«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

التفاعلات داخله تمنح مستخدميه انطباع خوض تجارب وصناعة ذكريات حقيقية

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي
TT

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

«الميتافيرس» فرصة متميزة لتجربة التعليم الانغماسي

ما هو الفرق الذي قد يحدثه عامٌ من الزمن؟ في هذا الوقت من العام الماضي، سجّلت عمليات البحث عن «الميتافيرس» أدنى مستوى على «غوغل ترندز»، ولكن بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، ارتفعت هذه المعدّلات إلى أقصى المستويات.

تقنيات مزدهرة
أصبح هذا المصطلح بارزاً لدرجة أنّ واحدة من أشهر العلامات التجارية في العالم – أي «فيسبوك» – غيّرت اسمها إلى «ميتا». ازدهرت التقنيات المرتبطة بالميتافيرس، كنظارات الواقع الافتراضي، لسنوات ولكنّنا على موعد مع المزيد. نحن على وشك الدخول في إعصار مذهل يجمع محرّكات إلكترونية بالوقت الحقيقي أبرزها «يونيتي» و«أنريل إنجاين» (تملكها شركة «إيبيك غيمز»)، ونظارات الواقع الافتراضي (كـ«أوكيولوس» و«إتش تي سي»)، والواقع المعزز («أبل» و«ماجيك ليب»)، ومزودي خدمات اتصال الجيل الخامس («آي تي أند تي» و«فرايزون»)، وسلسلة الكتل «بلوك تشين»، والعملات الرقمية، وطبعاً الذكاء الصناعي.
يستخدم النّاس الإنترنت اليوم للتبضّع وقراءة الأخبار والاستفادة من الخدمات المصرفية والكثير من الأمور الأخرى. وتتمتّع الشبكة بفاعلية عالية، ولكنّ استخدامها يختلف طبعاً عن أداء هذه النشاطات شخصياً؛ لأنّ الشخص الذي يتبضّع عبر الإنترنت مثلاً، لا يستطيع التفاعل مع منسّق المظهر أو تجربة مجموعة من الملابس. نحن نتحدّث هنا عن الوجود المشترك، أي الاستمتاع بتجاربنا الناتجة عن استجابتنا الدماغية في الميتافيرس. تمنح التفاعلات في الميتافيرس أصحابها انطباع خوض تجارب حقيقية وصناعة ذكريات حقيقية - لأنّهم يفعلون ذلك حقاً.
لا تنحصر حالات استخدام الميتافيرس بالتبضع طبعاً؛ لأنه يستطيع حلّ تحديات كبيرة، لا سيّما عندما يتعلّق الأمر بـ«أنسنة التقنية».

«الميتافيرس» في التعليم
تملك التجارب الانغماسية القدرة على أنسنة التفاعلات الرقمية، ما يزيد الحاجة إلى تقنيات الميتافيرس كالواقعين المعزز والافتراضي في بعض الحالات. قد تكون رحلة استكشاف للميتافيرس لا تزال في بدايتها، ولكن بعض تطبيقات التعليم والتعلّم أصبحت جاهزة.
يقيس محترفو التعليم النجاح من خلال الفاعلية، التي تعدّ المسألة الأكثر إلحاحاً التي يواجهها التعلّم الإلكتروني التقليدي الموجود منذ ما قبل ظهور الفيروس. فقد أجبرتنا الجائحة على الدخول إلى مختبر هائل حاصرت فيه مؤتمرات الفيديو الكثير من مهامنا التي تشمل التعلّم.
ينطوي التعلّم الإلكتروني على الكثير من الجوانب السلبية التي غالباً ما يسعّرها انعدام المساواة في الحصول على التقنية، إلّا أنّ بعض الدراسات وجدت أنّه فعّال.
تَقدَّم الواقع الافتراضي خطوة إضافية أيضاً. فقد وجدت شركة «بي دبليو سي»، أنّ المتعلّمين الذين تدرّبوا باستخدام الواقع الافتراضي امتلكوا ثقة أكبر بمعدّل 275 في المائة في استخدام ما تعلّموه بعد التدريب - أي تحسّن بنسبة 40 في المائة عن التعلّم في غرف الصفّ، و35 في المائة عن التعلّم الإلكتروني.
تملك تجارب الواقعين الافتراضي والمعزّز القدرة على تجاوز الوسائل الغيابية التي تعتمد مبدأ التلقين والاختبار التي نعلم جميعنا أنها تفتقر للمشاركة والفاعلية. يصل المحتوى الديناميكي والعالي التفاعلية ذو الواقعية العاطفية الذي يطوّره محترفو تعليم الواقع الممتدّ إلى المستخدمين بطريقة معبّرة أكثر. ويتيح التعلّم في الميتافيرس تأسيس تواصل بين المتعلّمين من جميع أنحاء العالم وتقويتهم للتفاعل بطرقٍ معبرة. يتّسم هذا التعليم بتفاعلية وتأثير أكبر لأنه يتيح لنا محاكاة كلّ شيء من المحادثة إلى الجراحة.

تحديات التعلّم الانغماسي
يحتاج ذوو الاحتياجات الخاصة والمصابون باعتلالات (بصرية، وسمعية، وغيرها) إلى تجهيزات خاصّة ليتمكّنوا من الاستفادة من كامل تقديمات الميتافيرس، إلّا أنّ الحصول على الأجهزة والأدوات الضرورية قد يكون صعباً بسبب ارتفاع سعرها. لذا؛ يتطلّب الميتافيرس، كما الإنترنت، اعتماد استراتيجية تضمن إتاحته للجميع بالتساوي، خصوصاً لأولئك الذين لا يملكون الوسائط المطلوبة للمشاركة فيه.
لم يولد الميتافيرس حقيقة بعد، ولكن لا بأس بالجهود التي تبذل في هذا الاتجاه، خصوصاً أن مجتمع الميتافيرس يركّز على إيصال التعلّم الانغماسي للجميع قبل كلّ شيء.
تتميّز تقنية الميتافيرس باللامركزية المتأصلة؛ ما يعني أنّ ما احتاج إلى سنوات، وحتّى لعقود، ليتحقّق مع تقنيات أخرى، كالتقديم والوصول للجميع، يتصدّر اليوم سلّم الأولويات.
تخيّلوا مثلاً الفوائد التي يمكن أن يحقّقها الجيل الأوّل من الطلاب الجامعيين بعد اختبار صفوف جامعية افتراضية؛ وتخيّلوا كمّ الخبرة الذي قد يكتسبه فريق العمل في مستشفى ريفي من التدريب الانغماسي على تقنيات طبية متطوّرة. والآن، تخيّلوا هذه الاحتمالات جنباً إلى جنب مع التحديات التي يواجهها نظامنا التعليمي على مستوى العالم، والصعوبات الكبيرة التي تعاني منها البرامج الأكاديمية لمجاراة هذه التحديات.
تعمل فرضية شركة «إس آي بي» للبرمجة ومنظّمة «جوبز فور ذا فيوتشر» على تقاطع هذه الأفكار، مرجّحة أنّ تزويد المتعلّمين في مرحلة الثانوية بتقنية التعلّم الانغماسي سيؤثّر إيجاباً على قدرتهم على تطوير المهارات المطلوبة للتوظيف المثمر. في أوّل استخدامٍ له، أظهر برنامج «سكيل إمرشن لاب»Skill Immersion Lab أنّ أكثر من 85 في المائة من المتعلّمين شعروا بثقة أكبر في التكلّم مع الآخرين بعد انتهاء تجارب التعلّم الانغماسي. وصرّح 85 في المائة من هؤلاء بأنّ قدرتهم على إيجاد الكلمات الصحيحة للتعبير عن فكرة معيّنة تحسّنت خلال البرنامج، بينما اعترف 90 في المائة منه بأنّهم كانوا يراجعون إجاباتهم لمعرفة كيف يمكنكم أن يحسّنوا أنفسهم بعد انتهاء كلّ درس. تظهر النتائج النهائية للبرنامج، أنّ محتوى التعليم الانغماسي منتج، وأنّ الأولوية التالية يجب أن تكون إيصاله إلى أكبر عددٍ من المتعلّمين.

تعلّم وتواصل بشري
ما هو تأثير التعلّم في الميتافيرس على التواصل البشري؟ يذكرنا هاتفنا الذكي بمتوسط الوقت الذي نمضيه على الشاشات، وإذا جمعناه مع الساعات التي نمضيها في مؤتمرات الفيديو واستخدام البريد الإلكتروني، سنرى عالماً مصغّراً عن الحياة الرقمية المتنامية التي يعيشها النّاس اليوم. ينطبق الأمر نفسه على الأولاد الذين يتنقّلون بين العمل المدرسي وموقع المدرسة الإلكتروني والتواصل الاجتماعي والتراسل والمحادثات عبر «فيس تايم» وألعاب الفيديو. يستمرّ الجزء الذي نمضيه من حياتنا في العالم الرقمي بالنمو، ولكن ما الذي قد يحصل إذا أصبحت هذه التفاعلات أفضل؟
على عكس البريد الإلكتروني وغيره من وسائل التواصل على الإنترنت، يملك الميتافيرس القدرة على استنساخ التفاعلات البشرية وإقناع الآخرين بها بفضل حسّ الوجود والواقعية العاطفية اللتين يتميّز بهما. تضمن مكانية هاتين الميزتين نوعاً من الألفة والارتباط بالعالم المادّي.
يحدّ الاتصال الافتراضي من صدق تعابير الوجه ولغة الجسد، فضلاً عن أنّه يضع حواجز رقمية ومادية بين البشر. في المقابل، يستطيع المستخدم خلال اجتماع بالواقع الافتراضي أو المعزّز أن يرى حركات الشخصيات الرمزية التي تمثّل الزملاء، بالإضافة إلى الشعور بوجودهم وكأنّهم معه في العالم الحقيقي.
تساعد زيادة التفاعلات الرقمية أيضاً في تعزيز تركيزنا وانتباهنا في حياتنا الحقيقية؛ لأن زيادة إنتاجية التعاون والتعلّم الانغماسيين تترك لنا المزيد من الوقت للاستفادة منه في أيّامنا العادية للتواصل مع العالم المادي والأشخاص المحيطين بنا فيه. يملك الميتافيرس القدرة على تحقيق توازنٍ مع الجوانب السلبية للرقمنة، عبر تعزيز الأنسنة والتواصل خلال الوقت الذي نمضيه في العالم الإلكتروني، ومساعدتنا بالاستمتاع أكثر بالحياة التي نعيشها بعيدا عن التقنية.
أعلم أنّ الكثيرين يرون أنّ الميتافيرس هو أحدث الفصول في مجموعة كبيرة من الكلمات والمصطلحات التقنية الغريبة. ولكن أعتقد أنه يستحق قدر الحماس الذي حصل عليه في الأشهر الفائتة لأنّه يقدّم فرصة عظيمة ومنفذا لمستقبلٍ أفضل. وأخيراً، يبقى القرار لنا إذا كنّا نريد الدخول إليه وتحقيق الاستفادة القصوى منه بطريقة مسؤولة وعادلة.
* الشريك المؤسس ومدير قسم المحتوى في شركة «تيل سبن»
- يدرس حالياً برنامج تعليم انغماسي ونتائجه. «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.