يصل الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى واشنطن اليوم في زيارة دولة هي الأولى من نوعها لرئيس فرنسي منذ عام 1996، ما يعكس قوة العلاقات بين باريس وواشنطن على المستوى الرسمي والتقارب بين هولاند وأوباما على المستوى الشخصي. ولم يحظ الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بهذا الشرف كما هو حال الرئيس الأسبق جاك شيراك في ولايته الثانية.
وأعد البيت الأبيض برنامجا حافلا لهولاند يتضمن استقبالا رسميا في البيت الأبيض يتبعه اجتماع مطول مع الرئيس أوباما ومؤتمر صحافي مشترك وعشاء دولة.
كما يقوم الرئيسان بزيارة مشتركة لدارة الرئيس توماس جيفرسون الواقعة في مونتيسلو. ويلتقي هولاند في واشنطن رئيسة صندوق النقد الدولي الفرنسية كريستين لاغارد ورئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم قبل الانتقال إلى سان فرانسيسكو حيث سيخصص هذا القسم من الزيارة للجوانب الاقتصادية وللتعاون المشترك بين البلدين ومؤسساتهما.
بيد أن هولاند يقوم بجولته الأميركية فيما وضعه الداخلي يتراجع وفق ما تظهره استطلاعات الرأي العام؛ فبعد أقل من سنتين من وصوله إلى قصر الإليزيه تراجعت شعبية هولاند إلى ما دون العشرين في المائة، وهو هبوط لم يسبق له مثيل في تاريخ الجمهورية الخامسة.
وأفاد آخر استطلاع أجرته مؤسسة «تي إن إس سوفريس» لصالح مجلة «لو فيغارو ماغازين» بأن هذه الشعبية لا تزيد على 19 في المائة (بتراجع ثلاث نقاط) بينما نسبة الحانقين على سياسة هولاند تبلغ اليوم 78 في المائة.
ويربط المحللون بين هذا التدهور لصورة الرئيس لدى مواطنيه وبين الوضع الاقتصادي - الاجتماعي في فرنسا.
فمن جهة، لم ينجح هولاند في تحقيق الوعد الذي قطعه للفرنسيين بوقف ارتفاع نسبة البطالة لا بل تراجعها مع نهاية عام 2013. العكس هو ما حصل؛ إذ إن البطالة ما زالت تتقدم وهي زادت على نسبة 10 في المائة. ويرى الفرنسيون في هذا المؤشر الخطير أن التضحيات التي قبلوا بتقديمها لجهة ارتفاع الضرائب و«الهدايا» التي قدمت للشركات الخاصة وتراجع العديد من التقديمات الاجتماعية ذهبت هباء، ما يعني «فشل» السياسة الاقتصادية - الاجتماعية التي تنتهجها الحكومة. ثم جاء مسلسل علاقات الرئيس الغرامية لينسف إلى حد ما صورة هولاند «المهتم بحياته العاطفية أكثر من اهتمامه بشؤون الفرنسيين» وفق ما يتردد على ألسنة الفرنسيين.
ويواجه الرئيس هولاند الشهر المقبل وهو في وضع حرج استحقاق الانتخابات البلدية.
ويبين مزاج الرأي العام أن الحزب الاشتراكي مقبل على هزيمة لا مفر منها. وبينت دراسة أجرتها صحيفة «لو موند» المستقلة أن نحو 85 مدينة ستخرج عن سيطرة الاشتراكيين فيما الأنظار تتجه لما سيحققه حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبن. ويجهد اليسار للمحافظة على العاصمة باريس والفوز ببلدية مدينة مرسيليا (المدينة الإثنية في فرنسا) للتخفيف من وطأة الهزيمة المقبلة. بعد ذلك سيحل استحقاق الانتخابات الأوروبية التي يتوقع أن تسفر أيضا عن تراجع مواقع اليسار.
ومشكلة هولاند تكمن اليوم في أن القاعدة الشعبية التي حملته إلى سدة الرئاسة تخلت عنه إلى حد بعيد لأنها رأت أن السياسة التي ينتهجها لا تتوافق مع وعوده الانتخابية، بل تميل يمينا. والأكثر ابتعادا عنه الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي وكل ما هو واقع على يسار الحزب بشكل عام.
وبالمقابل، فإن هولاند لم ينجح في اجتذاب شرائح من الوسط أو اليمين. ولذا، فإن تأكيده الانتماء إلى التيار «الاجتماعي الديمقراطي» على الطريقة الألمانية لم يؤت بعد أكله.
كذلك، فإن «عهد الثقة» الذي اقترحه على المؤسسات الخاصة والشركات، والذي يقوم على تخفيف أعبائها من الضرائب والرسوم والمساهمات الاجتماعية مقابل التزامها بخلق فرص عمل وزيادة التوظيف ما زال موضع أخذ ورد ولن تظهر نتائجه إلا على المدى المتوسط.
ولا تتوقف الأخبار غير السارَّة للرئيس الفرنسي وحكومته عند الشأن الاقتصادي؛ إذ إن الوضع الاجتماعي هو الآخر في حالة غليان بسبب «الإصلاحات» المجتمعية التي أدخلها اليسار أو تلك التي يسعى إلى إدخالها وتتناول الأسرة والتبني والمناهج التعليمية.
لمجموع هذه الأسباب، تبدو زيارة هولاند إلى واشنطن وسان فرانسيسكو بمثابة فرصة لـ«تناسي» المشكلات الداخلية والانفتاح على العالم الخارجي، خصوصا أن العلاقات بين باريس وواشنطن تمر بمرحلة إيجابية رغم فضائح تنصت المخابرات الأميركية على الاتصالات في فرنسا. وتتقارب باريس وواشنطن في النظرة إلى الأزمات الإقليمية كما في سوريا أو ملف مفاوضات السلام في الشرق الأوسط أو الوضع في مالي وجمهورية جنوب أفريقيا ومحاربة الإرهاب في منطقة الساحل وما دونها. وإذا كانت باريس تلوم واشنطن بسبب تخليها عن الضربة العسكرية ضد سوريا في الخريف الماضي بعد أن ثبت استخدام النظام للسلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطتين الشرقية والغربية في 21 أغسطس (آب) أو إقامة مفاوضات سرية مع طهران بشأن برنامجها النووي، فإنها ترى أن علاقات البلدين الثنائية «جيدة» ويغلب عليها التفاهم والتنسيق.
ولذا، فإن الأجواء العامة لزيارة هولاند، كما يعكسها البرنامج المعدّ، ستكون إيجابية جدا. إنه بالون أوكسجين لرئيس هو بأمسِّ الحاجة إليه.
9:41 دقيقه
هولاند في واشنطن بحثا عن بعض «الأوكسجين»
https://aawsat.com/home/article/34886
هولاند في واشنطن بحثا عن بعض «الأوكسجين»
شعبيته تتراجع بشكل غير مسبوق ومؤيدوه يتخلون عنه
ارشيفية
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
هولاند في واشنطن بحثا عن بعض «الأوكسجين»
ارشيفية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
