تصعيد دبلوماسي روسي يسابق احتمالات المواجهة العسكرية

طرد نائب السفير الأميركي يفاقم التوتر... والكرملين يحذر من «تدهور محتمل»

الرئيس الأوكراني يقوم بزيارة ميدانية للقوات المتمركزة في شرق أوكرانيا (أ.ب)
الرئيس الأوكراني يقوم بزيارة ميدانية للقوات المتمركزة في شرق أوكرانيا (أ.ب)
TT

تصعيد دبلوماسي روسي يسابق احتمالات المواجهة العسكرية

الرئيس الأوكراني يقوم بزيارة ميدانية للقوات المتمركزة في شرق أوكرانيا (أ.ب)
الرئيس الأوكراني يقوم بزيارة ميدانية للقوات المتمركزة في شرق أوكرانيا (أ.ب)

مع تركز أنظار العالم على مخاطر انزلاق الوضع في مناطق الحدود الروسية - الأوكرانية نحو مواجهة عسكرية، بدا أمس، أن مواجهة من نوع آخر باتت مرشحة للتطور بسرعة، بعد الإعلان عن طرد نائب السفير الأميركي في موسكو. ورجّحت أوساط روسية، أن تفاقم الخطوة التي ربطتها بمضايقات للسفارة الروسية في أوكرانيا من تعقيد الوضع حول احتمال إطلاق حوار جاد بين موسكو وواشنطن لتخفيف التوتر المتصاعد.
وكان لافتاً أن الخارجية الروسية أعلنت عن استدعاء السفير الأميركي لدى موسكو جون سوليفان لتسليمه الرد الروسي على رسالة واشنطن حول الضمانات الأمنية في أوروبا التي تطالب بها موسكو، ولم تعلن الوزارة رسمياً حتى حلول مساء أمس، عن أسباب اتخاذها قراراً بطرد نائب السفير بارت جورمان.
لكن وكالات الأنباء الحكومية الروسية نقلت عن الناطق باسم البعثة الدبلوماسية الأميركية جيسون ريبولتز، أن روسيا أبلغت السفارة بقرار طرد نائب السفير. وقال، إن جورمان يعد «ثاني أهم مسؤول في السفارة الأميركية في موسكو بعد السفير وعضواً رئيسياً في القيادة العليا للسفارة».
ورجحت أوساط إعلامية روسية، أن تكون الخطوة جاءت في إطار تصاعد «الحرب الدبلوماسية» بين موسكو وواشنطن، خصوصاً على خلفية ما وُصف بأنه «تضييقات كبرى تتعرض لها السفارة الروسية في واشنطن». وكان السفير الروسي في واشنطن أناتولي أنتونوف حذر في وقت سابق من تلقيه تلميحات باحتمال طرده من الولايات المتحدة، واشتكى من تدهور ظروف عمل السفارة. وقال أنتونوف، إن بلاده «حرمت تماماً من وجودها القنصلي على الساحل الغربي لأميركا، حيث يعيش عشرات الآلاف من الروس. كما شددت واشنطن بحدة إجراءات إصدار التأشيرات». بالإضافة إلى ذلك، أشار إلى «عمليات طرد جماعي منتظمة للدبلوماسيين الروس». وكانت واشنطن سلمت الجانب الروسي قائمة جديدة بأسماء الموظفين الذين يتوجب عليهم مغادرة الأراضي الأميركية. وغادر 27 منهم الولايات في نهاية الشهر الماضي، كما ينتظر أن يغادر 30 موظفاً آخرين بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل. وقال أنتونوف، إن «الاضطهاد ضد الدبلوماسيين الروس مستمر»، وفي هذه الحالة، تحتفظ موسكو بالحق في الرد.
على صعيد التطورات الميدانية حول أوكرانيا، جددت موسكو نفي صحة تقارير غربية جديدة تحدثت عن تحديد موعد محتمل لعملية عسكرية روسية ضد البلد الجار. وقال الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، إن «تقارير وسائل الإعلام الغربية حول مزاعم الغزو الروسي لأوكرانيا بعد 20 فبراير (شباط) مزيفة وغير صحيحة».
وأضاف بيسكوف خلال رده على سؤال حول تقرير لصحيفة «بوليتيكو» بأن روسيا ستهاجم أوكرانيا بعد انتهاء التدريبات المشتركة مع بيلاروسيا، أن «الجميع سمعوا الكثير من التواريخ لبدء الغزو الروسي المزعوم، لكن تبين أن كل هذا كان مزيفاً وحشواً غير مسؤول... الآن نشهد نسخة جديدة من التزييف. لم يعترف أي من مؤلفي هذه التقارير لاحقاً بأنهم كانوا مخطئين. آمل عدم تصديق مثل هذا الزيف».
من جانب آخر، وصف بيسكوف التصريحات المتعلقة حول النقل الإضافي للجنود الروس إلى الحدود مع أوكرانيا، بأنها «اتهامات لا أساس لها، كما هو الحال دائماً». وكانت واشنطن حذّرت من إرسال موسكو 7 آلاف جندي إضافي إلى المناطق الحدودية بالتزامن مع إعلانها سحب بعض الوحدات العسكرية من المنطقة.
وتوقف بيسكوف عند احتمالات التصعيد في مناطق إقليمي لوغانسك ودونيتسك المتمردين على كييف، وقال، إن موسكو «تراقب الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا عن كثب وتصرفات وإجراءات روسيا ستعتمد على سيناريو تطور الأوضاع».
وأكد بيسكوف، أن موسكو لا تعتزم إجراء محادثات مع كييف بسبب التقارير الواردة عن توتر الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا، لكنه نوّه بأن «الوضع يثير قلقاً عميقاً». موضحاً أن «المعلومات الواردة من دونباس مقلقة، وقد بدأت الاستفزازات من قبل كييف في تلك المنطقة». وزاد «لقد حذرنا مراراً من أن التركز الكبير للقوات المسلحة الأوكرانية في المنطقة المجاورة مباشرة لخط ترسيم الحدود، إلى جانب الاستفزازات المحتملة، يمكن أن يشكل خطراً رهيباً. والآن، نرى أن هذه الاستفزازات الرهيبة تحدث، نرى تقارير من ممثلي الجمهوريتين بأن هناك تبادلاً للضربات على طول الخط، وأن الضربات الأولى جاءت من أوكرانيا. هذه معلومات مقلقة... نتابع الوضع». وحذر من أن «مستوى التهديد بإمكانية هجوم أوكراني على دونباس شرق البلاد لا يزال عالياً».
كما لفت بيسكوف إلى أن تصريحات كييف بشأن اتفاقيات مينسك متناقضة، و«من ناحية هناك تصريحات بالالتزام بالاتفاقيات، ومن ناحية أخرى يعارضون تنفيذها». وفي إشارة لافتة قال بيسكوف، إن موضوع الاعتراف باستقلال لوغانسك ودونيتسك «لا يرتبط باتفاقيات مينسك».
وكان يان ليشتشينكو، قائد «القوات الشعبية في جمهورية لوغانسك» أعلن أن «الوضع على خط التماس في دونباس قد تصاعد بشكل كبير، وتحاول كييف تصعيد الصراع هناك».
وزاد، أنه «خلال الـ24 ساعة الماضية، تصاعد الموقف على خط التماس بشكل كبير. يقوم العدو (الأوكراني)، بناءً على أوامر مباشرة من القيادة العسكرية والسياسية في كييف، بمحاولات لتصعيد النزاع».
ودعا ليشتشينكو المراقبين الدوليين إلى تسجيل القصف الصادر من القوات المسلحة الأوكرانية، واتخاذ إجراءات لمنع إراقة الدماء في دونباس.
بدورها، قالت السلطات في دونيتسك، إن قوات الأمن الأوكرانية أطلقت قذائف الهاون على ضواحي دونيتسك. في المقابل، أعلنت كييف أن مناطق على خطوط التماس تعرضت لهجوم مدفعي أصاب روضة أطفال من دون وقوع ضحايا، وحذرت من أن الانفصاليين في شرق البلاد يحاولون جر كييف إلى مواجهة عسكرية واسعة على طول الجبهة. في السياق الميداني، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، أمس، عن عودة أول وحدات من قواتها المسلحة المشاركة في المناورات العسكرية المنفذة مؤخراً إلى مواقع مرابطتها الدائمة. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف، إنه «بالتوافق مع خطة تدريب القوات المسلحة الروسية، تقوم التشكيلات والوحدات العسكرية التي نفذت مهامها التدريبية في الميادين، بالتوجه إلى مراكز مرابطتها الدائمة». بالتزامن، واصلت قوات بحرية روسية تدريبات واسعة النطاق في عدد من المناطق حول روسيا. وأفاد بيان أصدرته وزارة الدفاع، بأن «سفن مجموعة ضاربة تابعة لأسطول الشمال أجرت في بحر بارنتس تمريناً للدفاع الجوي. وفي قسم من التمرين تم تنفيذ مهام لصد هجمات بوسائل الهجوم الجوي لعدو وهمي من قبل مجموعة من السفن السطحية بالتعاون مع طائرات الأسطول المقاتلة». وأوضحت وزارة الدفاع الروسية، أن تمريناً على إطلاق المدفعية القتالية والصواريخ المضادة للطائرات على أهداف جوية سيجري في مراحل مقبلة من التمرين. وتشارك في التدريبات الحالية ما يصل إلى 20 سفينة حربية وسفينة دعم من أسطول الشمال، وأكثر من 10 طائرات من طيران البحرية لأسطول الشمال. كما أعلنت الوزارة، أن نحو 20 سفينة وزورقاً تابعة لأسطول بحر قزوين خرجت إلى عرض البحر للقيام بمناورات. وذكر بيان صادر عن المنطقة العسكرية الجنوبية، أن 20 سفينة حربية من الأسطول تشارك في المناورات، بما في ذلك سفينة الصواريخ «داغستان»، وقوارب الصواريخ الصغيرة «غراد سفيازك»، و«أوغليش»، و«فيليكي أوستيوغ»، و«محج قلعة»، و«أستراخان»، وسفن المدفعية الصغيرة «ستوبينيتس»، وكاسحات الألغام الأساسية والقوارب، وكذلك سفن الدعم.
وكانت موسكو أعلنت في وقت سابق، أنها أطلقت أوسع مناورات عسكرية في تاريخ الجيش الروسي، وهي تجري بالتزامن في عدد من البحار الملاصقة لروسيا وفي المياه الدولية وتستمر المناورات المتنوعة لمدة شهرين وفقاً لبيانات وزارة الدفاع.



ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة للجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، معتبراً أن «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من قيام الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بنشر قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.