«خط النهاية» في مفاوضات فيينا يترقب «القرار السياسي»

رئيسي ناقش مجرياتها مع بوتين... وشمخاني طالب الغربيين بـ«تحقيق التوازن»

صورة نشرها فيليب أيريرا رئيس الوفد الفرنسي على «تويتر» وتظهر ترويسة مسودة اتفاق في محادثات فيينا
صورة نشرها فيليب أيريرا رئيس الوفد الفرنسي على «تويتر» وتظهر ترويسة مسودة اتفاق في محادثات فيينا
TT

«خط النهاية» في مفاوضات فيينا يترقب «القرار السياسي»

صورة نشرها فيليب أيريرا رئيس الوفد الفرنسي على «تويتر» وتظهر ترويسة مسودة اتفاق في محادثات فيينا
صورة نشرها فيليب أيريرا رئيس الوفد الفرنسي على «تويتر» وتظهر ترويسة مسودة اتفاق في محادثات فيينا

تدور رحى مسار فيينا لإحياء الاتفاق النووي حول محور «القرار السياسي» ومن يتخذه أولا، بعد 10 أشهر من المفاوضات المكثفة بين الدول الكبرى وإيران، وقال كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني إن اقتراب مسار التفاوض من خط النهاية «لا يضمن عبوره».
وقال الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي في اتصال مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين إن طهران «تسعى إلى اتفاق مستدام، وليس هشاً»، معتبراً «إنهاء الادعاءات السياسية وإلغاء العقوبات من ضرورات التوصل لاتفاق مستدام». وذكرت الرئاسة الإيرانية في بيان أن رئيسي ناقش التطورات الدولية، في إشارة إلى الأزمة الأوكرانية. وألقى رئيسي باللوم على «توسع الناتو باتجاه الشرق» في إثارة التوتر. وقال: «توسع الناتو تهديد لاستقرار وأمن الدول المستقلة».
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني قال أمس إن المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن من الممكن أن تتوصل إلى «اتفاق جيد» مع القوى الغربية، بعدما أحرزت «تقدما كبيرا»، لكنه أضاف «لحل القضايا الحاسمة المتبقية فإن من الضروري صدور قرار سياسي غربي لتحقيق التوازن في الاتفاق»، حسب وكالة «رويترز».
وفي تغريدة أخرى، علق شمخاني على الأزمة في أوكرانيا، وقال في إشارة ضمنية من تأزم الملف الإيراني، كتب «إن سقوط الأسواق المالية وزيادة كبيرة في سعر الطاقة بسبب الأزمة في أقصى شرق أوروبا، يظهران أن عدم الاستقرار وتهديد الأمن بكل أشكاله في الجزء الشرقي من العالم يحلق أضراراً جدية بمصالح الغرب» وأضاف «يجب استخلاص العبر من أزمة أوكرانيا». ويجمع الأطراف المعنيون على أن المفاوضات بلغت مراحل حاسمة، مع تبقي نقاط تباين عدة تحتاج على الأرجح إلى قرارات «سياسية» من الطرفين الأساسيين، إيران والولايات المتحدة. ومن غير الواضح ما إذا كان الاتفاق سيتحقق.
ونشر فيليب أيريرا، المدير العام للشؤون السياسية والأمنية في الخارجية ورئيس الوفد الفرنسي إلى فيينا، صورة علی تویتر، من ترويسة مسودة الاتفاق، وكتب فيها «لا اتفاق على شيء ما لم يتم الاتفاق على كل شيء». وهي الجملة التي وردت على لسان مسؤولين من أطراف المحادثات بما في ذلك إيران، خلال الأيام الأخيرة. وانتقدت وكالة «إرنا» الرسمية نشر الترويسة من أيريرا، وقالت «ممثل البلد الذي لديه مهارة خاصة في عرقلة المفاوضات الدولية، وفي الأساس أحد أسباب إطالة محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان الدور غير البناء لفرنسا».
وفور وصوله إلى طهران، قال كبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري كني بأن عبور «خط النهاية» في مباحثات فيينا، يتطلب اتخاذ قرارات من الدول الغربية، وذلك بعد ساعات من عودته إلى طهران للتشاور.
وكتب باقري على تويتر «بغض النظر عن مدى قربنا من خط النهاية، ليست هناك بالضرورة ضمانة لعبوره»، معتبرا أن تحقيق ذلك يتطلب «اليقظة، المزيد من المثابرة والإبداع، ونهجا متوازنا لاتخاذ الخطوة النهائية». وأضاف «لاستكمال العمل هناك قرارات معينة يجب على الأطراف الغربية اتخاذها»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وأتى هذا الموقف بعد تأكيد وسائل إعلام إيرانية ومصادر دبلوماسية غربية، أن باقري كني غادر فيينا ليل الأربعاء بعد ثلاثة أسابيع، عائدا إلى بلاده للتشاور، على أن يبقى أعضاء وفده التفاوضي في العاصمة النمساوية لاستكمال البحث مع نظرائهم في الوفود الأخرى.
وتزامنا مع مغادرة باقري لفيينا، أفادت وسائل الإعلام الإيرانية عن وصول بهروز كمالوندي، نائب رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية والمتحدث باسمها، إلى العاصمة النمساوية. وأشارت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» إلى أن كمالوندي سيجري «مشاورات تقنية» مع مسؤولين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، ومقرها في فيينا أيضاً. وتتولى الوكالة الدولية مراقبة الأنشطة النووية لإيران، ويرفع مديرها العام رافاييل غروسي تقارير دورية بشأنها إلى مجلس محافظي الوكالة. ومن المقرر أن يعقد الاجتماع المقبل للمجلس اعتباراً من الأسبوع الثاني من مارس (آذار) المقبل.
وأجرى وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، ونظيرته البريطانية ليز تراس مساء الأربعاء، هو الثاني بينهما خلال نحو عشرة أيام.
ونقل بيان للخارجية عن عبد اللهيان قوله إن «الإسراع بالتوصل إلى اتفاق يتطلب إرادة حقيقية لاتخاذ قرار سياسي شجاع وواقعي من جانب الغرب بغية التوصل إلى اتفاق دائم لضمان مصالح إيران، وخاصةً الرفع الحاسم للحظر (العقوبات)»، وفق بيان الخارجية الإيرانية.
جاء ذلك، بعدما أعرب عبد اللهيان في مؤتمر صحافي مع نظيره العماني بدر بن حمد البوسعيدي عن تفاؤله بشأن التوصل إلى اتفاق في فيينا خلال الأيام المقبلة، عبر «حل بعض القضايا الحساسة، المهمة، والمتبقية في المفاوضات»، مشددا على أن هذه المسائل هي رهن إبداء الأطراف الغربيين «واقعية» حيالها. وتخوض إيران والقوى التي لا تزال منضوية في الاتفاق، أي فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين، وألمانيا، مباحثات، تهدف إلى إعادة الأميركيين إلى الاتفاق خصوصاً عبر رفع العقوبات التي أعادوا فرضها على طهران بعد انسحابهم، وعودة الأخيرة لاحترام كامل التزاماتها التي تراجعت عن غالبيتها بعد الانسحاب الأميركي.
وخرقت إيران العديد من القيود التي كانت تطيل الفترة التي تحتاجها لإنتاج مواد انشطارية كافية لتصنيع قنبلة ذرية، إذا ما قررت ذلك، إلى ما لا يقل عن عام بدلا من شهرين إلى ثلاثة أشهر.
سيناريوهات تصنيع السلاح النووي
ويقول دبلوماسيون إن فترة الاختراق لن تعود إلى السنة حتى عادت طهران إلى التزامات الاتفاق، في ضوء الخبرات التي اكتسبتها بعد التخلي عن بنود اتفاق 2015. لكن إحياء القيود سيطيل فترة تجميع المواد الانشطارية عما هي الآن. وتخشى القوى الغربية من نفاد الوقت أمام إمكانية التوصل لاتفاق لأن برنامج إيران يحقق تقدما سريعا بما قد يجعل الاتفاق عديم الفائدة.
وتقول إيران إنها تريد تخصيب اليورانيوم فقط للاستخدامات المدنية غير أن كثيرين يشتبهون أنها تعمل على إبقاء خياراتها مفتوحة بالاقتراب من القدرة على إنتاج السلاح النووي. وكتب شمخاني في تغريدة، أول من أمس، عبر تويتر «قدرات إيران النووية (...) لا بد أن تبقى دائما كسيف ديموقليس فوق رأس الناكثين للعهود لتكون الضمان الحقيقي لتنفيذ تعهداتهم».
بناء على أحدث تقرير فصلي من الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن أنشطة إيران النووية والذي نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) قدر الخبراء فترة تجميع المواد الانشطارية اللازمة بما بين ثلاثة وستة أسابيع غير أنهم يقولون إن تحويلها إلى سلاح سيستغرق فترة أطول عادة ما تكون في حدود عامين. يلزم الاتفاق درجة نقاء اليورانيوم عند 3.67 في المائة أي أقل بكثير من نسبة التسعين في المائة اللازمة لتصنيع السلاح النووي. وتخصب إيران اليورانيوم الآن بمستويات مختلفة يبلغ أعلاها نحو 60 في المائة.
ويقول دبلوماسيون إنه بمقتضى الاتفاق الذي يجري العمل للتوصل إليه سيتم إما تخفيف درجة نقاء اليورانيوم الفائض عن الحد المسموح به أو شحنه إلى روسيا بينما تعود إيران إلى تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء 3.67 في المائة فقط.
ويحتاج صنع قنبلة نووية واحدة حوالي 25 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب لهذا الغرض بحسب رويترز. وبحسب تقديرات «معهد العلوم والأمن الدولي إن 40 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة تكفي لصنع قنبلة نووية مباشرة، دون الحاجة إلى رفع نسبة التخصيب». ويقول خبراء المعهد «تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة قد يشكل نحو 99 في المائة من الجهد للوصول إلى صناعة الأسلحة، أما اليورانيوم بنسبة 20 في المائة يمثل نحو 90 في المائة من العمل المطلوب لتخصيب يصل إلى درجة صنع الأسلحة».
مخزون اليورانيوم
يبلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصب يقل قليلا عن 2.5 طن أي أكثر 12 مرة من الحد المسموح به في الاتفاق وهو 202.8 كيلوغرام لكنه يقل عن الكمية التي كانت تخزنها قبل إبرام الاتفاق وهي أكثر من خمسة أطنان، حسب تقديرات الوكالة الدولية في نوفمبر. وتخصب اليورانيوم الآن بمعدل أعلى من نسبة 20 في المائة التي بلغتها قبل الاتفاق ولديها حوالي 17.7 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة.
وبموجب الاتفاق لا يمكن لإيران أن تنتج وتخزن وتخصب اليورانيوم إلا باستخدام ما يزيد قليلا على 5000 جهاز من الجيل الأول (آي. آر-1) من أجهزة الطرد المركزي الأقل كفاءة في منشأة واحدة هي مجمع تخصيب الوقود الرئيسي في نطنز.
ويسمح الاتفاق لإيران بتخصيب اليورانيوم لإجراء أبحاث، دون تخزين اليورانيوم المخصب، بأعداد محدودة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي تزيد كفاءتها عموما مرتين على الأقل عن «آي. آر-1».
وتخصب إيران اليورانيوم الآن بمئات من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في نطنز.
كما أنها تخصب اليورانيوم باستخدام أكثر من ألف جهاز من أجهزة آي. آر-1 في منشأة فوردو المدفونة في بطن جبل وتستخدم كذلك أكثر من 100 من أجهزة الطرد المتقدمة في التخصيب في تلك المنشأة أيضاً.
التفتيش والمراقبة
رغم الحظر المفروض بموجب الاتفاق أنتجت إيران معدن اليورانيوم المخصب بنسبة 20 المائة. وهذا يزعج القوى الغربية لأن إنتاج معدن اليورانيوم خطوة مهمة صوب تصنيع القنابل ولم يحدث أن فعلت دولة ذلك دون تطوير أسلحة نووية في نهاية الأمر.



وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

​قالت وزارة الخزانة ‌الأميركية عبر موقعها ​الإلكتروني، الثلاثاء، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة فرضت ⁠عقوبات ⁠جديدة متعلقة ‌بإيران ‌شملت ‌أفراداً ‌وشركات ‌على صلة بالتجارة ⁠والسفر الجوي.

وجاء في بيان أصدرته الوزارة أن هذه الجهات «متورطة في شراء أو نقل الأسلحة أو مكونات الأسلحة نيابة عن النظام الإيراني».

وأضافت: «بينما تواصل الولايات المتحدة استنزاف ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية، يسعى النظام الإيراني إلى معاودة بناء قدرته الإنتاجية... تعتمد إيران اعتمادا متزايدا على طائرات (شاهد) المسيرة لاستهداف الولايات ​المتحدة وحلفائها، ​بما في ذلك البنية التحتية للطاقة في المنطقة».

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت: «تجب محاسبة النظام الإيراني على ابتزازه لأسواق الطاقة العالمية واستهدافه العشوائي للمدنيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة (...). ستواصل وزارة الخزانة تتبع الأموال، واستهداف تهوّر النظام الإيراني ومن يدعمونه».

وتأتي هذه العقوبات الجديدة في ⁠ظلّ حالة من ‌الجمود بين ‌واشنطن وطهران بشأن بدء ​جولة ثانية ‌من المحادثات للتوصل إلى ‌اتفاق يُبقي مضيق هرمز مفتوحا وينهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ومن المقرر أن ينتهي وقف إطلاق ‌نار لمدة أسبوعين أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ⁠الأيام ⁠المقبلة، وقد أبدى استعداده لاستئناف العمليات العسكرية، وفق «رويترز».


إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.