موسكو تستعجل تكريس «الواقع الجديد» في شرق أوكرانيا وتستعد لمواجهة العقوبات

الاتفاقات مع الجمهوريتين الانفصاليتين تمنح روسيا حق نشر قواعد عسكرية

عقدت الهيئة التشريعية الروسية بغرفتيها اجتماعين سريعين أمس تمت خلالهما المصادقة على معاهدتي «التعاون والصداقة» اللتين تنظمان العلاقة بين روسيا ولوغانسك ودونيتسك وتعطي موسكو الحق في إقامة قواعد عسكرية بالمنطقتين (أ.ب)
عقدت الهيئة التشريعية الروسية بغرفتيها اجتماعين سريعين أمس تمت خلالهما المصادقة على معاهدتي «التعاون والصداقة» اللتين تنظمان العلاقة بين روسيا ولوغانسك ودونيتسك وتعطي موسكو الحق في إقامة قواعد عسكرية بالمنطقتين (أ.ب)
TT

موسكو تستعجل تكريس «الواقع الجديد» في شرق أوكرانيا وتستعد لمواجهة العقوبات

عقدت الهيئة التشريعية الروسية بغرفتيها اجتماعين سريعين أمس تمت خلالهما المصادقة على معاهدتي «التعاون والصداقة» اللتين تنظمان العلاقة بين روسيا ولوغانسك ودونيتسك وتعطي موسكو الحق في إقامة قواعد عسكرية بالمنطقتين (أ.ب)
عقدت الهيئة التشريعية الروسية بغرفتيها اجتماعين سريعين أمس تمت خلالهما المصادقة على معاهدتي «التعاون والصداقة» اللتين تنظمان العلاقة بين روسيا ولوغانسك ودونيتسك وتعطي موسكو الحق في إقامة قواعد عسكرية بالمنطقتين (أ.ب)

سرعت موسكو خطواتها لتحويل قرار الاعتراف بـ«استقلال» إقليمي لوغانسك ودونيتسك عن أوكرانيا إلى أمر واقع جديد. وصادق مجلسي الدوما (النواب) والفيدرالية (الشيوخ) أمس، في جلستين سريعتين على معاهدتي تعاون وصداقة وقعهما في وقت سابق الرئيس فلاديمير بوتين مع زعيمي المنطقتين. وفيما اتجهت الأنظار إلى ردود الفعل الغربية التي وصفها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأنها كانت «متوقعة»، بدا أن موسكو مهتمة ببدء ترتيبات جديدة للإقليمين على ضوء التطورات الأخيرة، وهو ما برز من خلال الإعلان أن الاتفاقات الموقعة معهما تسمح لموسكو بنشر قواعد عسكرية في مناطق الشرق الأوكراني، فضلاً عن بدء النقاش في الدوائر الروسية عن «حدود» الجمهوريتين، ما يعني احتمال توسيع المطالب الانفصالية لتشمل مناطق واسعة في جنوب أوكرانيا. وعقدت الهيئة التشريعية الروسية بغرفتيها اجتماعين سريعين أمس، تمت خلالهما المصادقة على معاهدتي «التعاون والصداقة» اللتين تنظمان العلاقة بين روسيا ولوغانسك ودونيتسك، وحمل التطور السريع إشارة إلى عزم موسكو تكريس الأمر الواقع الجديد رغم ردود الفعل الغربية والأوكرانية الغاضبة. وسعت موسكو إلى التقليل من أهمية العبارات التي أطلقها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعليقاً على التطور، وشن لافروف هجوماً عنيفاً عليه واتهمه بأنه «فقد التوازن» و«لا يسيطر على قراره». وكان زيلينسكي أعلن في خطاب متلفز أن بلاده أبدت استعداداً للحوار مع روسيا وحل كل المشكلات بأنه صيغة أو إطار. وزاد أن الرد الروسي جاء عبر قرار الاعتراف بانفصال الإقليمين، واتهم روسيا بـ«الانسحاب من اتفاقيات مينسك وتجاهلها لمقررات صيغة نورماندي»، مضيفاً أن «هذا يقوض جهود السلام ويدمر الصيغ القائمة للتفاوض»، مشدداً على أن كييف ستعمل على تعزيز أمنها وحماية مصالحها بكل الوسائل. ونوه بأن بلاده تدرس قطع العلاقات الدبلوماسية مع موسكو. وعلق الكرملين على هذا التلويح بأن «موسكو تظل منفتحة على الاتصالات الدبلوماسية ولا ترغب في قطع علاقاتها مع كييف».
وقال الناطق الرئاسي ديميتري بيسكوف إن قطع العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وأوكرانيا، سيجعل التواصل بين البلدين وبين الشعبين الروسي والأوكراني أكثر تعقيداً.
وأشار بيسكوف إلى أن قرار إرسال قوات روسية إلى جمهوريتي دونباس ولوغانسك سيتم اتخاذه حسب تطور الوضع، وفي حالة توجه ممثلي الجمهوريتين بطلب حول ذلك لموسكو. وشكل موضوع إرسال القوات العسكرية إلى شرق أوكرانيا مادة دسمة للسجالات أمس، خصوصاً أن تصريحات بيسكوف حول الموضوع جاءت بعد إعلان وزارة الدفاع أنها أرسلت «وحدات لحفظ السلام» في المنطقتين.
وبات معلوماً أن المعاهدة المبرمة نصت في أحد بنودها على حق روسيا في إنشاء قواعد عسكرية على أراضي الجمهوريتين ونشر قوات عسكرية إذا دعت الحاجة.
وقال نائب وزير الخارجية الروسي، أندريه رودنكو، إنه «ليست هناك حاجة حالياً لنشر قواعد عسكرية روسية على أراضي الجمهوريتين، على الرغم من أن الاتفاقات المبرمة تسمح بذلك»، مضيفاً أن روسيا ستفعل ذلك إذا تطلب الأمر.
وسعى الانفصاليون أمس، إلى دفع النقاش حول هذا الموضوع من خلال الإعلان عن «خطر كبير يهدد المدنيين بسبب مواصلة أوكرانيا شن عمليات عسكرية واسعة النطاق». وقال رئيس دونيتسك دينيس بوشيلين، إن «هناك إمكانية بأن تصدر كييف الأوامر بإطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق في دونباس (ضد جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك) في أي لحظة».
فيما أفاد إدوارد باسورين، المتحدث باسم القوات الأمنية في دونيتسك، بأنه لا يستبعد تنفيذ القوات الأوكرانية عمليات استفزازية ضد الطائرات المدنية، وأشار إلى تحركات وحدات أوكرانية مسلحة بمنظومات دفاع جوي من طرازي «إس 300» و«بوك إم 1» في كييف وخاركوف وتشيركاسي.
ولفت باسورين إلى أن الأوضاع لم تشهد تغييراً في المنطقة، «فما زال هناك استخدام للمدفعية وقصف أوكراني يطال المناطق السكنية في دونيتسك، وما زلنا نلاحظ حشوداً كبيرة للقوات الأوكرانية».
في المقابل، أكدت كييف أنها لم تشن أي عمليات عسكرية في مناطق الشرق واتهمت القوات الانفصالية بقصف 40 قرية في محيط خطوط التماس بقذائف خلال الليلة الماضية، ورأت أن الهدف هو جر القوات الأوكرانية إلى مواجهة مسلحة واسعة النطاق.
في غضون ذلك، قلل لافروف من أهمية ردود الفعل الغاضبة التي صدرت عن عواصم غربية، وقال إن «رد فعل الغرب على اعتراف روسيا بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين كان متوقعاً». وزاد أن «الغرب اعتاد على مدى العقود الماضية على إلقاء اللوم على روسيا في كل المشاكل وتوجيه أصابع الاتهام إلينا في كل شيء». وأضاف لافروف أن روسيا تشك في قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل وسيطاً في حل النزاعات.
ولفت هذا الموقف الأنظار إلى أن هذه العبارة كان لافروف شدد عليها خلال جلسة مجلس الأمن القومي الروسي أول من أمس، التي قدمت التوصية لبوتين بالاعتراف بالإقليمين. وقال لافروف مخاطباً بوتين في هذه الجلسة، إن تجارب جولات المفاوضات التي جرت مع الممثلين الغربيين حول الوضع في أوكرانيا أظهرت أنهم ليسوا مستقلين، وأن الحوار يجب أن يكون مع الولايات المتحدة وحدها. في سياق متصل، قال لافروف إن بلاده مستعدة لمواجهة رزم العقوبات الجديدة التي يسعى الغرب لفرضها، مذكراً بحديث بوتين عن أن «الغرب سيعاقب روسيا سواء قامت بأي تحرك أو لم تقم».
وكان رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين قال إن القرار الذي اتخذه بوتين «تمت دراسته لشهور، ووضعنا كل الاحتمالات والتداعيات المحتملة، ونحن مستعدون للتعامل معها».
على صعيد متصل، أعلنت الناطقة باسم الخارجية أن «موضوع حدود جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك» سوف يتم النظر به في وقت لاحق.
وكانت سجالات ظهرت في روسيا حول هذا الموضوع الذي يحظى بأهمية خاصة، لأن القوات الانفصالية تسيطر حالياً على جزء محدود من مساحة التقسيم الإداري، وفقاً لقوانين أوكرانيا في لوغانسك ودونيتسك. ويصف الانفصاليون المناطق التي ما زالت تحت سيطرة كييف في الإقليميين بأنها «أراضٍ محتلة»، وكان التساؤل حول الحدود التي اعترفت بها موسكو للمنطقتين برز بقوة، في إطار الإشارة إلى احتمال أن يطلق الانفصاليون بدعم من موسكو مواجهة عسكرية واسعة لإحكام سيطرتهم على كل أراضي المنطقتين. ويعني هذا أن العمليات العسكرية إذا انطلقت سوف تشمل وفقاً لخبراء كل مناطق الجنوب الأوكراني وتصل إلى مدن كبرى مثل خاركوف وأوديسا وماريوبول.
على صعيد آخر، سعى الرئيس الروسي أمس، إلى التقليل من وقع كلماته عندما تحدث عن استعادة «روسيا التاريخية»، في إطار خطابه المتلفز ليلة الثلاثاء، الذي أوضح فيه للروس دوافعه للاعتراف باستقلال الإقليمين عن أوكرانيا.
وقال بوتين في خطابه إن أوكرانيا لم يكن لها وجود في التاريخ، وإن كل هذه المناطق التي خسرتها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هي «روسيا التاريخية التي سرقت منا».
وفي محاولة لتقليل وقع هذه العبارة على جمهوريات الفضاء السوفياتي السابق، قال بوتين أمس، خلال لقائه مع نظيره الأذري إلهام علييف، إن بلاده «توقعت ظهور مزاعم من قبل الغرب حول (المساعي الروسية لاستعادة الإمبراطورية الروسية)»، مشيراً إلى أن «هذه المزاعم لا تتطابق مع الحقيقة على الإطلاق».
وأشار بوتين إلى أن روسيا اعترفت بعد تفكك الاتحاد السوفياتي بالوقائع الجيوسياسية الجديدة، وتعمل بشكل نشط على تعزيز التعاون مع الدول المستقلة التي ظهرت في المنطقة. وزاد أنه «حتى في القضايا الحادة والحادة للغاية، مثل التسوية في إقليم قره باغ، تصرفنا دائماً بحذر كبير، انطلاقاً من مصالح جميع الدول المنخرطة في العملية، وسعينا دائماً للتوصل إلى حلول مقبولة للجميع. للأسف، بعد الانقلاب على السلطة في أوكرانيا لا نرى مثل هذا المستوى ومثل هذه الجودة في التعاون مع الطرف الأوكراني. أود التشديد على أن هذا الحديث يتعلق بالتحديد بالوضع بعد الانقلاب والاستيلاء على السلطة في أوكرانيا».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...