الحوثيون يدعون للسلم ويواصلون الحرب على المدن.. وقوات التحالف تواصل إسناد المقاومة

صمود في عدن والضالع.. والكارثة الإنسانية تتصاعد > ملايين الأطفال مهددون بالموت

رجال القبائل الموالية للرئيس هادي يحملون أسلحتهم في حالة تأهب لمواجهات مع الحوثيين في تعز أمس (إ.ب.أ)
رجال القبائل الموالية للرئيس هادي يحملون أسلحتهم في حالة تأهب لمواجهات مع الحوثيين في تعز أمس (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يدعون للسلم ويواصلون الحرب على المدن.. وقوات التحالف تواصل إسناد المقاومة

رجال القبائل الموالية للرئيس هادي يحملون أسلحتهم في حالة تأهب لمواجهات مع الحوثيين في تعز أمس (إ.ب.أ)
رجال القبائل الموالية للرئيس هادي يحملون أسلحتهم في حالة تأهب لمواجهات مع الحوثيين في تعز أمس (إ.ب.أ)

تواصلت المواجهات المسلحة في جنوب اليمن بين القوات الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، من جهة، والميليشيات الحوثية والقوات الموالية للمخلوع علي عبد الله صالح، وتمكنت المقاومة الشعبية الجنوبية من السيطرة على مطار عدن الدولي، بعد اشتباكات عنيفة مع القوات المهاجمة، وقالت مصادر في المقاومة إنه جرى اكتشاف شبكة أنفاق أسفل المطار، وذكرت مصادر محلية أن 6 من القيادات الحوثية قتلت في معركة مطار عدن الدولي، بينهم القيادي الحوثي الميداني البارز، هاشم القحوم، وتجددت، مساء أمس، المواجهات في حي المعلا بعدن، بعد أن خرج المسلحون الحوثيون والموالون لصالح الذين كانوا يتمترسون في إحدى البنايات منذ أكثر من أسبوع، وقال شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر المقاومة الشعبية قامت بملاحقتهم والاشتباك معهم.
وتمكنت المقاومة وبمساعدة جوية من طيران التحالف من فك الحصار عن مدينة خور مكسر ودخول المطار من جهتي الشرق والغرب، وأثناء دخولها خاضت مواجهات شرسة مع ميليشيات وقوات الحوثي وصالح الموجودة في كورنيش ساحل أبين شرق خور مكسر وكذا في مطار المدينة الذي شهد أعنف معركة بين الطرفين وسقط جراءها عشرات القتلى والجرحى، علاوة على أسر المقاومة لقرابة 30 من ميليشيات الحوثي وصالح. وأضاف مصدر ميداني أن المقاومة تخوض الآن معركة ضارية مع هذه الفلول والجيوب المنسحبة من المطار والكورنيش وجبل حديد وغيرها من المواضع إلى جزيرة العمال والدكة المحاصرتين الآن من قوات المقاومة وطيران التحالف اللذين يضيقان الخناق حول هذه الميليشيات والقوات المتمردة والتي لجأت إلى إطلاق نيران أسلحتها عشوائيا وباتجاه الأحياء السكنية في خور مكسر والمعلا والتواهي بقصد إثارة الهلع والخوف بين السكان.
إلى ذلك، أكد مصدر في المقاومة لـ«الشرق الأوسط» أن قوات صالح والحوثي يقودها ومنذ أسبوع القيادي في الجماعة عبد الخالق الحوثي شقيق عبد الملك الحوثي وأحد الثلاثة الذين شملهم قرار مجلس الأمن رقم 2140 بشأن لجنة عقوبات دولية لمعرقلي التسوية السياسية تحت البند السابع إلى جانب الرئيس الأسبق صالح والقيادي الآخر في الجماعة أبو علي الحاكم. وأشار المصدر إلى أن مدير أمن عدن الأسبق العميد غازي أحمد علي والذي تضاربت المعلومات حول مقتله في مواجهات المطار يعد المسؤول عن تسليح هذه الميليشيات المتمردة. وعلى ذات الصعيد قال مصدر طبي في عدن لـ«الشرق الأوسط» إن مستشفى باصهيب العسكري في مدينة التواهي غربا استقبل أمس الخميس نحو عشرين حالة إصابة بشظايا مدفع الهاون وقتيلين ومعظم هذه الحالات من السكان.
وفي التطورات الميدانية، أيضا، قالت مصادر في المقاومة في محافظة الضالع لـ«الشرق الأوسط» إن قوات التحالف قامت بتقديم دعم لوجستي وعسكري للمقاومة، عبر عملية إنزال مظلية للأسلحة في إحدى المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات الموالية للشرعية، وما زالت الضالع تشهد مواجهات واشتباكات متواصلة، رغم الدعم الجوي الذي تقدمه قوات التحالف للمقاومة، وذكر سكان في المنطقة أن ميليشيا الحوثي وقوات صالح قامت، مساء أمس، بعملية قصف واسعة النطاق لبعض الأحياء السكنية التي ما زالت مأهولة بالسكان، رغم أن معظم أحياء المدينة دمرت ونزح سكانها إلى الجبال أو القرى البعيدة عن مناطق الصراع، ويحاول الحوثيون وقوات صالح، بكل الطرق، السيطرة على الضالع التي تعرف تاريخيا بأنها «بوابة النصر» و«بوابة الدخول إلى عدن» من الجهة الشمالية، غير أنهم يلقون مقاومة شرسة من اللجان الشعبية. والمقاومة منعت سيطرتهم على المدينة والمرور منها إلى عدن.
وفي صنعاء، جدد طيران التحالف، أمس، قصفه للعاصمة، واستهدف عددا من المواقع التي يتحرك فيها الحوثيون وقوات صالح، وسمع دوي انفجارات عنيفة منذ الصباح الباكر، وردت مضادات الطائرات بوابل من النيران، في الوقت الذي أعلنت وزارة التربية والتعليم وجامعة صنعاء، تمديد تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، حتى إشعار، آخر في المحافظات التي تشهد توترات أمنية، وفي مأرب تستمر المواجهات العنيفة بين رجال القبائل والجيش الموالي للشرعية، من جهة، والميليشيات الحوثية وقوات صالح، من جهة أخرى، وبالتحديد في مديرية صرواح. وقالت مصادر قبلية لـ«الشرق الأوسط» إن طائرات التحالف قصفت، أمس، مواقع تجمعات الميليشيات الحوثية في صرواح، فيما يستمر توافد القبائل الأخرى لتعزيز الجبهة والتصدي لهجمات الميليشيات التي لم تستطع تحقيق أي تقدم ميداني منذ أكثر من أسبوعين في تلك المنطقة.
وفي ظل احتدام القتال، تمكنت المقاومة الشعبية في الجنوب من تجنيد العشرات من الشباب الجنوبيين وتدريبهم. وقالت مصادر في المقاومة بعدن لـ«الشرق الأوسط» إنه جرى يوم أمس، تخرج أكثر من 140 متدربا من عناصر المقاومة، وذلك بعد أسبوع كامل من التدريب المكثف، وفي كلمة له ألقاها في الخريجين، قال الشيخ عيدروس الزبيدي، قائد المقاومة اليمنية الجنوبية إن هذه الدورة وعملية التخرج جاءت «ونحن نخوض حربا شرسة مع الاحتلال وميليشيات الحوثي وأنصار الله الذين اعتدوا على ديننا وأرضنا وجنوبنا وغزوه مجددا». وأضاف مخاطبا المقاومين الجدد أنه «أمامكم مسؤولية كبيرة في الدفاع عن أرضكم ودينكم وصد التمدد الحوثي فأنتم الأبطال ومن سيحرر الجنوب ونحن إلى جانبكم ونسأل الله لكم ولنا التثبيت والصمود والنصر». ووجه قائد المقاومة الجنوبية الشكر لكل «جنوبي حر في الداخل والخارج والمغتربين الذين قدموا الدعم المادي والمعنوي لإنجاح هذه الدورة ودعم جبهات القتال». كما تقدم بالشكر لـ«قيادة التحالف وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على دورهم في الضربات الجوية والإسناد للمقاومين الجنوبيين ضد العدوان الميليشياتي للحوثي وصالح».
سياسيا، أعلنت ما تسمى «اللجنة الثورية العليا» التي شكلها الحوثيون عقب اجتياحهم صنعاء أن حركة «أنصار الله» الحوثية «مع الحل السياسي والحوار وإيقاف الحرب»، دون أن تورد المزيد من المعلومات بحسب ما بثته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ» التي تخضع لسيطرة الحوثيين، وفي نفس الوقت، دعت اللجنة المواطنين إلى الخروج في مسيرات كبرى اليوم (الجمعة) رفضا لما سمته الحصار.
إلى ذلك، تزايدت، بصورة كبيرة، الأوضاع الإنسانية تدهورا في اليمن، وبالأخص في المناطق التي تشهد مواجهات، إضافة إلى المعاناة الشاملة لسكان عموم محافظات البلاد، حيث تستمر عملية نزوح المواطنين من صنعاء والمدن التي تشهد مواجهات عسكرية بين القوات الموالية لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، من جهة، والميليشيات الحوثية والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، من جهة أخرى، وتتزايد معاناة المواطنين اليمنيين، يوميا، جراء استمرار الحرب، إذ انعدمت الكثير من المواد الغذائية وارتفعت أسعارها، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي والشلل شبه التام الذي أصاب الحياة العامة في صنعاء وعدن وتعز والحديدة والضالع وأبين ولحج وغيرها من المحافظات، وتوقفت الدراسة في المدارس والجامعات، في وقت تؤكد فيه السلطات في صنعاء أن منظومة الكهرباء على وشك الانهيار وأن شبكات الاتصالات الأرضية والجوالة وخدمة الإنترنت، سوف تتوقف خلال أيام، جراء انعدام المشتقات النفطية التي تصادرها ميليشيات الحوثيين لصالح ما تسميه «المجهود الحربي»، وفي هذا السياق، وجهت منظمة «سياج» لحماية الطفولة في اليمن، نداء استغاثة عاجلا لإنقاذ أكثر من 8 ملايين طفل وطفلة، بينهم نحو مليون رضيع، جراء الكارثة الصحية والغذائية التي يعيشونها. وقالت المنظمة، في بيان، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه أمس، إن «معلومات مركز الرصد والحماية في (سياج) تؤكد أن الأطفال يتهددهم الموت والأمراض الناتجة عن نقص التغذية والمياه الصالحة للشرب وانعدام الخدمات الصحية بشكل شبه كامل». وجددت «سياج» تحذيرها من «تفاقم الوضع الإنساني في اليمن نتيجة عدم وصول مواد غذائية وأدوية ومواد بترولية إلى اليمن منذ نحو شهر تقريبا، حيث نفذ المخزون الغذائي لنحو 60 في المائة من الأسر اليمنية بشكل كلي وأصبح من المتعذر عليهم تأمين احتياجاتهم التموينية».



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.