دي ليانيو: ينبغي معرفة الحياة بكل أشكالها... بهذه الطريقة فقط يمكن كتابة عمل أدبي مهم

الكاتب الإسباني يتحدث عن فتنته بأشعار ابن حزم القرطبي وكتاب «حي بن يقظان»

الكاتب الإسباني إغناثيو دي ليانيو
الكاتب الإسباني إغناثيو دي ليانيو
TT

دي ليانيو: ينبغي معرفة الحياة بكل أشكالها... بهذه الطريقة فقط يمكن كتابة عمل أدبي مهم

الكاتب الإسباني إغناثيو دي ليانيو
الكاتب الإسباني إغناثيو دي ليانيو

حول كتابه الأحدث «الفلسفة والسرد»، دار حوار ممتد بين الكاتب الإسباني إغناثيو دي ليانيو ومثقفين عرب، خلال مشاركته الأخيرة ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ حيث قرأ فصولاً من الكتاب الذي يجمع بين دفتيه مقاربات بين سرديات ملاحم أدبية خالدة وهوامش فلسفية ونقدية معاصرة. ويتنوع إنتاج دي ليانيو ما بين الفلسفة والأدب وعلوم السياسية والنقد الفني، ويعدّه النقاد أحد أبرز الفلاسفة الإسبان المعاصرين، بجانب فرناندو ساباتير وأديلا كورتينا، وهو أيضاً شاعر وروائي وناقد فني وأكاديمي، قام بتدريس علم الجمال في جامعات إسبانية وأوروبية ويابانية. صدر له 70 كتاباً، من أبرزها «الأديان الآيديولوجية... الديمقراطية، الماركسية، الإسلام»، و«فك شفرة سلفادور دالي»، وينتظر قريباً أول ترجمة لأعماله للغة العربية.
هنا حوار معه على هامش هذه الزيارة حول كتابه الجديد ومشروعه الفكري والأدبي، ونظرته للفنون التشكيلية، وعن الثقافة العربية وآدابها...
> في كتابك «الفلسفة والسرد» جسور ممتدة بين الأدب والتخييل والفلسفة، ما أبرز التساؤلات التي يطرحها هذا الكتاب؟
- قضيت سنوات عمري أكتب القصة والتأملات الفلسفية حول موضوعات متنوعة. إنهما معاً يمثلان بعداً لمسيرتي الفكرية. في قصصي ثمة خلفية فلسفية تمنحها طابعاً خاصاً. وفي تأملاتي الفلسفية لا يغيب ما يمكن اعتباره إبداعاً أدبياً. وفي رأيي؛ إن كانت الفلسفة تطمح إلى معرفة الحياة، فالسرد يطمح لتمثيلها. إنهما بعدان يمكن أن يتكئ أحدهما على الآخر.
> مررت في هذا الكتاب على نسخ أدبية خالدة من قصة الخلق، وملاحم شعرية شرقية كملحمة جلجامش، ويونانية كالأوديسة، كيف تتأمل هذا المشترك الأدبي؟
- كلها ملاحم يجمعها التطلع لتمثيل نماذج بشرية. في الأوديسة، وفي الإلياذة نلاحظ الإنسان ككائن مخلوق من أجل السفر، العيش في منفى، أو الخروج للبحث عن شيء قديم، حتى لمواجهة الموت، وهو ما يتجلى أكثر في الإلياذة. في هذا المضمار يأتي جلجامش، الذي اضطر لمواجهة إنكيدو، الرجل الطبيعي، أو البطل المضاد، ما يفرض البحث عن الخلود. إذا كانت الإلياذة تمثل النموذج الروماني، والأوديسة والإلياذة يمثلان النموذج الإغريقي، وقصيدة جلجامش تستعرض النموذج السومري.
> على ضوء ذلك، هل يبدو لك الأدب رحلة فلسفية؟
- ثمة أعمال عظيمة يلعب فيها السفر دوراً رئيسياً، على سبيل المثال، «دون كيخوتيه» ورواية «الناقد الحاد» لـ«بالتاسار جراثيان». فكرة السفر هذه مترعة بالفلسفة، إنه السفر بحثاً عن المعرفة. في حالتي، يمثل السفر أهمية قصوى. وفي رواياتي الأربع (أركاديا، انحرافات، لعبة صالات الصالات، ضد نهاية القرن) أتناول الرحلة التي تصنع أبطالها.
> هل كانت الكتابات الاستعرابية بوابتك الأولى للعبور إلى ثقافة العالم العربي وآدابه؟
- قرأت أعمال المستعربين الإسبان الكبار، مثل أسين بالاثيوس وجارثيا جوميث، وأعمال مستعربين من بلدان أخرى، مثل لويس ماسينيون. هذه القراءة ساقتني إلى عالم مختلف وإضافي، بدا لي بطريقة ما عالماً حميمياً، إذ سبقتها قراءة فلسفة وشعر كتّاب عرب - إسبان (الشاعر ابن حزم القرطبي، والفيلسوف ابن رشد)، وكانت قراءة استثنائية. أحد الكتب التي فتنتني هو «حي بن يقظان» لابن طفيل. وهو كتاب سابق لـ«الناقد الحاد». كل إسباني يعرف ويقدّر مسجد قرطبة وقصر الحمراء بغرناطة. وثمة عمارة إسبانية مثل «النيو - موديخر» ذات التقليد العربي.
> هل لك إسهامات بحثية في قراءة الثقافة العربية والإسلامية؟
- الإسهام الأساسي كان في كتابي الأول، المنشور عام 1975 وأعادت نشره جامعة غرناطة، وعنوانه «ألعاب الساكرومونتي». يتناول صفائح من الرصاص مكتوبة بحروف عربية، اكتُشفت في نهايات القرن السادس عشر في محيط غرناطة (أو في المنطقة التي سميت بعد ذلك باسم ساكرومونتي). في هذه النصوص الرصاصية ثمة محاولة لدمج المسيحية والإسلام. الجدل الكبير الذي أثارته هذه النصوص كان أحد منابع استلهام «دون كيخوتيه»، كما أشير إلى ذلك في كتابي، وهو كتاب تقوم قصته على التراوح بين السرد والفلسفة.
> ننتظر خلال الفترة المقبلة ترجمة بعض أعمالك إلى اللغة العربية، مثل «الفلسفة والسرد»، و«فك شيفرة دالي»، بالإضافة إلى مختارات شعرية، ما انطباعك حول وصول أعمالك للقارئ العربي؟
- أتمنى أن تكون أعمالاً جيدة، ففي «فك شيفرة دالي» تناولت صداقتي بسلفادور دالي في سرد طويل ومليء بالحوارات. ومنذ سنوات أعطيت محاضرات كثيرة عنه في مختلف المدن المغربية، وتلقاها الجمهور المغربي بترحيب، وكانوا يعرفون أعمال دالي الفنية والأدبية أفضل من بعض الإسبان الذين حضروا لي تلك المحاضرات. أما بالنسبة للشعر، فكان ميلي الأدبي الأول وأظن أنه في عمق كل ما أكتبه. أعتقد أن هذه الأعمال، خاصة «الفلسفة والسرد» ستروق للقارئ العربي؛ حيث سيشعر بالبعد الهندسي والأرابيسكي مطبقاً على الأدب.
> كيف تُطوّع معارفك الأكاديمية في علم الجمال والفلسفة والفن التشكيلي لخدمة مشروعك الإبداعي الحُر في الأدب؟
- منذ طفولتي المبكرة كنت منجذباً للقراءة، وهي عادة ورثتها من أمي التي درست القانون في عقد الثلاثينات من القرن الماضي. والعام الفائت نشرت قصائد كتبتها بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة. في ذلك العمر كنت أسيراً لرغبة التعرف على الحياة والعالم والشخص، هذا الهدف دفعني نحو الفلسفة. الشيء نفسه حدث لي مع القصة. ثم بدأت البحث في الرموز التي استخدمها الغنوصيون، وموجودة في أصل ألماندالا البوذية. انتهى البحث إلى دراسة تجاوزت 2000 صفحة. أما الفنون التشكيلية فجذبتني كذلك منذ شبابي لأنها ارتبطت بالشعر البصري. على المرء أن يسعى لمعرفة الحياة في كل أشكالها. بهذه الطريقة فحسب يمكن كتابة عمل أدبي هام.
> أنت تكتب الشِعر وتربط القصائد بالفن التشكيلي، حدثنا عن هذه الرابطة ودلالاتها...
بدأت كتابة الشعر التجريبي في خريف عام 1964 عندما كنت في الثامنة عشرة. حينها اتجهت للشعر البصري (المحدد، المكاني، السيميوطيقي). نظمت معارض تضم لوحات فنية مصحوبة بقصائد لأعمال شعراء من 15 بلد في غاليريات مرموقة، مثل غاليري «لا خوانا موردو». من هنا انتقلت إلى شعرية الحدث، التي سميت بعد ذلك باسم «بيرفورمانس» أو الشعر الجماهيري، متنقلاً من شوارع مدريد إلى إيبيزا وبامبلونا. كنت أريد تقديم الشعر للحياة، هذه التجارب تراكمت في روايتَي «انحرافات» و«لعبة صالات الصالات»، وخصصت لها معرضاً كبيراً في متحف الملكة صوفيا الوطني بين عامي 2019 و2020.
> لك كتاب بارز عن سيرة سلفادور دالي، هل كتبته بذاكرة الصداقة التي جمعتك به، أم طرحت من خلاله قراءة بيوغرافية لمراحله الفنية؟
- في كتاب «فك شيفرة دالي» جمعت بعض كتاباتي عن الفنان الإسباني، منذ تعرفت عليه في يوليو (تموز) 1978 في بيته بـكاداكيس. ليس فقط ثمرة لحواراتنا، وإنما أيضاً دراسة حول فنه وشخصه. وفي الكتاب أبرهن على تأثيرات الرسومات العصبية لسانتياغو رامون إي كاخال (فائز بنوبل ومؤسس علم الأعصاب) على تكوين دالي كفنان سوريالي. لقد تعرف عليها حين عاش في مدريد في منتصف العشرينات.
> حدثنا عن ملامح عملك ضمن اللجنة العلمية لاختيار الأعمال التشكيلية للفن المعاصر، في متحف الملكة صوفيا مدريد.
- لست عضواً في اللجنة العلمية للمعرض، وإن كان كثير من الأعضاء، ومن بينهم مدير متحف الملكة صوفيا، أصدقاء مقربين لي، ونتبادل بالتالي الآراء كلما طلبوها مني.
> تبرعت بجانب من أرشيفك الشخصي ضمن أحد المعارض بالمتحف، ما بين خطابات وكتابات في المجالات الشعرية والفلسفية والأكاديمية، كيف ترى فكرة تبرع الكُتاب بأرشيفاتهم، وقيمتها الأدبية والمعنوية؟
- تبرعت، قبل أي شيء، بأعمال الشعر التجريبي، ولوحات الفن الجيوميتري - البنائي، وبعض الوثائق التي يرجع تاريخها من 1965 إلى 1975. رأيت أن متحف الملكة صوفيا يهتم بالاحتفاظ بها، وأني بهذه الطريقة يمكنني نشر المعرفة بأعمال هامة وبمرحلة فاصلة في الطليعة بين الدارسين والجمهور بشكل عام.
> بعد 8 قرون من الاختلاط بين الثقافتين العربية والإسبانية، وتجليات الأثر العربي على مدار هذا التاريخ، كيف ترى حضور الثقافة العربية في إسبانيا اليوم؟ هل هناك اهتمام باقتفاء أثر تلك الثقافة؟
- دائماً ما كنت محاطاً بأصدقاء مستعربين وبأشخاص على اطلاع جيد بالإرث الثقافي العربي. رحلتي الأولى للعالم العربي قمت بها وأنا في الثانية والعشرين، في صيف 1967. لقد تجولت في أغلب مدن المغرب. وكانت فاس أكثر مدينة أبهرتني. ما زلت أحتفظ بصور من هذه الرحلة، وكنت برفقة صديق إسباني وآخر فرنسي. ثم سافرت لألقي محاضرات في الجزائر وتونس والأردن وسوريا ولبنان وتركيا. واستمتعت كثيراً بمعرفة مدن وآثار. أعتقد أن الإسبان، بشكل عام، وأبناء الجنوب بالتحديد، يشعرون بألفة كبيرة مع العالم العربي. لا شيء أهم من التقارب المتبادل والإخاء.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».