أئمة الدولة السعودية الأولى حوّلوا الدرعية عاصمة ثقافية قبل ثلاثة قرون

«دارة الملك عبد العزيز» تسجل مخطوطات وتعيد بناء مكتبات الدولة بعدما سرقها الغازي وأخفاها وأحرق بعضها

تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
TT

أئمة الدولة السعودية الأولى حوّلوا الدرعية عاصمة ثقافية قبل ثلاثة قرون

تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى
تدمير الدرعية أضاع مخطوطات ذات قيمة تحكي الواقع الثقافي والاقتصادي للدولة السعودية الأولى

سلّط كتاب الضوء على جانب مشرق من تاريخ الجزيرة العربية في عهد الدولة السعودية الأولى، ومهد الطريق أمام دراسات آتية تكمل المسيرة وتنير الطريق، التي تكشف عن النشاط الثقافي والارتقاء الحضاري الذي صاحَب قيام الدولة السعودية الأولى. ويلقي الكتاب الضوء على المكتبات في عهد الدولة السعودية الأولى، الممتدة من عام 1157هـ إلى عام 1234هـ (1744 – 1818)، ويبين العوامل التي كانت وراء انتقال ما ضمّته رفوف تلك المكتبات من مخطوطات وكتب قيّمة، ويعيد أبرز تلك العوامل إلى الحملات العسكرية العثمانية، التي أسهمت بشكل مباشر في نقل هذه المخطوطات.

وقف من وقفيات الإمام عبد العزيز بن سعود، ثاني أئمة الدولة السعودية الأولى، وهو كتاب معالم التنزيل للبغوي

وأبرز الكتاب، الذي أعدّه الباحث والمؤرخ حمد بن عبد الله العنقري، بصورة غير مسبوقة، تحقيقاً لوثيقة عثمانية خاصة، تعرض الكتب التي انتقلت من مكتبات الدولة السعودية الأولى إلى المدينة المنورة، ويمهّد بين يديها بدراسة تحليلية توضح المصادر التي جلبت منها تلك الكتب، التي من أبرزها الحجاز واليمن والعراق، ويبين الطرق التي يتم بها تداول تلك المخطوطات في عصر الدولة السعودية الأولى، ومن أهم تلك الطرق النسخ والاستكتاب والبيع والشراء والتوارث والإهداء والإعارة والوقف، كما يشير الكتاب إلى نوادر من المخطوطات المنقولة إلى مكتبة المدرسة المحمودية، مقسماً إياها إلى نسخ خزائنية ونسخ بخط مؤلفيها أو أحد العلماء، أو قرئت على أحد منهم، كما يعدد أنواع المكتبات في ذلك العهد موزعة بين مكتبات للأسر ومكتبات للأفراد.


غلاف كتاب بدت فيه صورة مخطوطة لأول المتون في المذهب الحنبلي تملكها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود

وقدّم الكتاب مخطوط «شرح مختصر الخرقي» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي، ويعد هذا الكتاب أول المتون في المذهب الحنبلي وأشهرها، وهذه المخطوطة من محفوظات مكتبة المدرسة المحمودية بمكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، وتتميز بتملك الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود آل سعود، الإمام الثاني للدولة السعودية، وقد أمر - يرحمه الله - بوقفها، وتدوين وقفية عليها نصها «هذا الكتاب وقف على طلبة العلم، وقفه عبد العزيز بن سعود، وشهد على ذلك عبد الله بن الشيخ، وكتبه وشهد به حمد بن ناصر، وصلى الله على محمد وسلم». وقد نسخ المخطوط بحمص في 11 جمادي الآخرة سنة 900هـ، بخط حسن بن علي بن إبراهيم بن محمود والمردادي الحنبلي.

وقف للإمام عبد الله بن فيصل وهو كتاب الإيمان الكبير لشيخ الإسلام ابن تيمية

وفي تقديمه للكتاب، الذي أنجزته دارة الملك عبد العزيز، حمل عنوان «مكتبات الدولة السعودية الأولى المخطوطة - دراسة تحليلية لعوامل انتقالها واندثارها بعد سقوط الدرعية»، أوضح الدكتور فهد بن عبد الله السماري، أن الدولة السعودية الأولى قد قامت نتيجة عوامل تاريخية، من أبرزها حاجة البلاد والعباد إلى توحيد الصف ولمّ الشمل، ونشر الأمن وإقامة الشرع الإسلامي المطهر سالماً من خرافات المبتدعين، وطرد جحافل الجهل بقناديل المعارف، وإتاحة الفرصة لسكان هذه المنطقة، لينعموا بالعيش الرغيد الهانئ، بعد أن قاسوا ويلات التفرق، وعانوا من الأرق في أتون الجهل.
ووفقاً للباحث العنقري، فإن الدراسة تتناول مصير المخطوطات السعودية منذ المبايعة التاريخية بين الإمام محمد بن سعود 1139هـ - 1179 - 1765م والشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى سقوط مدينة الدرعية على يد قوات إبراهيم باشا في عام 1233هـ - 1818م، وتقف عند عام 1236هـ - 1823م لمعرفة آثار هذا السقوط في وضعية المخطوطات السعودية، حيث أدى هذا التدمير والهدم إلى فقدانها أو عدم معرفة مآل بعضها.
وسعت هذه الدراسة إلى البحث عن تلك المخطوطات والاطلاع على ما بقي منها والإفادة من النصوص المقتضبة، التي أشار إليها المؤرخون المعاصرون للحدث، كما ستعتمد على الوثائق العثمانية المتبادلة بين جميع مسؤولي الدولة العثمانية، وتحاول الخروج برؤية واضحة بمصير تلك المخطوطات، كما ترمي هذه الدراسة إلى محاولة إعادة بناء مكتبات الأفراد والأسر والمجموعات العامة، للوصول إلى رؤية جديدة للأوضاع العلمية والثقافية في الدولة السعودية الأولى.
وذكر الباحث العنقري، أن أول إشارة إلى نقل القوات العثمانية المخطوطات السعودية وإحراقها هي ما ذكره الرحالة البريطاني جورج سادليير، الذي زار الدرعية بعد هدمها، حيث ذكر أن قوات إبراهيم باشا نقلت مجموعة هائلة من الكتب إلى المدينة المنورة للاحتفال بالنصر والبهجة به، ثم تلاه المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر، عندما ذكر مصادرة حملة حسين بك، بعض مكتبة الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب، وإحراق بعضها الآخر.
كما أشار العجلاني، إلى نقل قوات محمد علي باشا، ما وجدته في بيوت الأمراء والعلماء في نجد، أما آل إسماعيل فقد أورد رواية محلية عن الشيخ سليمان بن عبد الله الحماد، عن مصادرة إبراهيم باشا مكتبة جده الشيخ عبد الله بن سليمان بن حماد.
أما الدراسات التي اعتمدت على الوثائق العثمانية أو الوثائق المصرية، فيأتي على رأسها كتاب «رياض الكتبا وحياض الأدبا» لحيرت أفندي، فيه نصوص خطابات محمد علي باشا الرسمية، التي تبادلها هو وجميع المسؤولين العثمانيين، وقد ذكر حيرت أفندي، فيه نص خطاب محمد علي باشا إلى الصدر الأعظم، بخصوص وضع الكتب التي أحضرها إبراهيم باشا وحسين بك في مكتبة المدرسة المحمودية.
ولعل أول من أشار إلى أهمية هذا الكتاب وما يحتويه من وثائق تاريخية، هو الدكتور أبو الفتوح رضوان، حيث ذكر أن هذا الكتاب في منتهى القيمة التاريخية، ثم تلاه الدكتور سهيل صابان، عندما نشر تعريفاً بهذا الكتاب وما يحتويه من مراسلات متبادلة بين محمد علي باشا، وكبار المسؤولين العثمانيين عن أحداث شبه الجزيرة العربية، والإجراءات التي اتخذها والي مصر فيها، أما الدراسات التي أفادت من هذا المصدر المهم فهي قليلة جداً، ومن أهمها الدراسة المتميزة التي أعدها الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، عن تاريخ التعليم في مصر في عهد محمد علي باشا.
ثم تلته مجموعة «الأوامر والمكاتبات الصادرة من عزيز مصر محمد علي، وهي ملخص لجميع المكاتبات والمراسلات الرسمية، التي تمت بين محمد علي باشا، وجميع المسؤولين في مصر وفي الدولة العثمانية»، وكانت هذه الملخصات معدة للاستعمال الرسمي فقط وجرى نشرها مؤخراً.
أما الدراسة التي أعدها الدكتور خليفة بن عبد الرحمن المسعود، والموسومة بـ«موقف القوى المناوئة من الدولة السعودية الثانية 1234 ـ 1282هـ - 1818 ـ 1866م دراسة تاريخية وثائقية»، وهي رسالة دكتوراه حصل عليها من جامعة أم القرى عام 1421هـ - 2000م، فقد تناولت موضوع نقل القوات العثمانية المخطوطات والمصاحف من نجد إلى المدينة المنورة، وقد اعتمد في ذلك على وثيقة عثمانية واحدة في هذا الموضوع.
ثم تأتي دراسة الدكتور عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، وعنوانها «من وثائق الأرشيف المصري في تاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية»، وهي عبارة عن ملخص لوثائق مجموعة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله -، التي توجد صور منها في مراكز البحوث والدراسات والوثائق في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي مصورة من دار الوثائق القومية بالقاهرة، وتتعلق معظم هذه الوثائق بالدولة السعودية الأولى والثانية، والخليج العربي، وقد لخص عبد الغني وثيقتين من هذه المجموعة تتعلق الأولى بالخطاب الذي وجهه محمد علي باشا، إلى الصدر الأعظم في 13 جمادي الآخرة 1236هـ - 15 مارس (آذار) 1821م، بخصوص عودة ابنه إبراهيم باشا، بخمسمائة وواحد وتسعين مصحفاً وكتاباً، أما الثانية فتتضمن رسالة من وكيل والي مصر لدى الباب العالي في إسطنبول إلى محمد علي باشا، في 11 رجب 1238هـ - 23 يناير (كانون الثاني) 1823م، بخصوص صدور توجيه السلطان بحفظ الكتب السلطانية، ومن الملحوظ أن عبد الغني لم يباشر العمل نفسه، بل اعتمد على غيره، ولم يكن له من أثر سوى الإشراف؛ ولذا فقد أغفل وثائق عدة في هذه المجموعة لم يذكرها ضمن كتابه.
أما الدراسة التي أعدها الدكتور سهيل صابان، والموسومة بـ«نصوص عثمانية عن الأوضاع الثقافية في الحجاز (الأوقاف ـ المدارس ـ المكتبات)»، فقد نشر خلالها وثيقتين عثمانيتين، سبق للمسعود أن أشار إلى إحداهما في رسالة للدكتوراه، ويعد نشر صابان أول نشر لهذه الوثائق بنصوصها العثمانية، مع ترجمتها إلى اللغة العربية، ولكن سقط من الوثيقة الثانية قرابة أربعة أسطر ـ أثناء النشر ـ وهذا أخلّ بالمعنى العام للوثيقة، واعتماداً على ما نشره عبد الغني، من ملخصات للوثائق المصرية، فقد أعد قاسم بن خلف الرويس، مقالة بعنوان «البحث عن مصاحف وكتب الدرعية»، وعلى الرغم من عدم اطلاعه على نصوص الوثائق، فإن هذه المقالة تعد أول محاولة في نظر الباحث للإجابة عن تساؤلات الباحثين عن مصير تلك المخطوطات السعودية.
كما صدر أثناء إعداد هذا الكتاب من مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض كتاب بعنوان «مكتبة الإمام عبد الله بن سعود» وهذا الكتاب هو نشر للوثيقة محل الدراسة، وقد وقع الناشر في أخطاء كبيرة، لعل من أهمها عنوان الكتاب ونسبة جميع الكتب لمكتبة الإمام عبد الله بن سعود، والخطأ في رقم تصنيف الوثيقة بالأرشيف العثماني، وعدم التدقيق في قراءة الوثيقة ونقلها، وهذا أوجد فرقاً بين النص الأصلي والمفرغ، وذكر أن الوثيقة ترجمة من اللغة العثمانية، مع أن معظمها مكتوب باللغة العربية، والمطلع على هذا العمل، يرى أن فيه عجلة وتسرعاً في طبعه ونشره، ومن خلال دراستي لهذه الوثيقة واطلاعي المباشر على مخطوطاتها الباقية لم أجد فيها أي تملك للإمام عبد الله بن سعود، كما أن معظم أصحاب هذه الكتب هم من علماء نجد والأحساء.
وسلط الباحث العنقري، الضوء على المصادر المتنوعة في الدولة السعودية، موضحاً أنه من خلال المصادر التي عُنيت بتاريخ الدولة السعودية الأولى، نجد أخباراً عن المناطق التي جلبت منها المصادر إلى الدولة السعودية، ومنها الأخبار التي أوردها الشوكاني، ولطف الله جحاف، والجبرتي، وبوركهارت وغيرهم، عن حرص السعوديين على التزود من مناطق الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر، لكن هذه المصادر لا تفصح إلا نادراً عن أسماء الكتب التي اقتناها السعوديون من هذه المناطق؛ ولهذا فإن مجموعتي إبراهيم باشا، وحسين بك، تفيدنا في معرفة المناطق التي جلبت منها هذه المخطوطات، وتساعدنا على استكمال معرفة التواصل الثقافي والاقتصادي بين الدولة السعودية الأولى والمناطق المجاورة لها.
وأوضحت الدراسة التي جاءت في كتاب من الحجم الكبير غطى 560 صفحة، أن الدولة السعودية الأولى بعد قيامها حتى سقوطها على يد قوات إبراهيم باشا في عام 1818م سعت إلى نشر العلم والتعليم والإسهام فيه والسعي في تعميمه على عامة الناس، وأسهم هذا في تنمية الحياة العلمية وزيادتها مقارنة بالفترة السابقة للدعوة؛ ولذا انتشرت المخطوطات ونسخها واستكتابها وبيعها وشراؤها في المنطقة بشكل كبير وملحوظ، كما أفادت الدولة من السفارات المرسلة من قبلها في جلب المخطوطات وشرائها إلى المنطقة، كما أسهم هذا التبادل العلمي بين الدرعية وصنعاء، وكان من نتيجة شراء المخطوطات من صنعاء وجلبها إلى الدرعية، وغيرها من المدن والقرى التابعة للدولة السعودية الأولى؛ ونتيجة لازدياد المخطوطات في المنطقة، فقد رأى علماء نجد بيع بعض المخطوطات المتوافرة لديهم في صنعاء عن طريق الرسل، الذين أرسلتهم الدولة السعودية الأولى إلى إمام اليمن، وقد كان ذلك سبباً من أسباب انتقال المخطوطات السعودية.
ولكن أثّر في هذه النهضة إرسال الدولة العثمانية حملاتها العسكرية لمواجهة الدولة السعودية، حيث أدى ذلك إلى سقوط الدرعية، وإلى حصول فراغ سياسي وعلمي تمثل بنقل أفراد من أسرة آل سعود وبعض علماء نجد وطلبة العلم إلى مصر، وقد أثر هذا النقل في مكتباتهم؛ إذ اشترى بعض التجار بقايا مكتبات آل سعود وبعض علماء نجد ونقلوها إلى خارج المنطقة، أو اشترى بعض علماء نجد مكتبات آل الشيخ الذين نقلتهم الدولة العثمانية إلى مصر، كما اضطر بعض علماء نجد إلى أخذ بعض بقايا مكتباتهم معهم عند نقلهم إلى مصر.
وقد أثرت الحروب العثمانية في المنطقة بشكل كبير؛ إذ أدت هذه الحملات إلى فقد مجموعة كبيرة من المخطوطات والكتب، وهذا الفقد كان له أسباب عدة، منها أثر الحروب في إتلاف المكتبات وتدميرها، إضافة إلى إحراق القوات العثمانية مجموعات من المخطوطات والمكتبات، منها مكتبة الشيخ عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب، وغيره من علماء الدعوة.
كما أسهمت هذه الحروب في مصادرة المخطوطات السعودية، ونقلها إلى المدينة المنورة، وقسمت إلى مجموعتين رئيستين، هما مجموعة إبراهيم باشا، ومجموعة حسين بك، ولم تكتف هذه القوات بما فعلت، بل نقل بعض أفرادها المخطوطات السعودية دون علم قادتهم وباعوها في أسواق المدينة المنورة.
وعلى الرغم مما جرى في المنطقة من تدمير وتهجير ومصادرة، فإن الملحوظ هو احتفاظ بعض الأسر العلمية بالمخطوطات وبقاؤها إلى اليوم، ولا تزال المكتبات العامة والخاصة تحتفظ بنماذج عدة لذلك، كما أن بعض العلماء نقل بمبادرة شخصية منه مكتبته الخاصة معه أثناء مغادرته المنطقة السكنية في مناطق أخرى، وأدى هذا إلى انتقال مجموعات عدة من المخطوطات إلى خارج المنطقة.
ولهذا؛ فإن السلطات العثمانية بعد محاصرتها الدولة السعودية الأولى، وتنظيم الحملات العسكرية ضدها تفاجأت بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، بحجم المخطوطات المتوافرة لدى السعوديين وكميتها؛ ولذا أصدرت أوامرها لقادة جيشها بجمع كل ما لدى السعوديين، وقد كان هذا ديدن كل حملة من الحملات العثمانية، التي أرسلت إلى المنطقة، حيث جمعت هذه القوات كل ما أمكن لها جمعه من المخطوطات، وما لم تتمكن من أخذه أحرقته قبيل مغادرتها؛ ولذا نقلت المخطوطات التي جمعت إلى محافظة المدينة المنورة، ووضعت في عهدة المسؤولين العثمانيين فيها، وبعد مراسلات عدة جرت بين محمد علي باشا والمسؤولين العثمانيين بإسطنبول، صدرت أوامر السلطان محمود الثاني بحفظها في مكتبة المدرسة، التي أنشأها بالمدينة المنورة، ويبدو أن فكرة تأسيسها لم تخطر في بال السلطات العثمانية، إلا بعد حصولها على هذه الكمية الوافرة من المخطوطات، وقد أدى هذا إلى إغناء مكتبة المدرسة المحمودية بمخطوطات عدة، يعد بعضها من أندر المخطوطات في العالم.
وحاولت الدراسة بقدر ما توافر لها من معلومات متنوعة الإجابة عن مصير المخطوطات السعودية في الوصول إلى عوامل وأسباب عدة لانتقال المخطوطات السعودية، وهي لا شك ليست كل الأسباب، وإنما هي محاولة لمعرفة هذه الأسباب، ويمكن من خلالها التوصل إلى نقطة مهمة، وهي أن المخطوطات والكتب لا تنشر إلا في بيئة مستقرة سياسياً وعلمياً واجتماعياً؛ ولذا فإن قيام الدولة السعودية الأولى كان سببا رئيسيا في انتشار المخطوطات وتداولها بشكل كبير، حتى وإن كانت هذه الكتب أو المخطوطات ذات اتجاه مخالف لاتجاه الدولة ومعتقدها، فقد وجدت ضمن وقفيات الإمام عبد العزيز بن محمد، كتب تصنّف على أنها مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة لدى المذاهب الأربعة جميعها، ولم يجد الإمام عبد العزيز حرجاً في ذلك، بل إن علماء الدعوة الإصلاحية نصّوا على أنهم ليسوا معنيين بالتفتيش على الكتب - ولا يؤيدون إتلافها أو إحراقها، وقد نص على ذلك بشكل واضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، في رسالته المشهورة، التي كتبها عندما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز مكة المكرمة؛ ولهذا فقد تداول علماء الدعوة كتباً تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة في قضايا الأسماء والصفات، أو تنتهج منهج بعض المذاهب المنحرفة، وهي دلالة على سعة أفق علماء الدعوة بعكس ما صوروا به.
وتشدد الدراسة على أن استكمال حلقات هذه السلسلة سيوضح الصورة الحقيقية للواقع العلمي والثقافي في الدولة السعودية الأولى، والدولة السعودية الثانية، وستبرز هذه الصورة بشكل يجلي الصورة التقليدية أو النمطية عن الأحوال العلمية والثقافية في الدولتين، ويبرز هذه الأحوال بشكل موثق من خلال الشواهد التاريخية المعتمدة بشكل رئيسي على الوثائق والمخطوطات.



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.