محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

الأكاديمي التونسي يدعو إلى خروج النقد من أسوار الجامعة

محمد زروق
محمد زروق
TT

محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

محمد زروق
محمد زروق

يرى الناقد والأكاديمي التونسي د. محمد زروق أن مراكز الإنتاج الروائي تتحول ولا تثبت بحكم منطق التاريخ، وأن الرواية في المشرق العربي تعيش حاليا حالة من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري. وقد قضى زروق شطرا كبيرا من حياته الأكاديمية المهنية أستاذا بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وخصص بعض مؤلفاته القليلة لتناول الأدب العماني ومنها «تجربة مبارك العامري الأدبية» و«الذاتية في أدب محمد عيد العريمي» إضافة إلى كتابيه «أثر المؤلف في السرد» و«عين الله... نظر في الخطاب القصصي القرآني»...
هنا حوار معه:

> تنعى على المشرق العربي، مصر ولبنان وبلاد الشام تحديدا، ما أسميته «النرجسية المرضية» تجاه بقية المراكز والأجنحة الثقافية العربية، وعدم إيمانه «المرضي» بالآخر المجانس... ما أسباب تلك النرجسية من وجهة نظرك؟
- عموما لا أحبذ خلق مجال تصارع بين مراكز الأدب القديمة والحديثة، وهو أمر تفاعلت معه نتاج عديد من الآراء التي جوبه بها فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة «ألمان بوكر» العالمية، والتي رد البعض على فوزها إلى الترجمة، ورده البعض الآخر إلى شراء الجائزة. وغيرها من الآراء الساذجة التي طعنت في الرواية وصاحبتها.
ولكن هي نرجسية موجودة، تظهر في كل مناسبة، نرجسية تسود المجال الإبداعي بشكل خاص، وكان سبب ذلك المقال الذي وصفت فيه حال بعض المثقفين بالنرجسية المشرقية عدم إيمانهم بالتحول التاريخي لمراكز الإبداع، ويمكن أن أدلل على ذلك باحتفائنا في المغرب العربي في برامجنا الرسمية وفي مشاريع البحوث على اختلاف مراتبها بالتجارب السردية والشعرية في المشرق، ولا نجد لنا صدى في بلاد المشرق على قيمة بعض الآثار الأدبية التي اكتسبت منزلة تاريخية هامة.
تجارب الخليج العربي والمغرب العربي في الرواية تحديدا هي أهم وأرقى من عديد من التجارب المشرقية، ويمكن أن تلاحظوا كذلك طرق تفاعل المشرق مع روائي مثل الحبيب السالمي أو واسيني الأعرج. على كل هي نرجسية تاريخية آن للمشرق أن يتخلص منها.
> تؤكد أن الرواية العربية «المشرقية» التي تصدرت المشهد طويلا تعيش حاليا نوعا من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري العيني والمتكرر، وعدم الاجتهاد في البحث عن مصادر تمثيل جديدة، في حين أن الرواية في الخليج العربي وفي المغرب العربي، تبحث عن أشكال جديدة للتحقق... كيف ذلك؟
- من الأكيد أن الرواية تمتح قوتها وألقها من العمق الحضاري ومن استعمال الرصيد الأسطوري للذاكرة الشعبية، وهي أمور استهلكها الشرق العربي ولم تعد مدهشة إلى حد ما، في حين أن معتقدات وأساطير عديدة في منطقتي الخليج والمغرب العربيين، ما زالت مكتومة ويمكن استعمالها متى سخرها روائي متميز، ذلك أن منطق التاريخ يقتضي أن مراكز الإنتاج الروائي بالذات تتحول ولا تثبت، ويمكن أن نلحظ ذلك في تحول الرواية تألقا وإبداعا من أوروبا إلى جنوب أميركا وشمالها، وإلى اليابان من بعد ذلك، وإلى المنطقة الأفريقية في اللحظة الراهنة، ولذلك قلت إن الأمر يخضع إلى منطق تاريخي في تحول الرواية.
منطقة الخليج على سبيل المثال تحوي ثقافات مختلفة، ومعتقدات متنوعة، وتواريخ تجمع بين حقب من الخضوع وحقب من المقاومة، ورفض الحال الاجتماعي والثقافي والسياسي وطبقات من المجتمع تفصل بينها مراتب ومنازل وهي ثيمات تشكل ممكنا سرديا هائلا يمكن أن يتحول إلى مشاريع حكايا، وكذا الأمر في المغرب العربي في معتقداته الأمازيغية والعربية ومعتقداته الصوفية العميقة، وهي مسائل تظهر ثقافة عربية مختلفة منابتها ومظاهرها، ومخازن من الحكايات بدأت تظهر على السطح.
> ألا تبدو رؤيتك غير منصفة بعض الشيء، خاصةً في ظل حراك روائي «مشرقي» تقوده تجارب وأصوات جديدة شديدة الحيوية والإبداع تثير الدهشة؟
- هذا لا يمنع ذاك، بمعنى أنه من الممكن بزوغ تجارب سردية في المشرق العربي تدهش وتختبر أساليب جديدة في الحكاية، لكن هذا لا يعني أن يتمسك الشرق بمركزية وهمية بها يعامل التجارب الروائية المحيطة به، والتي تفرض واقعا فنيا جديدا.
> تهاجم من يرون أن الأدب العربي منبوذ من الغرب، وإذا ما صادف فوزا عالميا فإن مرد ذلك، كما يذهبون، إلى حسابات سياسية ورشاوى ثقافية، وتؤكد أن ذلك معتقد المهزومين المأزومين... هل نعيش إذن في عالم مثالي يعطي كل ذي حق حقه بمعايير وردية، ألا تتدخل «عوامل أخرى» في تصعيد أديب ما على الساحة الدولية؟
- لا نعيش عالما مثاليا أبدا، والجوائز ليست هي الباب الذي منه يستمد الأدب منزلته، ولكن فكرة المؤامرة هي فكرة قاتلة، ولا ينبغي الانجراف وراءها إلا بالنسبة للمأزومين، الفوز في الجوائز العالمية المحترمة يفترض حدا أدنى من المصداقية، وإلا فإن مصر ستكف عن الافتخار بنجيب محفوظ بحصوله على جائزة نوبل، وهي أكبر جائزة تحوم حولها الشبهات.
ومع ذلك، فإن الجوائز الأدبية العربية يمكن أن تلحقها شبهات عديدة، ولكنها تظل مقياسا ضامنا إلى حد ما لدرجة من المقروئية، أما الجوائز العالمية بخاصة جائزة «مان بوكر» فإنها تعمل على الاقتراب قدر الإمكان من المصداقية، وأنا لا أتعجب من هذه المصداقية خاصةً في فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي لسبب بسيط أن ناقدا هاما مثل محمد برادة قد كتب قبل فوز الرواية بعشر سنوات مقالا ذكر فيه تقريبا نفس ما أشادت به لجنة الجائزة في معرض حديثها عن رواية «سيدات القمر»، كما كتبت أنا في الزمن نفسه مقالا مبينا فيه منزلة الرواية.
> يحسب البعض لك الخروج بالأدب والنقد من التخصص الأكاديمي الضيق خلف أسوار الجامعة إلى فضاءات الواقع والمجتمع... كيف استطعت ذلك وهل ثمة رؤية أو رسالة نقدية إزاء هذا الدور؟
- نعم لي رؤية في ذلك، أعتقد أن النقد ليس من دوره أن يبقى حبيس الجامعة، ومن الضروري إحياءً للنقد ونفعا للأعمال الأدبية أن يبسط وأن يدلي بدلوه في هذه الأعمال برؤية علمية تحمل وجهة نظر العالم. وهذا الفراغ الذي تركه النقاد الجامعيون جعل الساحة الثقافية تزخر بأشباه الجهلة ممن يحسب لهم ألف حساب في نقد يقوم على الانطباع والولاءات والصلات.
درس الأدب هام جدا داخل أسوار الجامعة، ولكن مع الأسف في أغلب جامعاتنا هذا الدرس قد قتله جامعيون هم مؤدبو صبية، علمهم محدود وكذلك عملهم، ولا يرون لهم حياة إلا في أوهام تقدير الطلبة المؤقت لهم، وهم قتلة الأدب ومقبرو النقد.
درس النقد لا يمكن أن يظل حبيس أسوار الجامعة ووجب أن يخرج بما يمتلكه الجامعي من أدوات ومعارف ليعانق المجتمع، وهو الأمر الذي أسعى إليه، حتى في درسي داخل الجامعة.
> كيف ترى واقع الرواية في تونس حاليا، ولماذا يبدو شحيح التأثير في المشهد الثقافي العربي العام؟
- أولا وضع الرواية عموما في حال تساؤل، فمنطق التاريخ يقتضي أن يتحول هذا الشكل أو أن يولد شكلا جديدا، أما الرواية التونسية فهي في حال من الانتعاش، وكانت دوما في حالة من القلة الإنتاجية والكثافة التجريبية، بداية من توجهين ثريين سن الأول منهما بشير خريف في «الدقلة في عراجينها»، وسن الثاني منهما محمود المسعدي في تجربة روائية نادرة في الوطن العربي، وامتد هذان الطريقان لحد اليوم، وهنالك الآن جملة من الروائيين المهمين محليا وعربيا، منهم أميرة غنيم وشكري المبخوت والحبيب السالمي، ولكن نعود إلى هذه القطيعة الحاصلة مع المشرق وخاصةً مع مصر، فإن هذه الأعمال لا تروج معهم.
> يبدو أنك منشغل أكثر بالتنظير الأدبي مقارنة بالمتابعة النقدية للإصدارات الإبداعية الجديدة... إلى أي حد يبدو ذلك الانطباع صحيحا؟
- هو صحيح إلى حد ما، فأنا رغم انشغالي بالتنظير ومحاولة اختبار جملة من الأدوات السردية الفاعلة في دراسة الخطاب القصصي، إلا أني أجتهد في مواكبة الأعمال القصصية والروائية قدر الإمكان، وأنشر هذه المقاربات في عدد من الصحف والمجلات.
انشغالي بالتنظير لا يعطل مواكبتي لعديد الأعمال السردية الحديثة التي أواكب بعضها، فالتنظير بالنسبة إلى عامل هام جدا به يمكن أن أمتلك حادث الأدوات لمزيد فهم الخطاب السردي وبيان سماته وخصائصه.
> إذن... كيف ترى الاتهام المزمن لكم معشر النقاد بأنكم «مقصرون» في تقديم الأعمال الإبداعية الجديدة؟
- فعلا هنالك تقصير بيّن من النقاد الجامعيين تحديدا، وذاك راجع إلى جهل أغلبهم بحدود النقد وطرق إعماله، ولذلك يفضلون الموت في أوراق الطلبة أو تحبير كتب مليئة بالشكليات والنقول والأسماء التي لا يدركون أغلبها.
ولكن، ليس على الناقد أن يقدم جميع الأعمال الإبداعية الجديدة، ولكن عليه في الوقت نفسه أن يقول قوله فيما يتسنى له أن يطلع عليه من أعمال أدبية، وفي هذا الجانب فإن النقد العربي مقصر، ولكن تقصيره موصول بعدد من الصعاب التي تخرج أحيانا عن نطاقه، أولها أن الحياة الأكاديمية تقتل كل نفس إبداعي نقدي وتشجع على الاجترار والتحول إلى ورقة عقيمة، الثانية أن المؤسسات الناشرة ما زالت ضعيفة ولا تتعامل مع النقد العالمي لتقديم الأعمال والترويج لها وإدراك منزلتها، وثالثها أن أغلب المؤسسات الثقافية والعلمية لا تهتم بهذا الأمر، ولذلك يكون جهد مواكبة الناقد الأكاديمي للأعمال الأدبية هو جهد ذاتي خاص.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.