مصر وقبرص واليونان يتوافقون في قمة ثلاثية حول مكافحة الإرهاب

اتفاق على التوصل إلى حلول عادلة للقضية الفلسطينية.. وإحياء جهود السلام

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس خلال لقائهم في نيقوسيا أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس خلال لقائهم في نيقوسيا أمس (إ.ب.أ)
TT

مصر وقبرص واليونان يتوافقون في قمة ثلاثية حول مكافحة الإرهاب

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس خلال لقائهم في نيقوسيا أمس (إ.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس خلال لقائهم في نيقوسيا أمس (إ.ب.أ)

اختتمت أعمال القمة الثلاثية بين مصر وقبرص واليونان بالعاصمة القبرصية، أمس، التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس، ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس، بصدور «إعلان نيقوسيا»، الذي تضمن التأكيد على مواصلة تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث من أجل تنمية واستقرار منطقة شرق المتوسط، وأهمية تكاثف جهود المجتمع الدولي من أجل مكافحة الإرهاب، وكشف مصادر الدعم المالي والسياسي الذي تحصل عليه الجماعات الإرهابية، والاستفادة من الاحتياطيات الهيدروكربونية في منطقة الشرق المتوسط، وكذا تعزيز التعاون في مجالات السياحة والملاحة البحرية لنقل الركاب والبضائع.
وعلى الصعيد الإقليمي، تناول «إعلان نيقوسيا» عددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، التي جاء في مقدمتها القضية الفلسطينية والأوضاع في كل من ليبيا وسوريا واليمن والعراق.
وعلى هامش هذه القمة، أكد رئيس الوزراء اليوناني أن بلاده ستبدأ مشاورات مع كل من مصر وقبرص لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، قائلا إن «هذه الحدود التي سيتم ترسيمها في مناطق من المياه الإقليمية لا تحتاج إلى موافقة دول أخرى»، في إشارة واضحة إلى دولة تركيا، وهي طرف مشترك في نزاعات بحرية مع كل من اليونان وقبرص.
وتتنازع تركيا واليونان منذ عقود على ترسيم الحدود البرية والبحرية والجوية بينهما في مناطق داخل بحر إيجه، في وقت اكتشفت فيه قبرص وجود غاز طبيعي في المياه قبالة سواحلها عام 2011، في خطوة اعترضت عليها أنقرة بدورها.
وقال تسيبراس، بعد محادثات مع السيسي وأناستاسيادس: «لقد توافقنا على إجراء المزيد من المشاورات لترسيم مناطقنا البحرية الخالصة أينما نجد هذا الأمر ضروريا، ومن الواضح أن هذا الأمر سيحصل في أماكن لا تحتاج إلى تفاهمات وتعاون مع دول أخرى».
من جانبه، أشاد الرئيس السيسي في كلمته خلال المؤتمر الصحافي الثلاثي الذي أعقب المحادثات، بالعلاقات الوطيدة مع قبرص واليونان. مؤكدا على الموقف المصري الثابت من القضية القبرصية، القائم على الحرص على وحدة الشعب القبرصي بكل طوائفه وسيادة واستقلال وتكامل أراضيه. وقال إن مصر «تتمسك بدورية آلية المشاورات السياسية بين دولنا الثلاث، التي انطلقت على مستوى القمة في القاهرة في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014».
وأوضح السيسي أنه «جرى مناقشة فتح آفاق جديدة للتعاون بين بلادنا، في المجالات الاقتصادية والتجارية منها والاستثمارية، وكذا في مجالات الطاقة والسياحة والنقل البحري، خاصة في أعقاب مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري الذي عقد في شرم الشيخ في مارس (آذار) الماضي، والذي أظهر الحيوية التي يتمتع بها الاقتصاد المصري والفرص الكامنة للاستثمار فيها»، مؤكدا وجود توافق في الرؤى يساهم بمستوى التعاون، ويتناسب مع مستوى العلاقات والتنسيق السياسي القائم لتعزيز التعاون بين أفريقيا وأوروبا.
وفى مجال مكافحة الإرهاب، قال السيسي إن «الإرادة جماعية لدحر الإرهاب والقضاء عليه، وذلك من خلال رؤية شاملة تشمل كل الأبعاد السياسية والاجتماعية والتنموية، وتأتي مدعومة بجهود المجتمع الدولي لتجفيف منابع الإرهاب، ووقف إمداد الجماعات المتطرفة بالمال والسلاح. ويؤلمنا جميعًا أن تقوم جماعات التطرف والإرهاب التي تستقي أفكارها المتطرفة والعنيفة من مصدر واحد، بارتكاب جرائمها تحت ستار الدين، الذي هو منهم براء، ونرى تلك الجرائم البشعة في صورة مجازر جماعية آثمة يتم اختيار ضحاياها وفقًا للهوية والديانة».
وأعلن الرئيس المصري أنه اتفق على الاستمرار في العمل سويًا للإسهام في التوصل إلى حلول دائمة وتسويات عادلة لقضايا منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وإحياء جهود السلام بهدف تحقيق حل الدولتين، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على أساس حدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كما اهتم زعماء الدول الثلاث بضرورة تكثيف الجهود الدولية بهدف إعادة الاستقرار إلى ليبيا ودعم شرعية المؤسسات الوطنية، وأعربوا عن القلق العميق إزاء تدهور الأوضاع الأمنية والتهديدات الإرهابية التي تلقى بظلالها على أمن واستقرار دول الجوار والدول المتوسطية، واتفقوا على ضرورة المضي قدمًا في مواجهة الجماعات الإرهابية بالتوازي مع الجهود السياسية الدولية الحالية لتحقيق الوفاق الوطني، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وخلال زيارته إلى قبرص، عقد السيسي لقاء مع رئيس الوزراء اليوناني. وبهذا الخصوص صرح السفير علاء يوسف، المتحدث باسم الرئاسة المصرية، بأن الرئيس المصري أكد حرص القاهرة على دفع التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، سواء ثنائيًا أو في الإطار الثلاثي مع قبرص. مشيدا بالزخم الذي تشهده العلاقات عبر كثير من الزيارات الثنائية التي تمت في الآونة الأخيرة، وفي مقدمتها زيارة الرئيس اليوناني لمصر أخيرا، وكذا زيارة وزير الدفاع اليوناني. ونوه الرئيس بأن الحرص المصري على تطوير العلاقات مع اليونان يأتي على المستويين الرسمي والشعبي، مؤكدًا أهمية استشراف آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات على المستوى الثنائي من خلال اللجنة المشتركة بين البلدين، وأبدى موافقة مصر على المقترح اليوناني برفع مستواها لتكون برئاسة رئيسي وزراء البلدين.
من جانبه، أكد رئيس الوزراء اليوناني على أهمية استثمار العلاقات المتميزة التي تجمع بين بلاده وكل من مصر وقبرص لدفع العلاقات المتوسطية قدمًا، ولا سيما في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، ومواجهة كل التحديات التي تشهدها منطقة المتوسط.
وأضاف المتحدث الرسمي أن السيسي وافق على اقتراح طرحه رئيس الوزراء اليوناني لتشكيل لجنة فنية لدفع التعاون في المجالات الاقتصادية المختلفة، وأخرى لترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. كما عقد الرئيس السيسي جلسة مباحثات مع نظيره القبرصي عقب وصوله إلى مطار لارنكا الدولي، تلاها اجتماع موسع بحضور وفدي البلدين، حيث شارك من الجانب المصري كل من المهندس شريف إسماعيل، وزير البترول والثروة المعدنية، وسامح شكري، وزير الخارجية، وأشرف سالمان، وزير الاستثمار.
من جانبه، أكد الرئيس القبرصي دعم بلاده الكامل لمصر وجهودها، سواء لتحقيق التقدم الاقتصادي ومكافحة الإرهاب في سيناء على الصعيد الداخلي، أو لإرساء الاستقرار ومكافحة الإرهاب في المنطقة، معربًا عن تطلع بلاده لتعزيز التعاون الوثيق القائم بين البلدين، ورغبتها في تكثيف التعاون والتنسيق في كثير من المجالات، ولا سيما الطاقة والسياحة.
ومن جهته، وجه الرئيس المصري الشكر للرئيس القبرصي على مواقف بلاده المساندة لمصر في الأطر المختلفة داخل الاتحاد الأوروبي، معربا عن تطلعنا لاستمرار الدعم القبرصي لمصر.
وفي ختام المباحثات الثلاثية، وجه رئيس وزراء اليونان الدعوة للرئيسين؛ المصري والقبرصي، لعقد الدورة القادمة للقمة الثلاثية في اليونان.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.