محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

الأكاديمي التونسي يدعو إلى خروج النقد من أسوار الجامعة

محمد زروق
محمد زروق
TT

محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

محمد زروق
محمد زروق

يرى الناقد والأكاديمي التونسي د. محمد زروق أن مراكز الإنتاج الروائي تتحول ولا تثبت بحكم منطق التاريخ، وأن الرواية في المشرق العربي تعيش حاليا حالة من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري. وقد قضى زروق شطرا كبيرا من حياته الأكاديمية المهنية أستاذا بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وخصص بعض مؤلفاته القليلة لتناول الأدب العماني ومنها «تجربة مبارك العامري الأدبية» و«الذاتية في أدب محمد عيد العريمي» إضافة إلى كتابيه «أثر المؤلف في السرد» و«عين الله... نظر في الخطاب القصصي القرآني»...
هنا حوار معه:

> تنعى على المشرق العربي، مصر ولبنان وبلاد الشام تحديدا، ما أسميته «النرجسية المرضية» تجاه بقية المراكز والأجنحة الثقافية العربية، وعدم إيمانه «المرضي» بالآخر المجانس... ما أسباب تلك النرجسية من وجهة نظرك؟
- عموما لا أحبذ خلق مجال تصارع بين مراكز الأدب القديمة والحديثة، وهو أمر تفاعلت معه نتاج عديد من الآراء التي جوبه بها فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة «ألمان بوكر» العالمية، والتي رد البعض على فوزها إلى الترجمة، ورده البعض الآخر إلى شراء الجائزة. وغيرها من الآراء الساذجة التي طعنت في الرواية وصاحبتها.
ولكن هي نرجسية موجودة، تظهر في كل مناسبة، نرجسية تسود المجال الإبداعي بشكل خاص، وكان سبب ذلك المقال الذي وصفت فيه حال بعض المثقفين بالنرجسية المشرقية عدم إيمانهم بالتحول التاريخي لمراكز الإبداع، ويمكن أن أدلل على ذلك باحتفائنا في المغرب العربي في برامجنا الرسمية وفي مشاريع البحوث على اختلاف مراتبها بالتجارب السردية والشعرية في المشرق، ولا نجد لنا صدى في بلاد المشرق على قيمة بعض الآثار الأدبية التي اكتسبت منزلة تاريخية هامة.
تجارب الخليج العربي والمغرب العربي في الرواية تحديدا هي أهم وأرقى من عديد من التجارب المشرقية، ويمكن أن تلاحظوا كذلك طرق تفاعل المشرق مع روائي مثل الحبيب السالمي أو واسيني الأعرج. على كل هي نرجسية تاريخية آن للمشرق أن يتخلص منها.
> تؤكد أن الرواية العربية «المشرقية» التي تصدرت المشهد طويلا تعيش حاليا نوعا من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري العيني والمتكرر، وعدم الاجتهاد في البحث عن مصادر تمثيل جديدة، في حين أن الرواية في الخليج العربي وفي المغرب العربي، تبحث عن أشكال جديدة للتحقق... كيف ذلك؟
- من الأكيد أن الرواية تمتح قوتها وألقها من العمق الحضاري ومن استعمال الرصيد الأسطوري للذاكرة الشعبية، وهي أمور استهلكها الشرق العربي ولم تعد مدهشة إلى حد ما، في حين أن معتقدات وأساطير عديدة في منطقتي الخليج والمغرب العربيين، ما زالت مكتومة ويمكن استعمالها متى سخرها روائي متميز، ذلك أن منطق التاريخ يقتضي أن مراكز الإنتاج الروائي بالذات تتحول ولا تثبت، ويمكن أن نلحظ ذلك في تحول الرواية تألقا وإبداعا من أوروبا إلى جنوب أميركا وشمالها، وإلى اليابان من بعد ذلك، وإلى المنطقة الأفريقية في اللحظة الراهنة، ولذلك قلت إن الأمر يخضع إلى منطق تاريخي في تحول الرواية.
منطقة الخليج على سبيل المثال تحوي ثقافات مختلفة، ومعتقدات متنوعة، وتواريخ تجمع بين حقب من الخضوع وحقب من المقاومة، ورفض الحال الاجتماعي والثقافي والسياسي وطبقات من المجتمع تفصل بينها مراتب ومنازل وهي ثيمات تشكل ممكنا سرديا هائلا يمكن أن يتحول إلى مشاريع حكايا، وكذا الأمر في المغرب العربي في معتقداته الأمازيغية والعربية ومعتقداته الصوفية العميقة، وهي مسائل تظهر ثقافة عربية مختلفة منابتها ومظاهرها، ومخازن من الحكايات بدأت تظهر على السطح.
> ألا تبدو رؤيتك غير منصفة بعض الشيء، خاصةً في ظل حراك روائي «مشرقي» تقوده تجارب وأصوات جديدة شديدة الحيوية والإبداع تثير الدهشة؟
- هذا لا يمنع ذاك، بمعنى أنه من الممكن بزوغ تجارب سردية في المشرق العربي تدهش وتختبر أساليب جديدة في الحكاية، لكن هذا لا يعني أن يتمسك الشرق بمركزية وهمية بها يعامل التجارب الروائية المحيطة به، والتي تفرض واقعا فنيا جديدا.
> تهاجم من يرون أن الأدب العربي منبوذ من الغرب، وإذا ما صادف فوزا عالميا فإن مرد ذلك، كما يذهبون، إلى حسابات سياسية ورشاوى ثقافية، وتؤكد أن ذلك معتقد المهزومين المأزومين... هل نعيش إذن في عالم مثالي يعطي كل ذي حق حقه بمعايير وردية، ألا تتدخل «عوامل أخرى» في تصعيد أديب ما على الساحة الدولية؟
- لا نعيش عالما مثاليا أبدا، والجوائز ليست هي الباب الذي منه يستمد الأدب منزلته، ولكن فكرة المؤامرة هي فكرة قاتلة، ولا ينبغي الانجراف وراءها إلا بالنسبة للمأزومين، الفوز في الجوائز العالمية المحترمة يفترض حدا أدنى من المصداقية، وإلا فإن مصر ستكف عن الافتخار بنجيب محفوظ بحصوله على جائزة نوبل، وهي أكبر جائزة تحوم حولها الشبهات.
ومع ذلك، فإن الجوائز الأدبية العربية يمكن أن تلحقها شبهات عديدة، ولكنها تظل مقياسا ضامنا إلى حد ما لدرجة من المقروئية، أما الجوائز العالمية بخاصة جائزة «مان بوكر» فإنها تعمل على الاقتراب قدر الإمكان من المصداقية، وأنا لا أتعجب من هذه المصداقية خاصةً في فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي لسبب بسيط أن ناقدا هاما مثل محمد برادة قد كتب قبل فوز الرواية بعشر سنوات مقالا ذكر فيه تقريبا نفس ما أشادت به لجنة الجائزة في معرض حديثها عن رواية «سيدات القمر»، كما كتبت أنا في الزمن نفسه مقالا مبينا فيه منزلة الرواية.
> يحسب البعض لك الخروج بالأدب والنقد من التخصص الأكاديمي الضيق خلف أسوار الجامعة إلى فضاءات الواقع والمجتمع... كيف استطعت ذلك وهل ثمة رؤية أو رسالة نقدية إزاء هذا الدور؟
- نعم لي رؤية في ذلك، أعتقد أن النقد ليس من دوره أن يبقى حبيس الجامعة، ومن الضروري إحياءً للنقد ونفعا للأعمال الأدبية أن يبسط وأن يدلي بدلوه في هذه الأعمال برؤية علمية تحمل وجهة نظر العالم. وهذا الفراغ الذي تركه النقاد الجامعيون جعل الساحة الثقافية تزخر بأشباه الجهلة ممن يحسب لهم ألف حساب في نقد يقوم على الانطباع والولاءات والصلات.
درس الأدب هام جدا داخل أسوار الجامعة، ولكن مع الأسف في أغلب جامعاتنا هذا الدرس قد قتله جامعيون هم مؤدبو صبية، علمهم محدود وكذلك عملهم، ولا يرون لهم حياة إلا في أوهام تقدير الطلبة المؤقت لهم، وهم قتلة الأدب ومقبرو النقد.
درس النقد لا يمكن أن يظل حبيس أسوار الجامعة ووجب أن يخرج بما يمتلكه الجامعي من أدوات ومعارف ليعانق المجتمع، وهو الأمر الذي أسعى إليه، حتى في درسي داخل الجامعة.
> كيف ترى واقع الرواية في تونس حاليا، ولماذا يبدو شحيح التأثير في المشهد الثقافي العربي العام؟
- أولا وضع الرواية عموما في حال تساؤل، فمنطق التاريخ يقتضي أن يتحول هذا الشكل أو أن يولد شكلا جديدا، أما الرواية التونسية فهي في حال من الانتعاش، وكانت دوما في حالة من القلة الإنتاجية والكثافة التجريبية، بداية من توجهين ثريين سن الأول منهما بشير خريف في «الدقلة في عراجينها»، وسن الثاني منهما محمود المسعدي في تجربة روائية نادرة في الوطن العربي، وامتد هذان الطريقان لحد اليوم، وهنالك الآن جملة من الروائيين المهمين محليا وعربيا، منهم أميرة غنيم وشكري المبخوت والحبيب السالمي، ولكن نعود إلى هذه القطيعة الحاصلة مع المشرق وخاصةً مع مصر، فإن هذه الأعمال لا تروج معهم.
> يبدو أنك منشغل أكثر بالتنظير الأدبي مقارنة بالمتابعة النقدية للإصدارات الإبداعية الجديدة... إلى أي حد يبدو ذلك الانطباع صحيحا؟
- هو صحيح إلى حد ما، فأنا رغم انشغالي بالتنظير ومحاولة اختبار جملة من الأدوات السردية الفاعلة في دراسة الخطاب القصصي، إلا أني أجتهد في مواكبة الأعمال القصصية والروائية قدر الإمكان، وأنشر هذه المقاربات في عدد من الصحف والمجلات.
انشغالي بالتنظير لا يعطل مواكبتي لعديد الأعمال السردية الحديثة التي أواكب بعضها، فالتنظير بالنسبة إلى عامل هام جدا به يمكن أن أمتلك حادث الأدوات لمزيد فهم الخطاب السردي وبيان سماته وخصائصه.
> إذن... كيف ترى الاتهام المزمن لكم معشر النقاد بأنكم «مقصرون» في تقديم الأعمال الإبداعية الجديدة؟
- فعلا هنالك تقصير بيّن من النقاد الجامعيين تحديدا، وذاك راجع إلى جهل أغلبهم بحدود النقد وطرق إعماله، ولذلك يفضلون الموت في أوراق الطلبة أو تحبير كتب مليئة بالشكليات والنقول والأسماء التي لا يدركون أغلبها.
ولكن، ليس على الناقد أن يقدم جميع الأعمال الإبداعية الجديدة، ولكن عليه في الوقت نفسه أن يقول قوله فيما يتسنى له أن يطلع عليه من أعمال أدبية، وفي هذا الجانب فإن النقد العربي مقصر، ولكن تقصيره موصول بعدد من الصعاب التي تخرج أحيانا عن نطاقه، أولها أن الحياة الأكاديمية تقتل كل نفس إبداعي نقدي وتشجع على الاجترار والتحول إلى ورقة عقيمة، الثانية أن المؤسسات الناشرة ما زالت ضعيفة ولا تتعامل مع النقد العالمي لتقديم الأعمال والترويج لها وإدراك منزلتها، وثالثها أن أغلب المؤسسات الثقافية والعلمية لا تهتم بهذا الأمر، ولذلك يكون جهد مواكبة الناقد الأكاديمي للأعمال الأدبية هو جهد ذاتي خاص.



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended