مناورات «الردع الاستراتيجي» الروسية تفاقم التوتر... وكييف تلوّح بالعودة إلى «النادي النووي»

تواصل عمليات الإجلاء في شرق أوكرانيا وتبادل اتهامات بالتصعيد

التدريبات شملت إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة من طرازات «كينجال» و«كاليبر» و«إسكندر» و«يارس» و«سينيفا» (إ.ب.أ)
التدريبات شملت إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة من طرازات «كينجال» و«كاليبر» و«إسكندر» و«يارس» و«سينيفا» (إ.ب.أ)
TT

مناورات «الردع الاستراتيجي» الروسية تفاقم التوتر... وكييف تلوّح بالعودة إلى «النادي النووي»

التدريبات شملت إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة من طرازات «كينجال» و«كاليبر» و«إسكندر» و«يارس» و«سينيفا» (إ.ب.أ)
التدريبات شملت إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة من طرازات «كينجال» و«كاليبر» و«إسكندر» و«يارس» و«سينيفا» (إ.ب.أ)

فاقمت مناورات «الردع الاستراتيجي» التي أجرتها موسكو أمس، بإشراف الرئيس فلاديمير بوتين من تعقيد الوضع حول أوكرانيا بعدما قال مسؤولون في كييف إن موسكو هدفت إلى توجيه رسائل إلى الغرب والتلويح بقدراتها النووية. ومع اتجاه الأنظار إلى الوضع الميداني وتواصل عمليات إجلاء المدنيين، من مناطق في إقليمي دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا، تبادلت كييف اتهامات مع الانفصاليين في الإقليميين بتصعيد الوضع عسكرياً مع بروز معطيات عن تزايد عمليات القصف على طرفي خطوط التماس.
وأطلقت روسيا المناورات التي تعد الأوسع أمس، بإشراف بوتين الذي تابع مع نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو سير التدريبات من غرفة مراقبة خاصة في الكرملين. وأكد وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أن التدريبات شملت محاكاة استخدام أسلحة نووية.
وخاطب شويغو الرئيس الروسي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، خلال التدريبات مشيراً إلى أنه «يجري اختبار عمليات التحكم بالأسلحة النووية والأسلحة ذات الخطورة المحتملة المتزايدة، ضمن إطار غرفة عمليات موحدة».
وأصدر الكرملين في وقت لاحق بياناً أفاد فيه بأن التدريبات شملت إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة من طرازات «كينجال» و«كاليبر» و«إسكندر» و«يارس» و«سينيفا».
ولفت الديوان الرئاسي إلى أن التدريبات جرت وفقاً لخطط معدة مسبقاً بهدف اختبار جاهزية آليات التحكم والتوجيه والإدارة العسكرية وطواقم الإطلاق والسفن والغواصات، بالإضافة إلى التأكد من موثوقية الأسلحة بحوزة القوات الاستراتيجية النووية والتقليدية في الجيش الروسي. وشاركت في المناورات وحدات القوات الجوفضائية وقوات المنطقة العسكرية الجنوبية والقوات الاستراتيجية الروسية وأسطولي البحرين الشمالي والأسود في الجيش الروسي. وتم خلالها إطلاق صواريخ عابرة للقارات ومجنحة نحو أهداف في أقصى الشرق الروسي وفي جنوب البلاد، وإطلاق سفن وغواصات تابعة لأسطولي البحرين الشمالي والأسود صواريخ مجنحة من طراز «كاليبر» وصاروخ فرط الصوتي من طراز «تسيركون» على أهداف بحرية وبرية. إضافة إلى إطلاق صاروخ مجنح من طراز «إسكندر» في معسكر كابوستين يار في مقاطعة أستراخان جنوب روسيا.
وأعلن الكرملين تحقيق «كل الأهداف» الموضوعة للتدريبات، لافتاً إلى أن جميع الصواريخ ضربت أهدافها بدقة.
وأثارت المناورات قلقاً أوكرانياً بسبب تزامنها مع تفاقم التوتر في المناطق الحدودية، ورأت كييف أن موسكو هدفت من خلال توقيت إجراء المناورات إلى توجيه رسالة إلى الغرب بحجم قدراتها النووية الرادعة، وأنها لن تتورع عن استخدام الوسائل العسكرية لتسوية الأزمات السياسية.
في الوقت ذاته لوحت كييف بفكرة العودة إلى «النادي النووي» وقال الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي إنه سيبدأ مفاوضات بين المشاركين في مذكرة بودابست حول ضمانات الأمن. في إشارة إلى المذكرة التي تخلت بموجبها أوكرانيا في العام 2004 عن ترسانتها النووية وأعلنت اعتمادها عسكرياً بشكل كامل على القدرات التقليدية. ولفت زيلينسكي إلى أنه سوف يبدأ «مشاورات في إطار مذكرة بودابست. وقد أصدرت تعليمات لوزير الخارجية بدعوة الأطراف إلى الانعقاد»، مشيراً إلى أن كييف حصلت بموجب المذكرة على ضمانات دولية بحماية أمنها ووحدة أراضيها وأن روسيا طرف في هذه الضمانات. وزاد: «حالياً لا توجد ضمانات أمنية لبلدنا، لذلك فإن أوكرانيا لديها كل الحق في الاعتقاد بأن مذكرة بودابست لا تعمل، وسيتم التشكيك في جميع قرارات المجموعة لعام 1994».
في غضون ذلك، تواصلت عمليات إجلاء المدنيين من إقليمي لوغانسك ودونيتسك وسط تزايد المعطيات عن تصاعد حدة تبادل القصف بين القوات الحكومية الأوكرانية والانفصاليين في المنطقتين. وبرغم أن كييف نفت صحة أنباء قدمها الانفصاليون حول قيامها بقصف أهداف داخل لوغانسك ودونيتسك، لكنها في الوقت ذاته اتهمت القوات في الإقليمين بتنفيذ «هجمات استفزازية باستخدام قذائف وصواريخ» وأعلنت في وقت لاحق أمس، عن مقتل جندي أوكراني قرب خطوط التماس بسبب عمليات القصف.
في المقابل، قال مسؤولون عسكريون في دونيتسك: «قوات الأمن الأوكرانية قصفت قرى على خطوط التماس للمرة الخامسة خلال الليل، وأطلقت 20 قذيفة من عيار 82 ملم». ووفقاً لمعطياتهم فقد تعرضت محطة لضخ المياه في دونيتسك لأضرار نتيجة القصف.
وحذرت سلطات دونيتسك من خطر انقطاع إمدادات المياه عن 40 نقطة سكانية.
في الأثناء، تواصل إجلاء المدنيين نحو الأراضي الروسية، وأبلغت «الشرق الأوسط» مصادر على النقطة الحدودية مع دونيتسك أن نحو 80 أتوبيساً عبرت الحدود خلال ليلة السبت، وزادت أن العدد الإجمالي لمن تم إجلاؤهم بلغ نحو 7 آلاف نسمة نصفهم من الأطفال. وبات معلوماً أن السلطات الانفصالية تقوم بإجلاء عائلات العسكريين ودور الأيتام ومراكز رعاية الأطفال.
وأعلنت وزارة الطوارئ الروسية أنه سيتم توزيع اللاجئين من دونباس في سبع مناطق في روسيا منوهة بأن 26 منطقة في روسيا مستعدة لاستقبال اللاجئين من دونباس بسبب التصعيد في شرق أوكرانيا. وأعلنت السلطات الروسية عن فرض حالة الطوارئ في منطقة روستوف بسبب توقعات بزيادة معدلات تدفق اللاجئين. في حين أعلنت وزارة الطوارئ في دونيتسك، أنها تخطط لإجلاء نحو 700 ألف من السكان إلى روسيا، علماً بأن عدد سكان دونيتسك يناهز مليون نسمة في حين أن عدد سكان لوغانسك يصل إلى 400 ألف نسمة. لكن اللافت أنه برغم تأكيد قيادتي الإقليمين على توسيع عمليات الإجلاء لكن الوضع في المنطقة الحدودية أمس، كان هادئاً نسبياً، ولم تظهر طوابير طويلة من اللاجئين أو ارتباك في عمليات دخول نحو 80 أتوبيساً من المنطقة الحدودية.
وكانت موسكو قد أعلنت عن تخصيص مبلغ 10 آلاف روبل (150 دولاراً) لكل شخص يعبر الحدود من شرق أوكرانيا، وتعهدت وزارة الطوارئ بتأمين الرعاية والسكن للقادمين.
في الأثناء، أعلن مراقبو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أنهم لاحظوا «زيادة كبيرة في انتهاكات وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، حيث يتواجه انفصاليون موالون لروسيا مع القوات الأوكرانية منذ 2014».
وأشارت المنظمة في بيان إلى أن مراقبيها «لاحظوا زيادة كبيرة» في الأعمال المسلحة على طول خط الجبهة، مضيفة أن «هناك حالياً عدداً من الحوادث يعادل عدد تلك التي وقعت قبل الاتفاقية التي تم توقيعها في يوليو (تموز) 2020 لتعزيز وقف إطلاق النار».
وقال المراقبون إنهم أبلغوا منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عن «222 انتهاكاً لوقف إطلاق النار يوم الخميس على خط الجبهة في منطقة دونيتسك التي يسيطر عليها انفصاليون موالون لروسيا، بما فيها 135 انفجاراً، مقابل 189 الأربعاء و24 الثلاثاء». أعلنت وزارة الطوارئ الروسية أنه سيتم توزيع اللاجئين من دونباس في 7 مناطق في روسيا على ضوء التصعيد في شرق أوكرانيا وتدفق المزيد من اللاجئين.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».