الرئيس الأوكراني يقلب الطاولة على حلفائه الغربيين

«الضيف الملك» في مؤتمر ميونيخ يشن هجوماً لاذعاً عليهم ويتهمهم بعدم تقديم ضمانات أمنية كافية

رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن يرحب بالرئيس الأوكراني «الضيف الملك» لهذا العام (رويترز)
رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن يرحب بالرئيس الأوكراني «الضيف الملك» لهذا العام (رويترز)
TT

الرئيس الأوكراني يقلب الطاولة على حلفائه الغربيين

رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن يرحب بالرئيس الأوكراني «الضيف الملك» لهذا العام (رويترز)
رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن يرحب بالرئيس الأوكراني «الضيف الملك» لهذا العام (رويترز)

قلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الطاولة على حلفائه الغربيين، وشن هجوماً لاذعاً عليهم لعدم تقديم ضمانات أمنية كافية لأوكرانيا لحمايتها من روسيا. ورغم أن زيلينسكي كان «الضيف الملك» في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، خصوصاً أن روسيا غابت كلياً عن المؤتمر، إلا أنه لم يتردد بانتقاد الأوروبيين والأميركيين بشكل قاسٍ. واعتلى الرئيس الأوكراني بعد الظهر منبر المؤتمر بعد كلمات لزعماء غربيين منذ الصباح تتعهد بإنزال أشد العقوبات بروسيا في حال غزت أوكرانيا، لينتقد الدعم العسكري الغربي المقدم لبلده وتردد حلف الناتو بضم أوكرانيا له.
ورغم التصفيق الحار الذي استقبله به الحضور الذي كان بمعظمه غربياً، فقد بدأ زيلينسكي بتذكير الأوروبيين بأن أي حرب على بلاده ستكون حرباً على أوروبا، ليضيف بأن أوكرانيا لا تريد أن «تترجى» الدول لإرسال أسلحة إليها لكي «تحمي بها حدود أوروبا». وفي هذا انتقاد مباشر لألمانيا التي ما زالت ترفض توريد السلاح لأوكرانيا «لأسباب تاريخية» كما كرر المستشار الألماني أولاف شولتز ووزيرة خارجيته أنالينا بيربوك قبله أول من أمس. ووجه زيلينسكي كذلك انتقادات حادة للناتو الذي قال بأنه لا يعطي أوكرانيا رداً واضحاً ولا تاريخاً محدداً حول ضمه. وكذلك اتهم الأطراف الغربية بعدم الجدية في الكلام عن العقوبات لأنها «تنتظر لاندلاع حرب» قبل أن تخضع روسيا لها. وكانت ألمانيا المتلقي الأكبر للكدمات من الرئيس الأوكراني، كون مستشارها قال صباحاً بأن مسألة ضم أوكرانيا للناتو غير مطروحة اليوم في محاولة لمد يده لروسيا وإقناعها بالتجاوب مع الدبلوماسية. وكذلك الانتقادات وجهت لألمانيا لعدم إعطائها إشارات واضحة حول استعدادها لوقف مشروع نورد ستريم ٢ الذي يصل الغاز الروسي مباشرة إليها مع تفادي خطوط العبور الأوكرانية.
وقبل كلمة زيلينسكي، وفيما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعرض قوته العسكرية البرية والبحرية بإشرافه شخصياً على تدريبات عسكرية روسية - بيلاروسية مشتركة، حشدت الدول الغربية أشد التحذيرات لهجة حتى الآن موجهة لسيد الكرملين وهددته بعقوبات مؤلمة ستخرج روسيا من السوق المالية العالمية وتبعات عسكرية لا يتوقعها، في حال نفذت «مغامرتها» العسكرية وغزت أوكرانيا.
وتداول زعماء غربيون على منبر مؤتمر ميونيخ للأمن لتوجيه التحذيرات لموسكو، وفيما خرجت أقساها من رئيس الحكومة البريطاني بوريس جونسون اعتمد المستشار الألماني أولاف شولتز لجهة أقل تهديداً محاولاً التركيز على الجهود الدبلوماسية لتفادي حرب «على أوروبا».
والتقى الزعماء في تقديرات بأن الحشود العسكرية الروسية على الحدود مع أوكرانيا، هي الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما كرره أمين عام حلف الناتو يانس شتولتنبيرغ ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي بدت في كلمتها كأنها عادت لتلبس رداء وزيرة الدفاع، وهو المنصب الذي تركته في برلين لتستلم منصبها كرئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل.
واتهمت فون دير لاين روسيا والصين بسعيهما لتغيير نظام الأمن العالمي، وقالت إن أوروبا يجب أن تكون مستعدة للرد، مضيفة أنه «إذا قرر الكرملين توجيه ضربة عسكرية فسنفرض عليه عقوبات موجعة ستهدد تطور روسيا الاقتصادي». وألمحت فون دير لاين كذلك إلى ضرورة تخفيف أوروبا عن اعتمادها على الغاز الروسي، وقالت: «لا لا يمكننا أن نبقى معتمدين على غاز يأتينا من بلد يهدد بحرب ضدنا». وأشارت إلى أن شركة غازبروم الروسية التي تصدر الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا حالياً، تبيع الأوروبيين «أقل كمية ممكنة من الغاز» ووصفت هذا التصرف من قبل شركة بأنه «غريب»، لتضيف بأنه من الواضح أن روسيا تتلاعب بسوق الغاز الأوروبية. ورغم أن فون دير لاين لم تشر تحديداً إلى مشروع غاز نورد ستريم ٢ الذي يصل الغاز الطبيعي مباشرة من روسيا إلى ألمانيا وانتهى العمل به ولكنه لم يبدأ ضخ الغاز عبره بعد، فإن الضغوط على الحكومة الألمانية تتزايد لوقف المشروع نهائياً.
وكررت نائبة الرئيس الأميركي كاملا هاريس التحذيرات الشديدة اللهجة لروسيا وهددتها بعقوبات اقتصادية «لم يسبق لها مثيل» في حال غزت أوكرانيا، وقالت: «لقد أعددنا عقوبات اقتصادية سريعة وموحدة مع شركائنا تتضمن عقوبات مالية وعقوبات على التصدير وكذلك عقوبات تستهدف أشخاصاً يجب أن يتعرضوا للمساءلة والمحاسبة». واتهمت هاريس روسيا بشن حرب إعلامية وبروباغندا «لتبرير اعتدائها» المرتقب، وقالت: «لدينا تقارير تشير إلى ما يبدو أنها استفزازات روسية ونشر أكاذيب حول أوكرانيا بهدف تبرير غزو». وأضافت أن روسيا تكرر استعدادها للحوار ورغم ذلك «تتصرف بشكل مناقض وتستمر بتقليص الطرق الدبلوماسية». وشددت نائبة الرئيس الأميركي على أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والناتو ما زالوا يسعون بجهد لحل التصعيد دبلوماسياً، ولكن هذه الجهود لم تلق تجاوباً من موسكو حتى الآن.
وتحدث جونسون من جهته باللهجة نفسها وحتى أكثر تصعيداً، وكرر بأن روسيا ستواجه بعقوبات وخيمة ستجعلها غير قادرة على البقاء في السوق المالية في لندن. وذهب جونسون أبعد من ذلك بالقول إن روسيا ستتكبد ثمناً عسكرياً باهظاً لو قررت الغزو، محذراً من أن هذه العملية تهدد بإشعال عمليات انتقامية ضدها متسائلاً كيف ستتمكن موسكو من حكم أوكرانيا بالقوة، ليضيف بأن «روسيا ستفشل» لو قررت غزو أوكرانيا، وأنها «لا يمكنها أن تكسب شيئاً من مغامرة غير محسوبة». وحث أوروبا على التفكير بمستقبل «لا تكون فيه رهينة لغاز بوتين» وأن هناك حاجة للتفكير في «الأيام والأشهر القادمة» عن حلول بديلة «باهظة أكثر» ولكنها ضرورية. ووصف الأسباب التي تعطيها روسيا لحشدها العسكري ومخاوفها من توسع حلف الناتو بأنها «أوهام»، وقال: «هي حلف دفاعي مسالم ويجب أن نعمل مع بوتين لتأكيد ذلك».
أما المستشار الألماني فقد بدا أكثر هدوءاً في تقييمه للحشود العسكرية الروسية، رغم تحذيره بأن «أوروبا مهددة بحرب جديدة». وفيما بدا بأنه تشكيك بتقييم البيت الأبيض وكلام الرئيس الأميركي جو بايدن بأن روسيا ما زالت تعد لغزو أوكرانيا خلال أيام، قال: «لا أحد يعرف تحديداً» كيف تفكر روسيا. وشدد على ضرورة بذل كل الجهود الدبلوماسية لتخفيف التصعيد وقال في إشارة إلى التبريرات الروسية، إن «بوتين يعرف أن ضم أوكرانيا إلى الناتو لن يحصل قريباً ولكن هو يجادل بأن وضع ذلك على الأجندة يعتبر تهديداً، وهو مخطئ».
وشدد شولتز على أن الحوار مع روسيا الغائبة عن مؤتمر ميونيخ، يجب أن يركز على التأكيد على هذه النقطة. ووصف شولتز كلام بوتين عن «مجازر» تجري في إقليم دونباس بأنها «هراء كامل»، في خروج نادر عن الدبلوماسية للمستشار الألماني.
وتقع دونباش في شرق أوكرانيا وتشهد اشتباكات منذ عام ٢٠١٤ بين متمردين يؤيدون الانفصال عن أوكرانيا ويحظون بدعم من موسكو، وبين أولياء لكييف. وردت الخارجية الروسية لاحقاً على كلام شولتز حول دونباس، وقالت بأن وصفه «المجازر» هناك بـ«الهراء» هو أمر «غير مقبول»، وأنه «لا يجب على القيادة الألمانية أن تسخر من هذه القضايا مع مراعاة التجربة التاريخية لألمانيا في قضايا المذابح ضد الناس وانتشار الآيديولوجية الكارثية للبشر»، في إشارة إلى الهولوكست.
ومن بين كل هذه التصريحات الغربية التي طغت هذا العام على مؤتمر الأمن، برزت كلمة وزير الخارجية الصيني وانغ يي الذي تحدث عبر دائرة الفيديو واضطر للاعتذار عن المشاركة الشخصية بسبب استمرار الألعاب الأولمبية في الصين، بحسب منظمي المؤتمر. وشدد على أن بلاده تدعم «استقلال وسيادة كل دولة من بينها أوكرانيا»، مضيفاً أن «أي شخص يشكك بموقف الصين من ذلك يكون يقوض كلامها ولديه نوايا سيئة». وكانت الصين قد نشرت بياناً مشتركاً مع روسيا قبل أسبوعين تنتقد فيها «مساعي حلف الناتو للتوسع»، وعندما سئل يي عن ذلك، قال بأن هذا الانتقاد لم يكن سببه عدم تأييد الصين لسيادة أوكرانيا على أراضيها، بل «لأن حلف الناتو كان نتيجة الحرب الباردة التي انتهت منذ فترة طويلة، مضيفاً أن الوقت حان للتفكير في الحلف مجدداً. وعاد ليتحدث عن التصعيد الروسي وقال إن الدبلوماسية في هذه المسألة يمكنها أن تحل الأزمة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».