«الدولة السعودية الأولى» شكّلت الخطر الحقيقي على العثمانيين والنفوذ الفارسي

جواهر آل سعود لـ«الشرق الأوسط»: وثائق «أقطاب المرحلة» حذّرت من قوة الدولة الوليدة وطموح حكامها

مجموعة من الوثائق منها بريطانية وعثمانية ومراسلات مع ولاة ودول تؤكد عظمة الدولة السعودية للوصول الى القضاء على النفوذ الأجنبي، مع طموح الحكام السعوديين بتحويل الدولة الوليدة إلى إمبراطورية تعمل على منافسة القوى العظمى (صور ووثائق خاصة لـ«الشرق الأوسط» من د. جواهر آل سعود)
مجموعة من الوثائق منها بريطانية وعثمانية ومراسلات مع ولاة ودول تؤكد عظمة الدولة السعودية للوصول الى القضاء على النفوذ الأجنبي، مع طموح الحكام السعوديين بتحويل الدولة الوليدة إلى إمبراطورية تعمل على منافسة القوى العظمى (صور ووثائق خاصة لـ«الشرق الأوسط» من د. جواهر آل سعود)
TT

«الدولة السعودية الأولى» شكّلت الخطر الحقيقي على العثمانيين والنفوذ الفارسي

مجموعة من الوثائق منها بريطانية وعثمانية ومراسلات مع ولاة ودول تؤكد عظمة الدولة السعودية للوصول الى القضاء على النفوذ الأجنبي، مع طموح الحكام السعوديين بتحويل الدولة الوليدة إلى إمبراطورية تعمل على منافسة القوى العظمى (صور ووثائق خاصة لـ«الشرق الأوسط» من د. جواهر آل سعود)
مجموعة من الوثائق منها بريطانية وعثمانية ومراسلات مع ولاة ودول تؤكد عظمة الدولة السعودية للوصول الى القضاء على النفوذ الأجنبي، مع طموح الحكام السعوديين بتحويل الدولة الوليدة إلى إمبراطورية تعمل على منافسة القوى العظمى (صور ووثائق خاصة لـ«الشرق الأوسط» من د. جواهر آل سعود)

كشفت باحثة سعودية متخصصة في التاريخ السعودي والدراسات الوثائقية، وتمتلك آلاف الوثائق الأجنبية، عن جوانب مهمة في تاريخ أول دولة مركزية في الجزيرة العربية، أسسها الإمام محمد بن سعود، انطلاقاً من «الدرعية»، وعُدّت أول نواة لقوة عربية إسلامية فتيّة انبثقت من وسط الجزيرة العربية قبل 3 قرون.
وأطلقت الباحثة وثائق مهمة، وجلّها بريطانية وعثمانية، ورسائل في غاية الأهمية، تمثل «أقطاب المرحلة والمشهد» في تلك المرحلة، كاشفة عن تجربة ثرية للأمراء السعوديين في الحكم منذ 300 عام، وطموحهم لإنشاء إمبراطورية.
ومع مناسبة إعلان الملك سلمان بن عبد العزيز تحديد 22 فبراير (شباط) من كل عام ذكرى تأسيس الدولة السعودية باسم «يوم التأسيس»، وجعله إجازة رسمية، خصّت الدكتورة الأميرة جواهر بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود «الشرق الأوسط» بمعلومات ووثائق مهمة للغاية، موضحة أنه طبقاً للوثائق الأجنبية التي تملكها، والتي تتعلق بتاريخ الدولة السعودية الأولى، التي استمرت قرناً، فإن الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى، الملك السعودي الأول، كما أطلقت عليه الوثائق البريطانية، وجد أهمية فرض النظام الذي يعتمد على إدارة رجل قادر على تحمل المسؤولية اللازمة لاتخاذ قرارات حاسمة، من شأنها توفير الأمن والاستقرار للمنطقة، وهو ما يعد المطلب الأول الذي تقوم على أساسه الدول والحكومات، والذي لن يتحقق إلا بتوحيد عرب الجزيرة الذين فرضت عليهم الطبيعة الصحراوية الاعتماد على الاقتصاد الطبيعي مع غياب سلطة مركزية، ما أدى إلى اضطراب الأمن، فكانت الجزيرة العربية تعج بالصراعات القبلية والتنافس بين إمارات صغيرة متنابذة، مضيفة أنه نتيجة للمتغيرات التي استجدت في المنطقة، وما اتخذه من قرارات عجّلت من انطلاقه نحو هذه المهمة الصعبة في إخراج عرب الجزيرة العربية من التناحر والتقاتل، والمضي في مشروعه لتوحيد الجزيرة العربية.
وزادت بالقول؛ وبذلك يكون قد نجح في تأسيس أول نواة لقوة عربية إسلامية فتية انبثقت من وسط الجزيرة العربية. وقد أشادت الوثائق البريطانية بالإمام محمد بن سعود الذي حكم أسلافه منذ سقوط الخلافة العباسية حيث كان عدم الاستقرار السمة البارزة في تلك الحقبة، ورغم ذلك كان القانون يسود ويطبق بصورة فائقة الإنصاف، خاصة في عهد أسرته، وأكدت وثائق الأرشيف البريطاني أنه حكم لسنوات كثيرة، وبعد وفاته في عام 1179هـ (1765م) ترك لأبنائه مملكة مستقرة، حظيت بسمعة وصيت كبيرين ولقيت احتراماً في جميع أنحاء الجزيرة، وقد دلت مباني الدرعية الضخمة ومساجدها وأسواقها على عظمة عهد الإمام محمد بن سعود.
وأضافت الباحثة أن الإمام عبد العزيز بن محمد تسلم مقاليد السلطة بعد وفاة والده، وهو بذلك يكون ثاني أئمة البيت السعودي. وسعى جاهداً لإكمال نشاط والده حتى نجح في تغيير موازين القوى في الجزيرة العربية، وأصبح يشكل خطراً حقيقياً على الدولة العثمانية، وقد ساهم في اتساع رقعة الدولة بقيادة ابنه البكر الأمير سعود، وأكدت السجلات البريطانية نجاح الإمام عبد العزيز بن محمد في إحكام قبضته على عرب الجزيرة في الشرق والغرب بشكل غير مسبوق، وفي عهده كانت المنطقة تنعم بالاستقرار والأمان.
وفي هذا السياق، نقلت الدكتورة جواهر آل سعود ما أوردته المصادر العثمانية عن هذا الإمام من أنه عُرف بصلابته وقوته وعزيمته متجاوزاً جميع المخاوف من الاقتراب من الولايات العثمانية، وبذلك تجاوز رهبة ومكانة الدولة العثمانية سعياً للوصول إلى تأسيس دولة «عالمية»، كما ذكرت المصادر توارد التحذيرات إلى الباب العالي حول نشاطه المتزايد، ما جعل الدولة العثمانية تشدد على ضرورة اتخاذ الإجراءات العاجلة والقوية تجاهه وضرورة القضاء على قوته، ولهذا تم إرسال أوامر سلطانية إلى والي بغداد، لأخذ التدابير اللازمة حيال هذا الخطر، وطالبت بضرورة الحزم لإنهاء مسألة الدرعية وضرورة التنسيق مع الولاة الآخرين وقبائل كردستان والعراق من أجل التحرك والقضاء عليه، في الوقت الذي امتدت حملاته بقيادة ابنه سعود إلى الشام والعراق حتى حدود البصرة بعد أن فشلت الدولة العثمانية بكل ثقلها السياسي والعسكري في مواجهة نفوذه المتسارع، بعد فشل الحملات التي أرسلتها من بغداد للقضاء على الدرعية، التي حذر منها القنصل البريطاني في بغداد في التقرير الذي بعث به إلى السفير البريطاني في إسطنبول بتاريخ 29 يوليو (تموز) 1803م، واقترح تقديم الدعم البريطاني للقوات العثمانية، وتوقع عدم نجاح أي حملة ضد الدرعية؛ حيث إن قوام جيش بغداد 15 ألف جندي مقابل جيش قوامه 100 ألف مقاتل يحملون في أيديهم السيوف ويرون أن الموت في سبيل قضيتهم هو الشهادة والمجد، وقد أشار إلى أنه في حال إصرار الدولة العثمانية على شن هذه الحملة على السعوديين فإن ذلك لن يؤدي فقط إلى فشل الحملة وفقدان العثمانيين لنفوذهم في الجزيرة العربية من شط العرب إلى ديار بكر، بل على الأرجح سيؤدي إلى الإطاحة بالسلطان الحالي من على عرشه ويؤدي إلى دمار البيت العثماني.
وشددت الباحثة على أن المصادر العثمانية أكدت أنه بعد هزائم والي بغداد المتعددة لم يعد رجالات الدولة العثمانية يتطلعون للقضاء على الدولة السعودية في الوقت الراهن، واكتفوا بدفع الخطر السعودي والحفاظ على حدود الدولة دون إغفال المد السعودي القادم، فصدرت الأوامر بتحصين الولايات العثمانية، ونتيجة لعدم جدوى تلك الإجراءات الدفاعية واستمرار المد السعودي تم فتح باب الحوار مع الدرعية عن طريق مبعوثها آدم أفندي الذي قابل الأمير سعود في حديقة الشريف غالب وسلمه خطاباً من الصدر الأعظم يستفسر فيه عن دوافع التعديات السعودية على العراق، وأفاد الأمير سعود بن عبد العزيز أن السعوديين قد ضاقوا ذرعاً بتعديات والي بغداد وحملاته التي لا تتوقف ضد الدرعية، وأن الاستيلاء على بغداد أمره هين، ولكن من أجل عدم إيصال الكدر لقلب السلطان العثماني صرف النظر عن ذلك.
واعتبرت الدكتورة جواهر آل سعود أن وصول النفوذ السعودي لمكة المكرمة كان سبباً نتج عنه تواتر الرسائل بين السلطان العثماني ورجالات دولته وولاة الأقاليم لإيجاد حلول للحد من نفوذ الإمام عبد العزيز أو السيطرة على طموحه أو القضاء عليه، ما دفع الدولة إلى إرسال هيئة للتحري عنه، ولفتت الباحثة إلى أن والي بغداد علي باشا كان على دراية بترتيبات التخلص من الإمام عبد العزيز وابنه سعود، إن لم يكن هو من أعدّ لها، وحين لم يتيسر الوصول للأمير سعود جاء الخنجر الذي غُرس في ظهر الإمام عبد العزيز أثناء صلاته العصر وتسبب في وفاته عام 1218هـ- 1803م، ولم يسعفه الحظ لمشاهدة دخول جيوشه بقيادة ابنه الأمير سعود المدينة المنورة واستردادها من العثمانيين وقد تسابق الولاة في إرسال بشائر مقتل الإمام عبد العزيز للسلطان العثماني.
وذكرت الدكتورة جواهر آل سعود أن الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الملقب بسعود «الكبير»، هو ثالث أئمة البيت السعودي، وتولى الحكم عام 1218هـ - 1803م ودلت أحداث تلك الحقبة على تعامله خلال حكمه مع السلطات العثمانية بندية، وذلك بعد أن سلبها الصفة التي حكمت بها الشعوب الإسلامية بعد استرداد الحرمين الشريفين، وقد نال هذا الإمام لقب خادم الحرمين الشريفين كما ورد في الوثائق البريطانية التي أكدت أن الجزيرة العربية خضعت له، كما خضع جميع شيوخها وأطاعوا أوامره، مشددة على أن قوته العسكرية اتضحت حين أكد في إحدى مخاطباته قدرته لإمداد والي بغداد بـ200 ألف مقاتل مجهزين في حال حاجته لذلك، ووصلت الدولة السعودية في عهده أوج قوتها، وبرزت كقوة عربية مثلت التحدي الأكبر للوجود العثماني في المنطقة، بعد أن تزعم الإمام سعود مناهضة الاحتلال الأجنبي بالجزيرة العربية.
وأوضحت الدكتورة جواهر آل سعود أن الإمام الثالث في الدولة السعودية الأولى نجح في مدّ نفوذه في الخليج العربي وعمان، ما أثار المخاوف البريطانية من نشاطه المتزايد في تلك المناطق، وقد أكدت التقارير البريطانية أن طموح الإمام سعود لا يقتصر على ضم أقطار الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق فحسب، بعد تأكيد القنصل البريطاني في مسقط أن الإمام سعود يتطلع لمدّ نفوذه خارج الجزيرة العربية نحو الهند، وأكدت ذلك تقارير والي جدة إلى السلطان العثماني، خاصة بعدما أكد الإمام بنفسه ذلك في خطاباته للسيد بدر بن سيف البوسعيدي، ما زاد من القلق البريطاني بعد وصوله إلى مناطق نفوذها في الجزيرة وتطلعه إلى مناطق نفوذها في الهند، وقد أكدت الوثائق العثمانية مطالبة الشاه الفارسي الدولة العثمانية بضرورة العمل على القضاء على المد السعودي الذي وصل إلى مناطق النفوذ الفارسي في المنطقة، ما دفع الدولة العثمانية إلى إرسال موفد رسمي بهدف تطييب خاطر الشاه وتأكيدها العمل على تنفيذ رغبته، ما يؤكد سعي أئمة البيت السعودي لإنشاء إمبراطورية إسلامية عربية تهدف إلى القضاء على النفوذ الأجنبي وتعمل على منافسة القوى العظمى.
وخلصت الباحثة إلى القول؛ إن الدولة العثمانية أدركت الخطر السعودي العربي القادم، ونتيجة لفشلها في الحد من نفوذه المتزايد بعد خسارتها الحرمين الشريفين وعجزها عن حماية بغداد والشام، أصدر السلطان العثماني أوامره لولاته في مصر والشام والعراق بالتحرك مجدداً في محاولة للقضاء على الدولة السعودية الأولى، فعبر طوسون باشا البحر نحو الجزيرة العربية عام 1226هـ - 1811م ولحق به والده محمد علي باشا عام 1228هـ- 1813م. وقد وصلت البشرى للسلطان العثماني بموت الإمام سعود عام 1229هـ- 1814م في فترة حرجة من تاريخ الدولة السعودية الأولى؛ حيث كانت القوات العثمانية تحاصر تربة بعد تسليم مكة والمدينة عن طريق المتعاونين مع القوات العثمانية.




السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.