الروس أمام خيارين... «قوة عظمى» أم دولة «طبيعية» تمتلك اقتصاداً ناجحاً؟

أطلقت روسيا مناورات «الردع الاستراتيجي» بإشراف بوتين من غرفة مراقبة خاصة في الكرملين (أ.ف.ب)
أطلقت روسيا مناورات «الردع الاستراتيجي» بإشراف بوتين من غرفة مراقبة خاصة في الكرملين (أ.ف.ب)
TT

الروس أمام خيارين... «قوة عظمى» أم دولة «طبيعية» تمتلك اقتصاداً ناجحاً؟

أطلقت روسيا مناورات «الردع الاستراتيجي» بإشراف بوتين من غرفة مراقبة خاصة في الكرملين (أ.ف.ب)
أطلقت روسيا مناورات «الردع الاستراتيجي» بإشراف بوتين من غرفة مراقبة خاصة في الكرملين (أ.ف.ب)

قد تكون المناورات «النووية» التي أطلقتها القوات الروسية أمس، في البحر الأسود، حملت رسائل إلى الغرب، تحديداً إلى الولايات المتحدة وحلف الأطلسي، وكذلك إلى البلد الجار أوكرانيا، الذي يبدو مستقبله السياسي وسلامة ما تبقى من أراضيه معلقاً بيد الكرملين، ومدى قدرة الأطراف الغربية على لجم طموحاته، أو التوصل إلى صفقات مرضية معه.
لكن هذه المناورات بتوقيتها، في غمار المواجهة الحالية المتفاقمة حول أوكرانيا، وكذلك بحجمها غير المسبوق، لجهة أنها شملت الأسلحة الاستراتيجية بطرازاتها النووية والتقليدية، وبتسميتها اللافتة «الردع الاستراتيجي» المستعارة من مصطلحات عهود «الحرب الباردة»، ليست موجهة بالتأكيد إلى الداخل الروسي. إذ لا يحمل إطلاق الصواريخ العابرة للقارات والقادرة على حمل رؤوس مدمرة، رسائل تهم ملايين الروس الذين أرهقهم، كما دلت استطلاعات، أن يعيشوا دائماً في دوامة مواجهة مع طرف خارجي، بينما يتطلعون لتحسين أحوالهم المعيشية.
بدأ التركيز على «عنصر القوة» في خطاب الرئيس فلاديمير بوتين السياسي الداخلي منذ عام 2012 عندما كان استعاد مفتاح الكرملين بعد «إجازة» في منصب رئيس الوزراء لمدة أربع سنوات.
بعد انتخابه مجدداً للولاية الثالثة في ذلك الحين، كتب بوتين مقالة مطولة نشرتها صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الحكومية، وكان التركيز الأساسي فيها على استراتيجية استعادة القوة العسكرية وإعادة تحويل روسيا إلى دولة عظمى بالمفهوم الحربي. أو بتعبير أدق كما ردد الرئيس، فإن الهدف «استعادة وضع روسيا بين أقوى خمس دول في العالم».
شرح الرئيس في مقالته التي سرعان ما تحولت إلى «خريطة طريق» رئيسية لتنفيذ أهدافه، أن «العالم يتغير. وعمليات التحول العالمي الجارية محفوفة بمخاطر ذات طبيعة جديدة، وغالباً ما تكون غير متوقعة. وفي سياق الاضطرابات الاقتصادية العالمية وغيرها من الاضطرابات، هناك دائماً إغراء لحل مشاكلك على حساب أطراف أخرى، من خلال الضغط القوي». هذه المقدمة توصلت سريعاً إلى استنتاج «لا ينبغي أن تكون هناك مثل هذه الاحتمالات ولا يمكن أن نسمح لأي طرف باستغلال نقاط ضعفنا، لهذا السبب لن نتخلى تحت أي ظرف من الظروف عن إمكانات الردع الاستراتيجي وسنقويها». قامت فكرة الرئيس على أن بلاده «لن تكون قادرة على تعزيز مكانتها الدولية، وتطوير الاقتصاد والمؤسسات الديمقراطية، إذا لم نتمكن من حماية روسيا. إذا لم نحسب مخاطر النزاعات المحتملة، وإذا لم نضمن الاستقلال التكنولوجي العسكري ولم نعدّ رداً عسكرياً مناسباً على تحديات معينة». في تلك الفترة، أطلق بوتين برنامجاً ضخماً لتطوير المؤسسة العسكرية الروسية بموازنة أولية بلغت 23 تريليون روبل. هذا الرقم لم يلبث أن تضاعف خلال السنوات اللاحقة.
وكان لافتاً أن بوتين في خطته الطموحة وضع كل اعتبارات القوة في المجال العسكري، وحتى عندما تحدث عن التعليم والصحة ركز على القطاعات التي تخدم «الهدف الاستراتيجي» الأعلى، وهو النهوض بالمجمع الصناعي العسكري الروسي. وبالمناسبة، لم تكد تمر سنوات بعد ذلك حتى ظهرت نتائج هذا البرنامج، من خلال تعزيز وضع «الثالوث النووي» الذي يضم حاملات الرؤوس النووية براً وبحراً وجواً، وإنتاج جيل جديد من الصواريخ فرط صوتية التي تمت تجربة بعضها ميدانياً أخيراً في مناورات عدة بينها تدريبات في سوريا والبحر المتوسط. لا شك أن جانباً من شعار «استعادة القوة» ورد الاعتبار لهيبة روسيا التي مرت بسنوات من المهانة بعد انهيار الدولة العظمى، وجد قبولاً لدى فئات واسعة من المجتمع. وحمل نوعاً من التعويض المعنوي والوطني عن سنوات من الذل والمهانة. وهو أمر انعكس في بعض دراسات الرأي العام التي دلت على أن 44 في المائة من المواطنين يثقون بقدرات جيشهم و42 في المائة يثقون بخطوات الرئيس بوتين. لكن في المقابل، بدا من استطلاعات الرأي أن الرهان على القوة لا يدخل على لائحة أولويات غالبية الروس، الذين يفضلون لبلادهم مساراً آخر.
فضلاً عن أن غالبية ساحقة من الروس وصلت إلى نسبة 80 في المائة، وفقاً لدراسة أعدها مركز «ليفادا»، لا يبدون اهتماماً كبيراً بالسياسة، ولا يفهمون تماماً أسباب بناء تحالفات مع هذا الطرف أو ذاك، أو الانقلاب على تحالفات في حالات أخرى. وفي حالات كثيرة تبدو تحركات السياسة الروسية في تناقض مع «المزاج الشعبي»، ومثلاً: تواظب الدعاية الرسمية على وصف العلاقة مع الصين بأنها «تحالف استراتيجي» ضد أخطار خارجية مشتركة، بينما تعج وسائل التواصل الاجتماعي الروسي باتهامات للصين بأنها تقضم تدريجياً مناطق الشرق الأقصى، التي غدت مساحات لسيطرة صينية كاملة، لدرجة أن الروس لا يجدون فرص عمل فيها. أيضاً، لم يفهم كثيرون في 2008 سبب الحرب مع جورجيا أو نتائجها، باستثناء نوع من التذمر، لأن روسيا «سيكون عليها» أن تتحمل مسؤوليات اقتصادية عن إقليمين جديدين هما أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
وفي 2014 بلغت مشاعر العزة الوطنية أوجها عند «استعادة» القرم التي تحظى بمكانة تاريخية خاصة لدى الروس، لكن سرعان ما برزت بعد سنوات أسئلة حول «ماذا جنت البلاد من هذا الضم»؟
وفي عودة لمفهوم القوة، يبدو التباين شاسعاً في التعامل مع الأولويات المتعلقة بهذا الملف. ووفقاً لنتائج استطلاع واسع أجري في العام الماضي، قال ثلثا الروس إنهم يرغبون في رؤية بلادهم «دولة ذات مستوى معيشي مرتفع، حتى لو لم تكن واحدة من أقوى الدول في العالم». يعد هذا أعلى رقم مسجل منذ عام 2003 في إطار السؤال عن موقف المواطنين من «قوة البلاد» في إطار الاستطلاع نفسه، انخفضت نسبة أولئك الذين يرغبون في رؤية روسيا على أنها «قوة عظمى» تحترمها وتخشاها الدول الأخرى إلى 32 في المائة، وهذا الحد الأدنى منذ انهيار الدولة العظمى في السابق.
لا شك أن ذروة مزاج «القوة العظمى» برزت في مارس (آذار) 2014، بالتزامن مع ما يسمى «ربيع القرم» في ذلك الوقت، وفقاً لنتائج دراسة استقصائية عرض فيها علماء الاجتماع الاختيار بين «قوة عظمى محترمة ويخاف منها الآخرون»، أو «دولة عادية ذات مستوى معيشي مرتفع»، أطلق 48 في المائة من الروس على أنفسهم أنصار «القوة العظمى».
عموماً تدل دراسات على أنه منذ عام 2015، تزداد تدريجياً نسبة أولئك الذين يريدون رؤية روسيا دولة ذات مستوى معيشي مرتفع، وإن لم تكن الأقوى. وصل هذا الرقم الآن إلى الحد الأقصى في إحدى دراسات «مركز ليفادا» في أغسطس (آب) الماضي، إلى 66 في المائة. حيث وجدت الدراسة أن «الناس أصبحوا أقل استعداداً للتضحية برفاههم الداخلي من أجل السياسة الخارجية».
اللافت أنه إلى جانب الرغبة في مستوى معيشة مرتفع، يميل الرأي العام الروسي بشكل ملحوظ نحو الاقتصاد المخطط. وهذا مفهوم في مقابل المعاناة من الفساد وتراكم الثورات في أيدي فئات محدودة. لكن الاستقرار المجتمعي والمعيشي مضمون للجميع.
المثير أن الخبراء لا يرون تناقضاً بين الحنين إلى الدولة السوفياتية وتفضيل الرفاهية المعيشية على القوة العسكرية.
وقال أحد علماء الاجتماع لصحيفة روسية قبل شهور، إن الروس عموماً لا يرون قدرة على توحيد مفهومي القوة العظمى والمستوى المعيشي الجيد، وهما «خطان متوازيان لا يتقاطعان» و«ليس ممكناً هنا تكرار تخيل المواطن الروسي عن الولايات المتحدة».
وزاد أنه لذلك، فإن بعض فئات المجتمع باتت تنكر فكرة القوة وترفضها، بينما تنطلق فئات أخرى من أن «المواطن يفضل تحسين الوضع المعيشي، لكن إذا كنا نتحدث عن أن البلد لم ينجح في السياسة الداخلية، فلا يوجد ما يدعو للفخر من حيث الرفاهية والرعاية الشخصية، يبقى أن نفخر بعظمة البلاد. نعم، نحن فقراء، لكننا قوة عظمى».



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».