(حوار سياسي): التزام أميركي بـ«محاسبة المسؤولين عن الفظائع» في سوريا

إيثان غولدريتش قال لـ«الشرق الأوسط» إن {حزب الله منظمة إرهابية مكرسة لتعزيز أجندة إيران الخبيثة}

إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
TT

(حوار سياسي): التزام أميركي بـ«محاسبة المسؤولين عن الفظائع» في سوريا

إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)
إيثان غولدريتش (الخارجية الأميركية)

لا تغيير في الموقف الأميركي من التطبيع مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد... هذا ما يؤكده المبعوث الأميركي إلى سوريا نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي، إيثان غولدريتش، في حوار مع «الشرق الأوسط»، داعياً إلى التركيز على المساءلة عن الفظائع التي ارتكبها النظام، وعلى أهمية القرار الدولي 2254 في ضمان الاستقرار المستقبلي في سوريا، وهو ما بحثه في جولة له في المنطقة مؤخراً. ووصف غولدريتش الحالة في لبنان بأنها «مثيرة للقلق»، مشيراً إلى «مساعدة الشعب اللبناني بطريقة تتسق مع القانون الأميركي». واستعرض المسؤول الأميركي دور الوجود الإيراني في زعزعة استقرار سوريا ولبنان ودور «حزب الله» في ترسيخ «الأجندة الخبيثة» لطهران.
أكد غولدريتش، في بداية الحوار، أن موقف بلاده «لم يتغير من التطبيع مع نظام الأسد. نحن لم ولن ندعم أي جهد لتطبيع العلاقات مع نظام بشار الأسد أو إعادة تأهيله. لم تتغير عقوباتنا الحالية على نظام الأسد. كما أننا ما زلنا نفرض عقوبات جديدة ومحددة الغرض على نظام الأسد كي نوضح التزامنا بحقوق الإنسان وبقانون قيصر. نُذكّر جميع الدول، لا سيما تلك التي تنظر في الارتباط بنظام الأسد، بأن تنتبه بعناية إلى الفظائع التي ارتكبها نظام الأسد ضد الشعب السوري على مدى العقد الماضي، بما في ذلك الهجمات بالأسلحة الكيميائية واختفاء أكثر من 100 ألف رجل وامرأة وطفل وسجنهم بصورة غير قانونية، وبالتالي فإننا نحض على مواصلة التركيز على المساءلة».
- العملية السياسية والقرار 2254
وعن العملية السياسية التي يُتهم نظام الأسد بعرقلتها والبدائل المتوافرة لواشنطن، رأى غولدريتش أنه «عندما يتعلق الأمر بإيجاد حل سياسي للشعب السوري، بعد أكثر من عقد من الحرب، كان نظام الأسد دون شك أكبر عقبة أمام التقدم على ذلك المسار. وكانت النتيجة المخيّبة للآمال التي أسفرت عنها الجولة السادسة من مناقشات اللجنة الدستورية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، خير دليل على افتقار النظام إلى النية للتوصل إلى حل سياسي. وفي تلك المناسبة، شعرنا بخيبة أمل خاصة لأن ممثلي نظام الأسد لم يكونوا مخوّلين بإحراز أي تقدم في صياغة نص دستور جديد».
ورأى أن «إحراز تقدم على الجبهة السياسية أمر ممكن. ولا تزال الولايات المتحدة ملتزمة التزاماً قوياً بالحل السياسي للصراع. نعتقد أن العملية المحددة في قرار مجلس الأمن رقم 2254 تبقى المسار الأكثر قابلية للتطبيق لضمان الاستقرار المستقبلي في سوريا، وندعم بقوة جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، غير بيدرسن، لجمع السوريين معاً. وسوف نواصل العمل مع الأمم المتحدة وحلفائها والمعارضة السورية وشركائنا الدوليين لضمان استقرار سوريا في المستقبل... انتهيتُ للتوّ من رحلة إلى عدة بلدان في المنطقة لتعزيز نهج تعاوني لحل الصراع السوري، وتشجيع السبل الخلاقة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254».
- «قيصر» وكهرباء لبنان
وعن استثناءات من «قانون قيصر» وما إذا كانت تخفيفاً للعقوبات، بعد الاتفاق على تزويد لبنان بالكهرباء عبر سوريا، يقول غولدريتش: «كما قلنا مراراً من قبل، لم نرفع أو نخفف العقوبات المفروضة على سوريا. يواجه لبنان أزمة حادة في الطاقة تهدد تقديم الخدمات الحيوية وتتخذ بعداً إنسانياً مهماً. تتركز جهودنا على مساعدة الشعب اللبناني بطريقة تتسق مع القانون الأميركي، ونحن على اتصال وثيق مع حكومات لبنان ومصر والأردن للوقوف على كيفية هيكلة وتمويل ترتيبات الطاقة بشكل أفضل وضمان معالجتها للمخاوف المحتملة من العقوبات». ويضيف: «نواصل العمل بشكل وثيق مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية لضمان الامتثال لبرنامج العقوبات على سوريا».
- محاربة «داعش» بعد مقتل القرشي
وعن استراتيجية محاربة تنظيم «داعش» بعد مقتل زعيمه أبو إبراهيم القرشي، رأى أن «الهجوم على مركز الاحتجاز في الحسكة (سجن الصناعة بحي غويران) كان تذكيراً صارخاً بأن (داعش) لا يزال يشكّل تهديداً لأمن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بمن في ذلك السوريون. كما أظهر قيمة شراكتنا مع قوات سوريا الديمقراطية. إن الجهود الحثيثة والقادرة التي بذلها شركاؤنا المحليون إلى جانب التحالف العالمي لهزيمة (داعش) ضمنت قدرتنا على الحد من شدة الهجوم. ونحن نشيد بعملهم ونقدم تعازينا لأسر الحراس المصابين والقتلى في الهجوم الأوّلي بالقنابل وما تلا ذلك من قتال».
ورأى أن «هجوم الحسكة أكد أيضاً ضرورة ضمان الاحتجاز الآمن لمقاتلي (داعش). من المهم للغاية أن تقوم البلدان الأصلية بإعادة مواطنيها المحتجزين في شمال شرقي سوريا، وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع ومقاضاتهم، حسب الاقتضاء». وأضاف: «أما بالنسبة إلى العملية ضد الإرهابي القاتل، الذي كان القوة الدافعة وراء الإبادة الجماعية للإيزيديين، الزعيم الداعشي أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، فإننا نؤكد مجدداً أنها كانت نصراً مهماً في المعركة العالمية لعرقلة (داعش) وتفكيكه. وكانت العملية جزءاً من مهمة أكبر للتحالف الدولي لهزيمة هذا التنظيم، تقوم بها دول كثيرة لحرمانه من أي سيطرة إقليمية في العراق وسوريا، ومواجهة دعايته وتمويله، وتثبيت المناطق التي تم تحريرها منه لمنع انتشاره. وعلى الرغم من أن هذه كانت ضربة خطيرة للتنظيم، فإن القتال لم ينتهِ بعد. وسوف تواصل الولايات المتحدة وشركاؤنا المحليون والتحالف العالمي لهزيمة (داعش) جهودهم في سوريا إلى أن نضمن الهزيمة الدائمة للتنظيم». وأشار إلى «أننا نحافظ على وجودنا المحدود في شمال شرقي سوريا كجزء من استراتيجيتنا للعمل مع، ومن خلال، قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من الشركاء المحليين لمنع عودة ظهور (داعش)».
- تعزيز المساءلة
أكد غولدريتش أن «التزامنا بتعزيز محاسبة المسؤولين عن الفظائع في سوريا، وتحقيق العدالة لضحاياها، ثابت لا يتزعزع. ويظل تعزيز المساءلة واحترام القانون الدولي من أولويات السياسة الرئيسية لهذه الإدارة. ونعتقد أن الشعب السوري لن ينعم أبداً بسلام مستقر وعادل ودائم من دون مساءلة عن أخطر الجرائم».
وقال: «في أبريل (نيسان) 2021، أيّدت الولايات المتحدة القرار التاريخي للدول الأعضاء الصادر عن مؤتمر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الذي يُدين استخدام سوريا للأسلحة الكيميائية، ويعلق بعض حقوقها وامتيازاتها بموجب الاتفاقية، وتحديداً حقها في التصويت والترشح لمنصب في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية». وتابع أنه للدفع باتجاه المساءلة «تدعم الولايات المتحدة أيضاً العمل المهم الذي تقوم به لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن سوريا، فضلاً عن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، التي تعمل على جمع الأدلة وتوحيدها والحفاظ عليها وتحليلها في ما يتعلق بانتهاكات القانون الإنساني الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزاتها، وإعداد ملفات لتسهيل الإجراءات الجنائية العادلة والمستقلة وتسريعها».
وأعرب عن الترحيب «بالجهود المستمرة التي تبذلها المحاكم الوطنية للتحقيق في الجرائم التي تقع ضمن ولايتها القضائية والتي ارتُكبت في سوريا. نُشيد بالحكم المؤبد الصادر بحق العقيد السابق أنور رسلان في 13 يناير (كانون الثاني) على الجرائم المروعة التي ارتكبها ضد السوريين. كما نرحب بالقبض مؤخراً في فرنسا على مواطن فرنسي سوري مزدوج الجنسية بتهمة التآمر لارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والمشاركة في جرائم حرب في ما يتعلق بدعمه لإنتاج الأسلحة الكيميائية في سوريا».
وقال: «لا يزال برنامجنا الخاص بالعقوبات على سوريا أداة مهمة للضغط من أجل محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، لا سيما نظام الأسد. على سبيل المثال، إن تسميتنا في 7 ديسمبر (كانون الأول) اثنين من كبار ضباط سلاح الجو السوري المسؤولين عن الهجمات بالأسلحة الكيميائية على المدنيين، وثلاثة من كبار الضباط في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية القمعية في سوريا، هي إشارة واضحة إلى التزامنا بالمساءلة والعدالة للشعب السوري. إن تحديد عقوباتنا لا يقتصر على النظام. ففي يوليو (تموز) 2021 صنفت الولايات المتحدة جماعة (أحرار الشرقية) السورية المسلحة للمشاركة في ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، كما فرضت عقوبات على اثنين من قادة الجماعة».
- الوجود الإيراني في سوريا ولبنان
وقال غولدريتش، متحدثاً عن الوجود الإيراني في سوريا ولبنان: «نحن نعارض بشكل أساسي الوجود الإيراني في سوريا. وتهدد الأعمال الإيرانية في سوريا أفراد الولايات المتحدة والتحالف الذين ينفذون الحملة ضد (داعش) والشعب السوري. ويلعب هذا الوجود دوراً مزعزعاً للاستقرار بشكل خاص في البلاد والمنطقة المحيطة بها، مما يقوض احتمالات التوصل إلى حل سلمي للصراع.
وفي لبنان، يقوّض نفوذ إيران عبر شريكها (حزب الله) استقرار لبنان وأمنه، والمنطقة بنطاقها الأوسع أيضاً».
- دور «حزب الله»
وعدّ غولدريتش «الحالة في لبنان مثيرة للقلق». وقال: «اتخذ القادة اللبنانيون لسنوات قرارات اقتصادية مبنيّة على شبكات المحسوبية والصفقات السرية بين الأحزاب السياسية، وليس على ما هو أفضل للشعب اللبناني. لقد انقضى الوقت بالنسبة إلى لبنان، والحكومة اللبنانية في حاجة ماسّة إلى تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتثبيت استقرار الاقتصاد واستعادة ثقة الشعب والمجتمع الدولي. ومن المهم أيضاً أن تُجري السلطات اللبنانية انتخابات حرة ونزيهة في موعدها هذا الربيع».
وأضاف: «فيما يتعلق بـ(حزب الله)، كانت الولايات المتحدة واضحة منذ فترة طويلة بأن أنشطته الإرهابية وغيرها من الأنشطة غير المشروعة تهدد أمن واستقرار المنطقة ولبنان. لقد عرف العالم بشكل متزايد (حزب الله) على ما هو عليه، وليس مدافعاً عن لبنان كما يدّعي، بل منظمة إرهابية مكرسة لتعزيز أجندة إيران الخبيثة. إنه تنظيم أكثر اهتماماً بمصالحه الخاصة ومصالح إيران بأكثر مما هو أفضل بالنسبة للبنان».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.