» أن الكتاب «يسبر بلطف أرواحنا في مواجهة الغياب»، فيما وصفته «ليزانروكوبتيبل» بأنه «رواية آسرة ووداع جميل لبول أوستر».

وفي «لكسبريس»، كتبت إيميلي لانيز: «تقرأ هذه النصوص وكأنها كتاب رثاء رائع. إنه تسلسل زمني للغياب، وتصوير لزوجين، وتشريح لحوارهما الخصب الذي بلغ من العمق حدّاً حوّل الكائنَين إلى كيان ثالث هجين ومعتَّق».

«حكايات شبح» ليس مجرد كتاب عن الفقدان. إنه عمّا يبقى حين يرحل الحضور، عن تلك الطبقات المتراكمة من الكلام والصمت والعادات والنكات والمشاريع المشتركة التي لا تختفي بالموت، بل تتحوّل إلى شيء آخر: أشباح مقيمة داخل الجُمل، داخل الأوراق، وداخل طريقة النظر إلى العالم.


نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة
TT

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد، من الأم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بعيدة، ولم ترها الأم منذ طفولتها. رسائل أقرب إلى مذكرات، تحكي فيها الأم لابنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها للأب، نافيةً عن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها من الجميع. فعلى مدار الرواية لا نسمع صوت الابنة، غير المهتمة برسائل أمها الإلكترونية، لنرى عبر هذه السيرة مواضع الجنون المجتمعي الأعمق.

جسد الرواية، الصادرة في القاهرة عن «دار المحرر للنشر»، هو ذكريات الأم، وآلامها، فهي -عبر رسائل «واتساب»- تحكي لابنتها الغائبة سيرة حياتها، وسيرة مجتمع بأكمله، تحكي لها عن ميتاتها الرمزية منذ طفولتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مروراً بمراهقتها، وزواجها رغماً عنها من رجل يكبرها بعقود، تزوجها لمجرد أنها تشبه عشيقة صباه ومراهقته، التي كانت تربطه بها علاقة جسدية قبل مولد «أمينة» بكثير، هذه العشيقة لم تكن سوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قد تزوجت وأنجبت، فاستغل ثروته ونفوذه وتزوج الابنة، فكانت «أمينة» مجرد دوبلير لأمها، يُسقط عليها غضبه وانتقامه.

برهافة شديدة، ولغة موجعة وحادة، تقدم الرواية مسارات وخطوط درامية كثيرة ومتشابكة، تحكيها البطلة الساردة «أمينة»، مفكِّكةً كثيراً من بنية الواقع الاجتماعي المسكوت عنه، يتضافر فيها الاجتماعي بالسياسي بالأخلاقي بالديني، وتعرِّي بجرأة فنية البنية الاجتماعية، وسيكولوجية الفقر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضلاً عن التواطؤ الجمعي الذي يسمح بزواج فتاة من حبيب أمها القديم، وبتواطؤ الجميع، رغم علمهم بالماضي وبنيّات الزوج، تحت قاعدة أن «الحرام لا يحرّم حلالاً».

على عكس الشائع، لا تأتي الذكورية والتسلط على المرأة من جانب الرجال، رغم حضور هذا التسلط، لكن الرواية تكشف عن تسلط أكثر ضراوة تمارسه النساء على البطلة، خصوصاً الجدَّات، المتحكمات في مصائر الأبناء والأحفاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد البطلة، الذي يبدو ظلاً باهتاً وضعيفاً أمام أمه، المتحكمة في كل شيء، في تمثل واضح واستعادة للماترياكية. هذا التحكم ذاته، مارسته أيضاً جدة «دهيبة»، صديقة «أمينة» الوحيدة والمقربة، والأكثر جرأة وتمرداً، فقد كان الإيذاء الجسدي والنفسي الذي مارسته هذه الجدة الأخرى على حفيدتها أكثر قسوةً وإيذاءً جسدياً، من اعتداء عمها المدمن «عزيز» عليها جسدياً، في حين بدا الأب أيضاً غائباً، وبلا حضور حقيقي.

تقطع الساردة أحياناً مجرى السرد، مقدمةً لمحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عالمها، وفق منطق كتابة المذكرات أو الرسائل، فتقول مفسرةً سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، كأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف، حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن. في المعاناة الجماعية مواساة، وفي النجاة الفردية خيانة».

تكشف الرواية عن غياب الأب في مجتمعات الفقر، وانتقال السلطة داخل البيوت إلى كبرى نساء العائلة. في طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يمكن أن تنبت له أجنحة ويطير؛ إنها صورة السوبر مان المتخيَّلة في ذهن كل فتاة عن أبيها، لكن رويداً رويداً ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجمع، وينتهي به الأمر إلى أن تراه في مشهد استثنائي، وذكي في غرائبيته، تراه وقد تقزَّم وتضاءل، بشكل مدهش في تصويره جمالياً، تقول: «في تلك اللحظة ذاب أبي المتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للأعلى قليلاً».

إلى جانب حيوات البطلتين، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيلاً للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، فتبدو هذه الأوضاع حاضرة في خلفية المشهد دائماً، تؤثر بشكل واضح ومحسوس في حياة الشخوص. كما ترسم صورة سردية لطبيعة الحياة في المناطق الشعبية وشبه العشوائية، في مناطق على أطراف القاهرة، حيث يقيم النازحون إلى العاصمة من المحافظات البعيدة، كحال أسرة «دهيبة» التي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب المدينة، مع تسييد العادات والتقاليد الريفية، على المكان الذي يُفترض به أن يكون فضاءً للانفتاح والتحرر.

تمزج البطلة الساردة، التي كانت مولعة في صباها بالرسم والفنون عامة، بين سيرتها وبين أغنيات شهيرة في حقب مختلفة، إذ تبدأ كل فصل بمقطع من أغنية. هذه الأغنيات التي أصبحت تستدعيها بعد ذلك في أثناء علاجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة لإحدى ميتاتها السابقة، ميتاتها الرمزية. إضافةً إلى الأغنيات، ثمة حضور قوي للأفلام، وهناك ثلاثة أفلام يبدو حضورها لافتاً: «آيس كريم في جليم» أول فيلم شاهدته في السينما مع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها من المدرسة، تحدياً لتصور الجدَّات عن البنت التي تذهب للسينما. والثاني «أحلام هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معاً، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فكانت تتمنى أن تنتقم من زوجها، مثلما فعلت البطلة سعاد حسني مع زوجها.

الفن والغناء والصحبة كانت عالم «أمينة»، لكن زواجها عنوةً من رجل ينتمي إلى الإسلام السياسي، وتخليها عن ابنتها له، حيث أصبحت تراها فقط على الشاشة، وهي تقدم برنامجاً عبر قناة دينية يمتلكها والدها وجماعته، إبان صعود «الإخوان» عقب «يناير 2011»، فتراها وهي تطعن في عقيدة ودين كل المختلفين معها... تحزن الأم مرتين؛ الأولى على ضياع حياتها، وتعامل المحيطين معها بوصفها «مجنونة»، والثانية لما آل إليه حال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هذا العالم الروائي، وتحولوا إلى مسوخ: «العنف يا عائشة هو ما يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، لا تملك حق الرفض أبداً».


السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ
TT

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

عن دار «رشم للنشر والتوزيع» في السعودية، صدر أخيراً كتاب «سينما الاستنساخ المصرية»، للناقد السعودي خالد ربيع السيد، يقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير. ويناقش آلية نسخ الأفلام الأجنبية، وتحويلها إلى مصرية، مقارنة بالسينما المصرية الأصيلة الرصينة، خاصة في الثمانينات مع حركة الواقعية الجديدة، والتي يرى المؤلف أنها كانت نابعة من قلب الواقع، وقضاياه، ومشكلات الإنسان المصري الحقيقية.

يبدأ الكتاب بمقدمة يوضح فيها المؤلف أن تأليفه لهذا الكتاب جاء «بدافع التعرف على الأفلام المصرية، والاستمتاع بها، وربما لتحريض القارئ على مشاهدة الجيد منها، ومقارنتها بالأفلام الأجنبية التي استنسخت منها، ولم يكن القصد الانتقاص من شأن السينما المصرية عموماً». ويوضح في هذه المقدمة مفهومه الخاص للفوارق بين الاستنساخ والاقتباس، قائلاً: «الاستنساخ كما أرى يعتمد على نقل مطابق لأفكار وحبكات أفلام أخرى، نسخ ولصق، حيث تنحسر مساحة الإبداع، والأصالة، وتنطوي على شيء من إعادة الصنع، أو التكوين بمدخلات جديدة لتنتج معطيات مستجدة. بينما يتوافق مصطلح اقتباس مع ما ينقل من الرواية، والمسرح».

بعد هذه المقدمة، هناك تصديران لناقدين سينمائيين مصريين، الأول بعنوان: «شعرة، وقارة، ما بين الاقتباس والاستنساخ» للناقد عصام زكريا، يوضح فيه الفوارق بين الاقتباس والسرقة، والحدود العلمية بينهما، وتاريخ الاقتباس في السينما العالمية، والأميركية منها بوجه خاص، مشيراً إلى أن الكتاب «إسهام مهم في النقاشات الدائرة حول تعريفات وأصول وحدود الاقتباس، وهو نقاش ضروري، ليس فقط لإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن لإثراء الحياة الفنية، وتلقين الشباب الصاعد درساً بليغاً في معنى أن يكون الإنسان فناناً».

التصدير الثاني بعنوان: «سينما ثرية يعتريها نسخ واستسهال» للناقدة فايزة هنداوي، تؤكد فيه أن «الكاتب لا يقف موقف الخصم، بل موقف المحب الغيور، ما يمنحه توازناً نقدياً، فهو لا يتردد في الإشادة بما هو أصيل، ومبدع، ويحتفي بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي لعبته السينما في حياة ملايين المصريين، والعرب. ولكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن كشف مواطن الضعف، وانتقاد أفلام المقاولات البائسة، التي حولت أفلاماً راقية إلى نسخ مشوهة وسخيفة».

يتكون الكتاب من ستة أبواب رئيسة، كل منها ينقسم إلى عدة فصول، متناولاً أشهر الأفلام المستنسخة، وأشهر الممثلين الذين اعتمدوا على الاستنساخ في أفلامهم، بخاصة عادل إمام، وأحمد حلمي، فضلاً عن رصد ظاهرة استنساخ الأفيشات، حتى الموسيقى التصويرية، ويناقش مظاهر التغريب التي نقلتها السينما المصرية. كما يضم قوائم وتحليلات وبوسترات عن الأفلام المصرية المنقولة من السينمات الأخرى. وبعد تطواف كبير في دراسة الظاهرة، وجذورها، وتجلياتها، أفرد الكتاب الباب الأخير، الذي ينقسم إلى خمسة فصول، لإلقاء الضوء على ما أسماه «السينما المصرية الأصيلة» التي أنتجت بدماء وروح مصرية خالصة، وأهم مخرجيها، ومحطاتها، ومؤلفي الموسيقى التصويرية فيها.

عاجل ماكرون يصل إلى دمشق في أوّل زيارة لرئيس دولة غربية كبرى منذ إطاحة الأسد (أ.ف.ب)