إسحق هرتسوغ... رجل «التسويات» الذي صار رئيساً لإسرائيل

سليل أسرة سياسية وعسكرية وكهنوتية لامعة

إسحق هرتسوغ... رجل «التسويات» الذي صار رئيساً لإسرائيل
TT

إسحق هرتسوغ... رجل «التسويات» الذي صار رئيساً لإسرائيل

إسحق هرتسوغ... رجل «التسويات» الذي صار رئيساً لإسرائيل

أحد الأسباب الأساسية التي قررت فيها الحكومة الإسرائيلية تسليم «الملف التركي» إلى رئيس الدولة إسحق (يتسحاك) هرتسوغ، يعود إلى استعداده الدائم للتضحية بشخصه لصالح العموم. فرئيس الوزراء نفتالي بنيت يخشى من أن يتلقى صفعة ما في أنقرة. وكذلك وزير الخارجية يائير لبيد. والحكومة بثت تصريحات وتسريبات للإعلام، قالت فيها، إنها «معنية بالتجاوب الإيجابي مع دعوة الرئيس رجب طيب إردوغان لفتح صفحة جديدة في العلاقات، غير أنها تريد أن يتحقق ذلك بمسار بطيء وحذر». وفسّر بعض الناطقين بلسان الحكومة هذا الرأي بأن «إسرائيل، منذ دخولها في أزمة مع تركيا عام 2009، تقيم علاقات وثيقة مع خصمي تركيا، اليونان وقبرص، وطورت علاقاتها لدرجة التحالف الاستراتيجي ولا تريد أن تظهر كمن أجرى انعطافاً في سياسته». لكن آخرين أضافوا تفسيراً آخر أكدوا فيه، أن «ثمة تجربة قاسية مع تركيا في الماضي، حيث إنه بعد كل انفراج في العلاقات بين البلدين كانت تركيا تفاجئ وترسل موجة عاصفة من الهجوم. وهي لا تريد تكرار ذلك».
هنا، دخل هرتسوغ على الخط بقوة. فمع أن منصبه كرئيس دولة، منصب فخري بالأساس، ولا يتمتع بأي صلاحيات سياسية، وافق على أن يتحول إلى عنوان رئيسي لتركيا. وكمحام شاطر، قال، إنه الشخص المناسب لهذه المهمة. فهو رئيس دولة وسيجتمع مع إردوغان نداً لند، حسب البروتوكول، وليس كما يحصل عندما يلتقيه رئيس الحكومة أو وزير الخارجية. وإذا مُني بفشل في أنقرة، فلن تكون تلك مشكلة كبيرة. فهو معتاد على تلقي الصفعات. ولن يتسبب في أزمة. وبالتأكيد هو قادر على تسوية الأزمات.
عُرف عن رئيس الدولة الإسرائيلي إسحق (يتسحاك) هرتسوغ كل عمره بمرونته وتوافقيته العملية. ويصفه عارفوه بأنه شخص قادر على إقامة علاقات مع الجميع، الحلفاء والخصوم، الأقرب والأبعد. ولذا؛ يلقّب في إسرائيل بـ«رجل الكومبرومايز» (التسويات التوافقية).
هرتسوغ لا يمتلك صفات قيادية، بيد أنه تمكّن رغم ذلك من الفوز برئاسة حزب العمل، والتفوق على منافسيه؛ لأنه كان الحل الوسط وسط صراع بين الزعماء القياديين. كذلك استطاع بفضل مرونتها «توافقيته» أن يصبح رئيساً للوكالة اليهودية، التي تهتم بتوحيد صفوف اليهود في العالم أجمع. وحتى في انتخابات رئاسة الدولة (رئاسة الجمهورية)، فاز بأكثرية 87 عضو كنيست مقابل 26 لمنافسته مريم بيريتس؛ ما يعني أنه حصل في التصويت السرّي على أصوات اليمين واليسار والنواب العرب أيضاً.
سياسة إرضاء الجميع
وبالفعل، لم يتأخر هرتسوغ في إرضاء الجميع حال تثبيت أقدامه في الكرسي الرئاسي. فبعد أربعة أشهر من انتخابه، سافر إلى مدينة كفر قاسم العربية، ووقف أمام أضرحة الشهداء واعتذر باسم إسرائيل دولة وشعباً عن المجزرة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1956 وراح ضحيتها 49 فلسطينياً، وطلب العفو من أهالي ضحايا. وقال هرتسوغ باللغة العربية «أحني رأسي أمام الضحايا الـ49، وأمام أبناء عائلاتهم وأمام جميع أهل كفر قاسم، وأطلب العفو باسمي وباسم دولة إسرائيل». وأضاف «أمدّ لكم من أعماق فؤادي يداً مسانِدة ومعاوِنة، متوسلاً لله تعالى أن يكون معكم لتجدوا المواساة لألمكم».
وبعد شهر تماماً، في 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، قام هرتسوغ بزيارة إلى واحدة من أخطر البؤر الاستيطانية في المناطق الفلسطينية المحتلة، يحيط به قادة المستعمرات، واختار إيقاد الشمعة الأولى لـ«عيد الأنوار» (الحانوكاه) فيما يعتبره اليهود «مغارة المكفيلة»، وهي الحرم الإبراهيمي في الخليل. وقال هناك «لا يمكن تجاهل الصلة بين الشعب اليهودي ومدينة الخليل ومغارة المكفيلة وتراث الأجداد، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع المعقد فيها». ثم تابع «هذه الصلة يجب أن تكون فوق أي خلاف بين اليهود. ويجب علينا أن نواصل السعي لتحقيق حلم السلام بين كل الأديان والعقائد في هذه البلاد، وأن ننبذ كافة أنواع العنف والكراهية، متمنياً أن نضيئ البيوت بضوء كبير ونطرد الظلام».
الزيارة إلى كفر قاسم، لقيت ترحيباً كبيراً من اليسار والعرب لدرجة التأثر وإسالة الدموع، وأغضبت اليمين. أما الزيارة إلى المستوطنين في الخليل، فلقيت ترحيباً شديداً وتأثراً كبيراً لحد الدموع بين قادة اليمين والاستيطان، وأشاد به حتى النائب المتطرف بتصلئيل سموتريتش، فشكره «على هذه الخطوة الجريئة». وفي المقابل، استنكر أقطاب اليسار والنواب العرب والقادة الفلسطينيون، خطوته هذه بشدة، وقال النائب أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة للأحزاب العربية - الذي صوّت هو ونوابه مع انتخاب هرتسوغ رئيساً - إن «الرئيس هرتسوغ لم يذهب إلى الخليل لإيقاد الشمعة الأولى بل لإشعال النار في المدينة».
وأما الرئيس، نفسه، فقد عاد من الزيارتين إلى مقر رؤساء إسرائيل مرتاح البال. إذ قام بخطوتين تلائمان شخصيته المركبة، وفي داخله يقول: «إذا كان الأقطاب في اليمين يهاجمونني والأقطاب في اليسار يهاجمونني، إذن أنا أسير في الطريق المستقيمة». ولم ينزعج في الحالتين من الانتقادات الشديدة التي سمعها. بل تعامل معها بمنتهى الهدوء والسكون.
الرئيس «بوغي»
هكذا هو إسحق هرتسوغ. ولعلنا سنشهد الكثير من هذه المواقف له. ومَن يعرف تاريخه والبيئة التي قدم منها، يقول، إن هذه الطريقة هي أكثر ما يميز تطوره في سلالة عائلته المعروفة بشخصياتها القيادية في الحركة الصهيونية ومؤسسات الحكم في إسرائيل.
والدته أورا هرتسوغ، التي توفيت قبل أسابيع، كانت قد أطلقت عليه لقب «بوغي». ولقد رافقه هذا اللقب منذ الطفولة وحتى اليوم. وعندما كان قائداً لليسار، صار اللقب لعنة عليه؛ إذ استخدمه خصومه في اليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو، للسخرية منه وللتقليل من شأنه والإيحاء للمجتمع الإسرائيلي بأنه شخص مدلّل لا يقوى على تحمل المسؤوليات الجسام المترتبة على توليه منصب رئيس الحكومة «ولا يستطيع مواجهة إيران». وقصة اللقب، كما شرحت والدته، جاء من «بوبا»، اللعبة الدمية. وقالت «كان جميل المحيا وذا وجه بريء. وكان والده يطلق عليه اسم (غوغو). ومع الزمن دمجنا الكلتين فصارتا (بوغي)».
ولد إسحق هرتسوغ عام 1960 في تل أبيب واحداً من «أمراء» السياسة الإسرائيلية، فهو من سلالة شخصيات قيادية. والده الجنرال السابق حايم هرتسوغ، المولود في بلفاست عاصمة آيرلندا الشمالية والبولندي الأصل، كان الرئيس السادس لإسرائيل، وأمضى في منصب الرئاسة عشر سنوات (1983 – 1993). وهو نفسه كان ضابطاً في الجيش البريطاني، ثم في التنظيمات الصهيونية المسلحة، ثم في الجيش الإسرائيلي، حيث تولى رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية وبعدها قائداً للواء الجنوبي. وعندما خلع هرتسوغ الأب البزة العسكرية عمل محامياً، ثم اختير سفيراً لإسرائيل في الأمم المتحدة. وفي أواسط سنوات السبعين، يوم اتُخذ قراراً بأن الصهيونية حركة عنصرية، اشتهر كمن مزّق الورقة التي تحمل نص القرار من على منصة الأمم المتحدة. ولاحقاً بات حاييم هرتسوغ، نائباً عن حزب «العمل»، وكان من جناح الصقور في الحزب.
أما الأم، أورا فهي من مواليد مدينة الإسماعيلية، لكنها لم تكن مصرية، بل سافرت عائلتها إلى مصر آتية من يافا، لغرض العمل. وبعد ولادتها انتقلت العائلة إلى القاهرة. وهناك تلقت علومها. ثم تابعت دراستها في جنوب أفريقيا، لاحقاً. وبعد ذلك التحقت بقوات الهاغاناه في فلسطين. وأصيبت في عملية تفجيرية قاسية ببناية الوكالة اليهودية في القدس عام 1948.
أطلق الوالدان على مولودهما اسم إسحق، تيمناً بجده الذي كان رجل دين كبيراً، وتولّى منصب الحاخام الأكبر لليهود الأشكناز في فلسطين. وترعرع إسحق هرتسوغ في تل أبيب، ثم عاش وتلقى دراسته في الولايات المتحدة (جامعة كورنيل وجامعة نيويورك)، حيث كان والده سفيراً في الأمم المتحدة بنيويورك. وعندما عاد إلى إسرائيل خدم في الحيش ضمن وحدة في الاستخبارات العسكرية «الوحدة 8200»، وحصل على رتبة رائد. ثم درس القانون في جامعة تل أبيب وأصبح شريكاً في واحد من أكبر مكاتب المحاماة في إسرائيل.
مسيرته السياسية
عام 1999 دخل هرتسوغ المعترك السياسي عندما عيّنه إيهود باراك سكرتيراً لحكومته. وبسبب قربه من باراك كاد يتورط في تهمة فساد تقضي على مستقبله السياسي. إذ أُجري تحقيق معه في صرف أموال طائلة على جمعيات وهمية لغرض كسب تمويل إضافي لحملة باراك الانتخابية، لكنه نجا من التهمة، بعدما حافظ على حقه بالصمت في التحقيق. ولما لم تنجح الشرطة في إثبات التهمة عليه صدر قرار تبرئة لصالحه عام 2003، فانخرط في العمل الحزبي من جديد ضمن حزب العمل. وانتخب نائباً في الكنيست (البرلمان) في تلك السنة.
وفي العام 2005، حصل على المركز الثاني في تصويت أعضاء حزب العمل على وزراء الحزب، الذين شكّلوا حكومة بالتحالف مع الليكود والحزب الديني «أغودات يسرائيل»، وجرى تعيينه وزيراً للبناء والإسكان، بناءً على طلبه، لكنه بعد 10 أشهر استقال وخرج مع أعضاء حزبه من الائتلاف الحكومي.
وفي 2006، كّلّف إيهود أولمرت بتشكيل الحكومة، وعيّن هرتسوغ وزيراً للسياحة. وبعد مرور 10 أشهر، ودخول حزب «إسرائيل بيتنا» إلى الحكومة، تقرر نقل وزارة السياحة إليه. واستقال هرتسوغ من منصبه، وعُيّن وزيراً للرفاة والخدمات الاجتماعية عام 2007.
بعدها، في الانتخابات التمهيدية لحزب العمل عام 2008، حصل هرتسوغ على المركز الأول في قائمة حزب العمل، وأصبح في المركز الثاني بقائمة الحزب التي سيخوض بها انتخابات الكنيست الـ18 خلف زعيم الحزب، آنذاك، إيهود باراك. وبعد فوز نتنياهو بتشكيل الحكومة في تلك الانتخابات، عُيّن هرتسوغ وزيراً للشؤون الاجتماعية والرفاه. وبعدها أصبح رئيساً للمعارضة، في مواجهة حكومة نتنياهو. ودخل في صدام مع نتنياهو متهماً إياه بعرقلة مسيرة السلام مع الفلسطينيين وبتخريب العلاقات مع الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
يومذاك، كشف نتنياهو أن هرتسوغ كان يفاوضه على دخول الائتلاف الحاكم وتسليمه الملف الفلسطيني، غير تلك الجهود فشلت نتيجة للمعارضة داخل حزبه، فتراجع. وبعد ذلك لم ينجح في الوصول إلى الحكم، بل خسر في المعركة التالية، عام 2015، أمام نتنياهو بفارق 6 مقاعد. ثم خسر الانتخابات الداخلية في حزبه أيضاً، وانتخب رئيس آخر للحزب هو آفي غباي، فقدم استقالته من الكنيست واعتزل العمل الحزبي. وعام 2018 انتُخب لمنصب رئيس الوكالة اليهودية، التي تعمل بتنسيق مع الحكومة على تشجيع الهجرة إلى إسرائيل. ثم في يونيو (حزيران) الماضي انتُخب رئيساً للدولة.
مع أن منصب الرئيس في إسرائيل يُعد منصباً فخرياً، وتقتصر صلاحياته على تكليف أحد القادة بتشكيل الحكومة، ويملك أيضاً حق إصدار العفو عن المساجين والأسرى، فإن الرؤساء الأقوياء يحاولون إعطاء مضمون سياسي قيادي للمنصب ويتركون بصمات مميزة لكل منهم. ولقد صرح هرتسوغ بأنه يريد أن يهتم بالشؤون الداخلية، باعتبار أن الشروخ داخل المجتمع الإسرائيلي والصراعات الحادة بين الأفرقاء، العرب واليهود، العلمانيون والمتدينون، اليمين واليسار، هي أكثر ما يقلق الإسرائيليين. يقلقهم أكثر من إيران وأكثر من الصراع مع الفلسطينيين.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.