محافظ مأرب لـ«الشرق الأوسط»: تجاوزنا المحنة... واليمنيون لن يُحكَموا بقوة السلاح

أكد أن دور «التحالف» يمتد إلى الدعم الإنساني واللوجستي ولا يقف عند الطيران

اللواء سلطان العرادة
اللواء سلطان العرادة
TT

محافظ مأرب لـ«الشرق الأوسط»: تجاوزنا المحنة... واليمنيون لن يُحكَموا بقوة السلاح

اللواء سلطان العرادة
اللواء سلطان العرادة

الأسباب الأمنية والإجراءات الشديدة التي يتخذها محافظ مأرب اللواء سلطان العرادة، أخَّرت لقاءً حرصت «الشرق الأوسط» على إجرائه؛ لكنه تم في النهاية. ترحاب العرادة -وهو شيخ قبلي وقيادي عسكري- يعكس عادة عربية أصيلة يشتهر بها أبناء مأرب واليمن عموماً.
المحافظ الذي نجا من محاولة اغتيال قبل أشهر بصواريخ باليستية أطلقها الحوثيون صوب منزله، بدا واثقاً عندما شدد على تجاوز مأرب المحنة التي مرت بها خلال العامين الماضيين.
مرتدياً الخنجر اليمني الشهير، وبسحنته السبئية، ولغة جسد رجل كأنه لم يقارع الموت ولم يواجهه، قال العرادة إن ما قامت به «ألوية العمالقة» الجنوبية بمساندة التحالف في شبوة، كان إنجازاً كبيراً، ورافداً خفف على مأرب الضغط الحوثي. وشكر «العمالقة» بعدما أوضح أن الحوثيين يعرفون جيداً أن مأرب هي اللبنة الأساسية في مشروع بناء دولتهم التي قال إنها «لن تقوم إلا بمأرب».
مضى المحافظ يتحدث عن «سر صمود مأرب» طيلة الأشهر الـ16 الماضية: إنه «معرفة الناس بهذه الميليشيات وأفكارها التي تفرضها على الناس... الأمر الذي جعل اليمنيين ينتفضون ويقفون وقفة رجل واحد».
لم ينسَ العرادة الدور الكبير الذي قام به التحالف بقيادة السعودية في مساندة مأرب؛ معتبراً ذلك دور الأخ مع أخيه بما يملك؛ مشيراً إلى أن دور التحالف لا يقف عند حد الطيران الذي كان حاسماً؛ بل يمتد إلى الدعم اللوجستي والإنساني.
ورغم المآسي التي أحدثها الحوثيون في المحافظة والمستمرة إلى اليوم، يؤكد العرادة أن مأرب ما زالت تزود جميع المناطق القابعة تحت سيطرة الحوثيين بالغاز المنزلي من دون أي تمييز، معتبراً ذلك واجباً أخلاقياً وإنسانياً، لا علاقة له بالحرب. وقال إن «الخدمات تصل إلى كل مكان، تصل إلى مران، وإلى كهف عبد الملك الحوثي». ويرى العرادة أن على الحوثيين ومن خلفهم إدراك أمر مفاده أن اليمنيين «لن يُحكَموا بقوة السلاح»، وقال: «لن نُحكَم إلا عبر الدستور اليمني والتوافق بين كل أبناء اليمن»، مطالباً إيران بالتوقف عن إراقة دماء العرب، وخصوصاً في اليمن، وذكَّر بأن التاريخ «لن ينسى هذا العدوان الذي تقوم به إيران على حساب شعوب أمتنا العربية».
تحدث المحافظ عن كثير من الملفات الأخرى، منها: النازحون، وأدوار المنظمات الإنسانية والأممية، ودور مشروع «مسام» السعودي لنزع الألغام، إلى جانب الحياة الاقتصادية والتجارية في المدينة. وفيما يلي تفاصيل الحوار:
> بدايةً، ضعنا في صورة الوضع الحالي لجبهات مأرب، بعدما تعرضت لهجمات حوثية مستمرة خلال الأشهر الماضية.
- بدايةً، نرحب بكم، الوضع في مأرب كما ترى، الحرب ليست منذ عام ولكنها منذ 2015، ولكنها اشتدت في العامين الأخيرين؛ خصوصاً في 2021. وكانت المعركة شديدة إلى أبعد الحدود؛ حيث استطاع الحوثي أن يحشد من جميع المحافظات والجبهات، ويتجه بهذه الحشود إلى مأرب جميعها؛ لكن بحمد الله كان هناك صمود من الجيش الوطني والقبائل والمقاومة بشكل عام. وقفوا وقوف الرجال، وصمدوا بمساندة التحالف، وتجاوزنا المحنة. الحرب لا تزال مستمرة وتتطهر المناطق تلو الأخرى. ما حصل في شبوة كان رافداً كبيراً لنا من خلال ما حققته «ألوية العمالقة» مع المقاومة الشعبية، واستطاعوا أن يحققوا أهدافاً ممتازة في شبوة وحريب، وبإذن الله سيستكملون ما تبقى، والجيش الوطني يقوم بدوره في هذا الجانب مع القبائل والمقاومة الشعبية، بمساندة الأشقاء في التحالف.
> ماذا عن تحرير بقية مديريات مأرب؟ هل لا تزال مستمرة؟
- لا شك في أن عملية التحرير مستمرة؛ لكن تركيز الحوثي على مأرب يختلف عن أي منطقة أخرى، ويعتبرها اللبنة الأساسية لبناء دولته، وإذا ظلت هذه اللبنة خارج بناء مشروعه فلن تقوم له دولة. هذه هي الحقيقة التي يعيشها الحوثي، ونراها وندركها جميعاً، فهو يركز جهوده من حيث نوعية المقاتلين والمعدات والتشبث، والدفع بما لديه من قوة يعتد بها، ويرسلها إلى مأرب؛ لكن ما تحقق في شبوة يعتبر عملاً كبيراً جداً، ومنجزاً تُشكر عليه «ألوية العمالقة» ودعمها من التحالف.
> «العمالقة» خففت الضغط على مأرب؟
- لا شك في ذلك. أي جبهة تُفتح تخفف الضغط على مأرب، حتى إذا تحركت حرض أو تعز فإنها تخفف عنا، أما شبوة فحدث ولا حرج، فهي الجوار.
> ما سر صمود مأرب كل هذه الفترة في مواجهة هجمات الحوثيين المركزة والكبيرة؟
- السر هو معرفة الناس بهذه الميليشيا وأفكارها التي تفرضها على الناس. وما رأيناه من عمل وهدم مؤسسات الدولة ودور العبادة والمؤسسات التعليمية وكل شيء في البلد، جعل الناس ينتفضون جميعاً، ويقفون وقفة رجل واحد. هو صمود ينطلق من فهم للعملية.
> ماذا عن النازحين في مأرب؟ كم عددهم وعدد المخيمات؟ وما العبء الذي يشكلونه على السلطة المحلية؟
- النازحون أعدادهم كبيرة جداً. كانوا بحسب إحصائية العام الماضي في حدود مليونين و300 ألف، إضافة للسكان المحللين؛ لكن أعدادهم زادت منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن، قادمين من كل المحافظات، ناهيك عن النزوح الداخلي من مديريات المحافظة. وما ترونه من المخيمات لا يمثل كل النازحين. فكثير منهم مندمجون في المجتمع. مجتمعنا يختلف عن الغرب الذي يضع النازحين في مخيمات معدة ومحصورة. هنا يعيشون في منازل ومزارع ومتاجر واحدة. بالنسبة للعبء، لا شك في إن ذلك يشكل ضغطاً كبيراً جداً على السلطة المحلية تعجز عنه حكومات؛ لكن هذا قدرنا وقدرهم، ونواجه ما استطعنا بمساندة الحكومة بما استطعنا، وكذلك التحالف العربي؛ خصوصاً «مركز الملك سلمان» الذي يؤدي دوراً كبيراً، وهناك بعض المنظمات الدولية والمحلية تساعد بما تستطيع؛ لكن تظل مساعدة محدودة.
> شيخ سلطان، الأحياء المدنية في مأرب تتعرض للصواريخ الباليستية الحوثية باستمرار، برأيك ما الهدف؟
- في الحقيقة، نعاني جميعاً من هذا الموضوع. الصواريخ تقتل الأبرياء والأطفال والنساء، وتخرب المباني والأسواق. ماذا ننتظر من الصواريخ الباليستية! وفي النهاية، هذه هي سلوكيات الحوثي.
> كيف هي الحياة المعيشية والتجارية في مأرب حالياً؟
- من حيث الاستقرار: الناس في استقرار ولله الحمد؛ لكن من ناحية المعيشة: مأرب جزء من البلد، وهو يعاني في هذه المرحلة من الوضع الاقتصادي، وبالذات من انهيار العملة اليمنية، وهو ما نتمنى من الحكومة، بالتعاون مع الأشقاء في السعودية والإمارات وغيرهما من الدول العربية والأصدقاء، الوقوف معنا فيه، للخروج من هذه الأزمة الخانقة.
> كيف ترون دور التحالف والطيران في العمليات العسكرية الأخيرة لمساندة مأرب؟
- لا شك في أنه دور واضح وبارز. دور أخ مع أخيه بما يمتلك. دور التحالف لا يقف عند حد الطيران في دعمه اللوجستي والإنساني، فالدور الإنساني كبير جداً، بالذات في الفترة الأخيرة. هناك دعم كبير ومستمر، ونتمنى أن يستمر ويزيد. ودعم الطيران يكاد يكون عنصراً أساسياً في المعركة، منذ بدايتها حتى اللحظة.
> ماذا عن دور الحكومة الشرعية في دعم مأرب؟
- الحكومة تقف إلى جانبنا في حدود إمكاناتها، وهي إمكانات ضعيفة في الأصل، وبالتالي لا يملكون حيلة؛ لكن القيادة السياسية تدعم مأرب بكل ما تستطيع أن توفره وتدفع به.
> ما التحديات التي تواجه مأرب اليوم؟
- التحديات كبيرة جداً: النازحون تحدٍّ كبير، والحرب، والتحديات الأمنية والتنموية، والخدمات أيضاً، فالناس يحتاجون التوسع في المجال التعليمي، وإنشاء مدارس جديدة، وترميم واستحداث مستشفيات، وتوسيع الطرقات، ومياه الشرب، والكهرباء. كل الخدمات تظل تحدياً أمامنا حتى تتحقق.
> الملاحظ أن مأرب تمد كل اليمن بالغاز بما فيها مناطق الحوثيين؟
- هذه عملية إنسانية، وواجب علينا كحكومة يمنية أن نوفر الطاقة لكل أفراد الشعب اليمني، بغض النظر عن المسؤول السياسي عنهم. صحيح أن أكثرهم تحت سيطرة الحوثي؛ لكن تأبى أخلاقيات الشعب اليمني؛ ممثلة بقيادته السياسية من الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى أدنى موظف لدينا، أن نقف حاجزاً في إيصال الخدمات للمواطن اليمني، فهي تصل إلى كل مكان، إنها تصل إلى مران، وحتى إلى كهف عبد الملك الحوثي.
> تعرضت لهجوم شديد من الحوثيين بعد تصريحاتك الأخيرة حول عدم قدرتهم على السيطرة على مأرب؟
- القضية قضية وطن ودولة. الدولة اليمنية مسلوبة، واليمن بحاجة إلى استقرار وإيجاد حكومة يستطيع الناس العيش فيها. المواطن يمني أياً كان توجهه. لا نحارب أحداً من أجل فكرة داخل قلبه، فهذا موضوع يعنيه؛ لكننا نحارب من يحمل السلاح علينا، ويريد فرض أفكاره بقوة السلاح. على الحوثي ومن وراءه أن يدركوا تماماً أننا لن نُحكَم بقوة السلاح، لن نُحكَم إلا عبر الدستور اليمني والتوافق بين كل أبناء اليمن.
> كيف ترون دور مشروع «مسام» لنزع الألغام في الأراضي اليمنية، والذي يقع مقره الرئيسي في مأرب؟
- هذا المشروع والمنظمة الإنسانية تحقق للإنسان اليمني ما لا يحققه أي طرف آخر مهما كان، فهي تواجه عشرات الآلاف من الألغام في المناطق. آخر تقرير وصلنا من شرق مأرب (البلق وخلف البلق حتى قرب حريب) أوضح أن هناك ما يزيد على 5 آلاف لغم، وهي متنوعة، ماذا يعني هذا؟! يعني أن هذه المنظمة تقوم بعمل إنساني كبير تُشكَر عليه، هي تنقذ حياة أمة، ولا يسعنا إلا أن ندعو لهم ونشكرهم، وستشكرهم الأجيال كلها، وسيُذكرون على مر التاريخ.
> هل مأرب أصبحت اليوم آمنة؟
- الضغط بدأ يخف عن مأرب منذ أشهر، عندما صمد أبناء المحافظة من الجيش الوطني والقبائل والمقاومة، وبدأت الميليشيات تشعر بأنها مهما ضغطت فلن تصل للمرام المقصود. ثم جاء تحرير شبوة، وكان رافداً كبيراً للمعنوية. الحرب مستمرة؛ لكن الصمود أوقفهم عند حد معين، والآن أستطيع أن أقول لك إن الجيش الوطني انتقل من الدفاع للهجوم.
> كان الحوثيون وبعض القادة الإيرانيين العام الماضي يتحدثون عن إفطارهم من تمر مأرب، كيف تعلق؟
- في الواقع، المشكلات التي نراها معظمها من تخطيط إيراني. هذه الصواريخ الباليستية لا تستطيع الميليشيات الحوثية صناعتها لولا التكنولوجيا الإيرانية، وتساندها بعض الأحزاب الموالية لإيران، وهي معروفة لدى الجميع. نقول لإيران: كفى، كفى إراقة للدماء في الشعوب العربية وفي اليمن على وجه الخصوص، لغرض التوسع وأذى هذه الشعوب. التاريخ لن ينسى هذه المشكلة، ولن ينسى هذا العدوان الذي تقوم به إيران على حساب شعوب أمتنا العربية.
> يؤكد المسؤولون اليمنيون أن مأرب تدافع عن العرب جميعاً؛ لكن البعض لا يزال يقلل من خطورة المشروع الإيراني في المنطقة، ما رسالتك لهم؟
- لا شك في أن أي مقاتل للمشروع الإيراني يدافع عن الأمة؛ سواء في مأرب أو في غيرها. للأسف، الرؤية لا تزال فيها ضبابية عند كثير من أبناء الدول العربية، وعليهم أن يدركوا ويعوا -سواء الأنظمة والحكام أو الشعوب وبالذات النخبة المثقفة والواعية- مسؤوليتهم التاريخية تجاه هذا المد القومي المُلَبَّس بالدين.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.