فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

لقاء «الفيل» و{الفراشة» على الأطراف القصوى للآلام والمسّرات

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
TT

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا

لم يقدر للسعادة والألم، للشقاء والمجد، للعبقرية والجنون وغيرها من التناقضات، أن تجد ما يصهرها في بوتقة واحدة، كما هو الحال مع الفنانة المكسيكية الأشهر فريدا كاهلو. ولم يقدر من ناحية ثانية لعلاقة بين زوجين مبدعين، عدا استثناءات قليلة، أن تتسع لهذا الكم الهائل من المشاعر المتباينة إزاء الآخر، كما هو حال العلاقة التي جمعت فريدا بفنان الجداريات المكسيكي دييغو ريفيرا. وليس على المرء سوى أن يطلع على السيرة المطولة والمتميزة التي كتبتها الناقدة الأميركية هايدن هيريرا، أو على السيرة التي كتبها ريفيرا نفسه تحت عنوان «فني، حياتي»، وصولاً إلى الفيلم السينمائي المؤثر الذي أرخت به المخرجة الأميركية جوليا تيمور، لحياة فريدا، ليقف عن كثب على إحدى أكثر ملاحم القرن العشرين فرادة وثراء وتجسيداً لروح العصر وأسئلته ومفارقاته.
كانت فريدا كاهلو هي الابنة الثالثة للمصور المكسيكي غويليريو كاهلو، الذي كان قد أنجب ابنتيه الأوليين ماتيلدا وماريا من زواج سابق، فيما كانت كريستينا هي آخر حبات ذلك العنقود الأنثوي. لكن الحياة لم تكن عادلة بما يكفي لمنح تلك الطفلة اللماحة والدمثة، حصتها من السعادة الخالصة والمرح الخالي من الشوائب، ليس فقط لأنها أصيبت في السادسة من عمرها بنوع من شلل الأطفال جعلها تحمل على مدار حياتها عقدة الساق النحيلة والذابلة، بل لأن حادثة اصطدام مروعة بين حافلتها المدرسية وقطار كهربائي، أدت إلى أن يخترق جسمها من الخاصرة إلى الحوض قضيب من الفولاذ، خلخل حياتها من الجذور وقلبها رأساً على عقب.
على أن الثمن الباهظ الذي دفعته الشابة الطافحة بالحيوية بفعل الحادثة المشؤومة، لم يقتصر على الضرر الجسدي وحده، بل تعداه إلى جروح في الروح لم تأخذ طريقها إلى الاندمال، وإلى صدوع في القلب نجمت عن الانسحاب التدريجي لفتاها الوسيم أليخاندرو غوميس أرياس من حياتها، بذريعة خيانتها له مع مدربها على فن الحفر فيرناندو فيرناندث. والواقع أن السبب الفعلي لانهيار العلاقة كان مرتبطاً بواقعها الصحي المستجد، بحيث لم تنجح رسائل كاهلو المتتالية، ولا اعترافها له «أحبك حتى العبادة»، في تليين قلب المناضل الطلابي الشيوعي الذي لم يكتف بالابتعاد عنها، بل عمد إلى إقامة علاقة غرامية معلنة مع أقرب صديقاتها إليها. إلا أن الشابة المتقدة ذكاء، وذات الحجم الضئيل، لم تكتف باللجوء إلى الفن، كرد أخير على تعاظم آلامها، بل عمدت إلى رسم أعضائها التالفة، كنوع من الجراحة النفسية، وكبديل رمزي عما فقده جسمها من ليونة.
في تلك المرحلة الحرجة من حياتها، تتعرف فريدا كاهلو عن قرب إلى دييغو ريفيرا، الذي كانت قد التقته بشكل عرضي في مرحلة دراستها الإعدادية، فتشعر بحدسها الثاقب أن هذا الرجل الملقب لضخامته بـ«الفيل»، هو الذي سيساعد جروحها العاطفية والجسدية على الاندمال ويرسم لحياتها مساراً آخر.
والواقع أن ريفيرا المنفصل عن زوجته الروسية الجميلة لوبي مارين، أثناء دراسته الرسم في باريس، لم يكن يتمتع بأي قدر من الوسامة، ومع ذلك فقد كان يحظى بفعل موهبته الفنية الفذة، إضافة إلى طبعه المرح وبديهته السريعة، باهتمام نساء كثيرات رأين فيه جاذبية مغوية وسحراً يصعب تلافيه. غير أن فريدا المشعة جمالاً وذكاءً لم تأبه بماضي الرجل الضخم الذي كان معلقاً قبالتها على سقالة إحدى الجداريات الجصية، ولا بفارق السن بينهما الذي يبلغ العشرين عاماً، فنادته بجرأة لا مبالية: «دييغو، انزل من هناك. أنا لم آت إلى هنا من أجل اللهو، بل أنجزتُ بعض الرسوم وأريدك أن تتفحصها».
«احذر من هذه الفتاة، إنها الشيطان بعينه»، قال والدها لدييغو حين فاتحه هذ الأخير برغبته في الزواج منها. إلا أن الأب الذي كان يجتاز ضائقة مالية ويرغب بأن يساعده ريفيرا على تجاوزها أعطى موافقته على زواجهما اللاحق الذي تمت مراسمه عام 1929، ليدخل الطرفان بعد ذلك في خضم مغامرة شائكة، فيها من المسرات والنجاحات، بقدر ما فيها من العثرات وخيبات الأمل. أما زوجة دييغو السابقة لوبي مارين، التي أصرت دون دعوة على حضور حفل زفاف العريسين، فقد عمدت دون مقدمات، وكنوع من الثأر لكرامتها المجروحة، إلى الكشف عن ساقي العروس النحيلتين، لتصرخ في وجه المحتفلين بشكل هستيري «أترون هذين العودين؟ هاتان هما الساقان اللتان اختارهما دييغو بدلاً من ساقي»، قبل أن تخرج من الحفل وسط دهشة الحاضرين وذهولهم.
غير أن السعادة التي عرفها الطرفان في بداية الزواج سرعان ما نغصها التفاقم المطرد لوضع الزوجة الصحي، التي كانت قد تعرضت في مطالع الصبا لحادثة اصطدام مروعة لم تقتصر نتائجها الكارثية على عمودها الفقري وحده، بل أفضت فيما بعد إلى حرمانها من الإنجاب. على أن الزوجين المتقدين موهبة، اللذين وجدا في مزاولة الرسم ما يخفف عن كاهليهما وطأة الكثير من الخسارات، انخرطا في الوقت ذاته بالعمل السياسي، حيث اختارت فريدا أن تنضم إلى ريفيرا الذي كان يحتل موقعاً قيادياً في الحزب الشيوعي المكسيكي، قبل أن تتم إزاحته من موقعه بحجة أنه يجير موهبته الفنية لممالأة الإمبريالية العالمية ووكلائها المحليين.
لم يكن دييغو ريفيرا، وقد أصبح الفنان الأكثر حضوراً في وجدان المكسيكيين، من النوع الذي يقبل الرضوخ للضغط والابتزاز. لذلك فقد قرر بما يشبه التحدي تثبيت التهم الموجهة إليه، عبر السفر مع زوجته إلى سان فرنسيسكو، ومن ثم إلى نيويورك ليعرض لوحاته في متحف الفن الحديث، قبل التوجه إلى ديترويت بدعوة من الصناعي الشهير هنري فورد ليرسم بالزيت «قصة العِرْق الجديد لعصر الفولاذ». وحيث كان على فريدا أن تفقد مجدداً طفلها الثاني، بسبب وهنها الجسدي، راحت ترسم بنوع من الفانتازيا المثلومة بالحسرة، أسراباً من الأجنة السابحين في مياه عمياء أو سماء عاقر. فيما راحت من ناحية أخرى تتعلق بالدمى كبديل عن الأطفال، وبالأزهار والنباتات كبديل عن الخصوبة المفقودة.
ولم يكن الموقف المتباين من الإنجاب، الذي لم يكن دييغو يكترث له، هو وحده الذي بدأ يهدد العلاقة بين الزوجين. لكن الضربة الأكثر إيلاماً التي سددها الزوج إلى قلب زوجته المريضة، هي التي نجمت عن العلاقة الغرامية المشبوبة التي أقامها الزوج مع كريستينا، شقيقة فريدا الصغرى، وهو ما دفعها إلى نوع من الرد الثأري المزدوج على ريفيرا، سواء عبر رسومها القاسية التي تكشف عن جراحها الجسدية والروحية المفتوحة، أو عبر مبادلتها الغدر بالغدر والخيانة بالخيانة. وحيث لم يكن دييغو يبدي أي تذمر يُذكر إزاء النزوع المثلي لزوجته المتعطشة إلى المتع الحسية، فهو لم يكن متساهلاً أبداً إزاء علاقتها بالرجال، بحيث لم يتوان عن إشهار مسدسه في وجه النحات المكسيكي إيسامونوغوتشي، مهدداً إياه بالقتل إذا لم يقطع علاقته بفريدا بشكل فوري. أما ليون تروتسكي الهارب من بطش ستالين، الذي سهل له دييغو سبل قدومه إلى المكسيك وقدم له منزلاً للإقامة، فقد وجدت كاهلو فيه الهدية السماوية النموذجية التي يمكن لها بواسطتها أن تحقق انتقامها الحاسم من خيانة الزوج. وسرعان ما وقع مؤسس «الأممية الرابعة» الخمسيني في شرك الفنانة الثلاثينية المغوية، غير أن خوف حراسه ورجاله الأقربين من فضيحة عالمية مدوية تطال سمعة زعيمهم، وخوف فريدا من رد زوجها المزلزل فيما لو عرف بالأمر، هو الذي أخمد العلاقة في مهدها خلال أسابيع.
لم تكن للعلاقة بين الزوجين بالمقابل أن تعرف طريقها إلى الاستقرار والسكينة الوادعة. لذلك وجدت فريدا في دعوتها إلى نيويورك لإقامة معرض لها هناك، الفرصة المؤاتية للابتعاد قليلاً عن مسرح زواجها المهدد، قبل أن تحصل على طلاقها من ريفيرا بعد فترة من الزمن. وإذ تقع خلال رحلتها الأميركية في غرام المصور الهنغاري نيكولاس موراي، ما تلبث أن تنتقل إلى باريس ليتحلق من حولها فنانو العالم الكبار وكتابه، من أمثال إيلوار وخوان ميرو وماكس إرنست، فضلاً عن أندريه بريتون الذي استوقفتها قذارة مظهره وسلوكه إلى حد نعته بالصرصور العجوز. وحين ألح على إلحاقها بالسورياليين ردت عليه بالقول «أنا لست سوريالية، فأنا لم أرسم أحلامي بل رسمت ما أنا عليه». أما بابلو بيكاسو الذي وقف حائراً إزاء موهبتها البرية، كما إزاء عينيها الفاتنتين، فقد سبق له أن قال مخاطباً زوجها لدى لقائه بهما في باريس «هاتان العينان الرائعتان، لا أنا ولا أنت قادران أن نصنع مثيلاً لهما يا صديقي».
حين شج عميل المخابرات السوفياتية رامون ميركادير، رأس تروتسكي بالفأس، كانت علاقة دييغو بضيفه الاستثنائي قد انقطعت تماماً، لا لخلافات عقائدية فحسب، بل لأن الكثيرين يردون ذلك إلى معرفة الزوج الأكيدة بالطعنة التي سددها إلى ظهره صاحب «الثورة الدائمة». لذلك لم يجد ريفيرا بداً من الهرب إلى سان فرنسيسكو إثر اتهامه من قبل البعض بالضلوع في مؤامرة الاغتيال، وقبل أن يُعثر فيما بعد على قاتله الحقيقي. وربما كان للصعوبات التي واجهها الزوجان أثناء انفصالهما لعامين كاملين، أبلغ الأثر في عودة مياه العلاقة إلى مجاريها، بعد أن اكتشف كل منهما حاجته الملحة إلى الآخر، مسلماً وراضياً بحصته من النزق والفوضى الملازمين لكل إبداع خلاق. ولم يكن من المستغرب تبعاً لذلك أن كاهلو التي وصفت ريفيرا بـ«المتهتك الذي لن يكون زوج أحد من النساء»، هي نفسها التي عبرت في مناسبة أخرى عن رغبتها في أن تلده مرة أخرى.
ولا بالمُستغرب أيضاً أن يوسع دييغو دائرة نزواته أبعد من حدود سريره الزوجي، فيما لا يتوانى في معرض حديثه عن زوجته عن الإقرار «لو أنني فارقتُ الحياة دون أن أعرفها، كنت سأموت من دون معرفتي بالمرأة الحقيقية».
ومع ذلك فقد كان القدر ينصب للفنانة الألصق بروح شعبها وتراثه، كمينه الأكثر خطورة، بحيث لم تفلح العمليات الجراحية المتلاحقة إلا في إلحاق المزيد من التلف بعمودها الفقري، وبسائر أجزاء هيكلها العظمي. صحيح أنها عملت جاهدة لكي تستعيض برسومها المدهشة عن كل ما لحق بجسمها من صدوع، وباتت الاسم الأكثر لمعاناً في فضاء الفن المكسيكي، إلا أن الغرغرينا التي بدأت تنهش أطرافها بلا رحمة، والتي أدت إلى بتر قدمها اليمنى، حولت المسافة القصيرة التي تفصلها عن رحيلها النهائي عام 1954 إلى برزخ قاتم من الكوابيس والمكابدات.
وإذا لم يكن الوفاء الجسدي هو الذي وفر للعلاقة الزوجية بين فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا، الملاءة اللازمة لإبعاد العلاقة عن دائرة الخطر، فإن المغامرات الخيانية التي اقترفاها بالتساوي، والتي تذكرنا بالمغامرات المماثلة لجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، ظلت ملازمة للسطوح الظاهرة من جسديهما المترعين بالنزق.
أما في الأعماق الأخيرة للأواصر، فقد جمعهما كل شيء آخر، بدءاً من الكيمياء الشخصية والافتتان المتبادل والشغف بالحياة، مروراً بالانتماء العقائدي والرؤية إلى العالم، ووصولاً إلى احترام كل منهما لعبقرية الآخر ومنجزه الإبداعي. أما فريدا التي أوصت بإحراق جثمانها بعد الموت، فكانت تعبر بصدق عن رغبتها في أن يتحول الرماد الذي يظل منها، إلى جزء لا يتجزأ من دورة الحياة والموت، في بلدها الذي يأخذ سكانه الأصليون بفكرة الاتحاد الكلي بين الإنسان والطبيعة. وحيث لم تكن فريدا بعيدة عن ذلك التصور، فقد كان يسعدها دائماً أن ترسم نفسها على صورة غزالة مكسيكية شاردة، ومترنحة أبداً على حبال الجناس الناقص بين العذوبة والعذاب، كما بين جحيم الواقع وجنة الرغبات، وهي التي عثرت على ما يشبهها تماماً في أبيات مواطنتها الشاعرة جوانا إينيث لا كروث التي تقول:
إذا رأيتَ الغزال الجريح
الذي يهبط السفح مسرعاً
ومفتشاً، وهو المصاب
بسهم قاتل،
في الجدول البارد كالجليد،
عما يخفف من أذاه،
فلا تظنن أنه يعكس
صورتي في الراحة
بل صورتي في الألم.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.