فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

لقاء «الفيل» و{الفراشة» على الأطراف القصوى للآلام والمسّرات

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
TT

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا

لم يقدر للسعادة والألم، للشقاء والمجد، للعبقرية والجنون وغيرها من التناقضات، أن تجد ما يصهرها في بوتقة واحدة، كما هو الحال مع الفنانة المكسيكية الأشهر فريدا كاهلو. ولم يقدر من ناحية ثانية لعلاقة بين زوجين مبدعين، عدا استثناءات قليلة، أن تتسع لهذا الكم الهائل من المشاعر المتباينة إزاء الآخر، كما هو حال العلاقة التي جمعت فريدا بفنان الجداريات المكسيكي دييغو ريفيرا. وليس على المرء سوى أن يطلع على السيرة المطولة والمتميزة التي كتبتها الناقدة الأميركية هايدن هيريرا، أو على السيرة التي كتبها ريفيرا نفسه تحت عنوان «فني، حياتي»، وصولاً إلى الفيلم السينمائي المؤثر الذي أرخت به المخرجة الأميركية جوليا تيمور، لحياة فريدا، ليقف عن كثب على إحدى أكثر ملاحم القرن العشرين فرادة وثراء وتجسيداً لروح العصر وأسئلته ومفارقاته.
كانت فريدا كاهلو هي الابنة الثالثة للمصور المكسيكي غويليريو كاهلو، الذي كان قد أنجب ابنتيه الأوليين ماتيلدا وماريا من زواج سابق، فيما كانت كريستينا هي آخر حبات ذلك العنقود الأنثوي. لكن الحياة لم تكن عادلة بما يكفي لمنح تلك الطفلة اللماحة والدمثة، حصتها من السعادة الخالصة والمرح الخالي من الشوائب، ليس فقط لأنها أصيبت في السادسة من عمرها بنوع من شلل الأطفال جعلها تحمل على مدار حياتها عقدة الساق النحيلة والذابلة، بل لأن حادثة اصطدام مروعة بين حافلتها المدرسية وقطار كهربائي، أدت إلى أن يخترق جسمها من الخاصرة إلى الحوض قضيب من الفولاذ، خلخل حياتها من الجذور وقلبها رأساً على عقب.
على أن الثمن الباهظ الذي دفعته الشابة الطافحة بالحيوية بفعل الحادثة المشؤومة، لم يقتصر على الضرر الجسدي وحده، بل تعداه إلى جروح في الروح لم تأخذ طريقها إلى الاندمال، وإلى صدوع في القلب نجمت عن الانسحاب التدريجي لفتاها الوسيم أليخاندرو غوميس أرياس من حياتها، بذريعة خيانتها له مع مدربها على فن الحفر فيرناندو فيرناندث. والواقع أن السبب الفعلي لانهيار العلاقة كان مرتبطاً بواقعها الصحي المستجد، بحيث لم تنجح رسائل كاهلو المتتالية، ولا اعترافها له «أحبك حتى العبادة»، في تليين قلب المناضل الطلابي الشيوعي الذي لم يكتف بالابتعاد عنها، بل عمد إلى إقامة علاقة غرامية معلنة مع أقرب صديقاتها إليها. إلا أن الشابة المتقدة ذكاء، وذات الحجم الضئيل، لم تكتف باللجوء إلى الفن، كرد أخير على تعاظم آلامها، بل عمدت إلى رسم أعضائها التالفة، كنوع من الجراحة النفسية، وكبديل رمزي عما فقده جسمها من ليونة.
في تلك المرحلة الحرجة من حياتها، تتعرف فريدا كاهلو عن قرب إلى دييغو ريفيرا، الذي كانت قد التقته بشكل عرضي في مرحلة دراستها الإعدادية، فتشعر بحدسها الثاقب أن هذا الرجل الملقب لضخامته بـ«الفيل»، هو الذي سيساعد جروحها العاطفية والجسدية على الاندمال ويرسم لحياتها مساراً آخر.
والواقع أن ريفيرا المنفصل عن زوجته الروسية الجميلة لوبي مارين، أثناء دراسته الرسم في باريس، لم يكن يتمتع بأي قدر من الوسامة، ومع ذلك فقد كان يحظى بفعل موهبته الفنية الفذة، إضافة إلى طبعه المرح وبديهته السريعة، باهتمام نساء كثيرات رأين فيه جاذبية مغوية وسحراً يصعب تلافيه. غير أن فريدا المشعة جمالاً وذكاءً لم تأبه بماضي الرجل الضخم الذي كان معلقاً قبالتها على سقالة إحدى الجداريات الجصية، ولا بفارق السن بينهما الذي يبلغ العشرين عاماً، فنادته بجرأة لا مبالية: «دييغو، انزل من هناك. أنا لم آت إلى هنا من أجل اللهو، بل أنجزتُ بعض الرسوم وأريدك أن تتفحصها».
«احذر من هذه الفتاة، إنها الشيطان بعينه»، قال والدها لدييغو حين فاتحه هذ الأخير برغبته في الزواج منها. إلا أن الأب الذي كان يجتاز ضائقة مالية ويرغب بأن يساعده ريفيرا على تجاوزها أعطى موافقته على زواجهما اللاحق الذي تمت مراسمه عام 1929، ليدخل الطرفان بعد ذلك في خضم مغامرة شائكة، فيها من المسرات والنجاحات، بقدر ما فيها من العثرات وخيبات الأمل. أما زوجة دييغو السابقة لوبي مارين، التي أصرت دون دعوة على حضور حفل زفاف العريسين، فقد عمدت دون مقدمات، وكنوع من الثأر لكرامتها المجروحة، إلى الكشف عن ساقي العروس النحيلتين، لتصرخ في وجه المحتفلين بشكل هستيري «أترون هذين العودين؟ هاتان هما الساقان اللتان اختارهما دييغو بدلاً من ساقي»، قبل أن تخرج من الحفل وسط دهشة الحاضرين وذهولهم.
غير أن السعادة التي عرفها الطرفان في بداية الزواج سرعان ما نغصها التفاقم المطرد لوضع الزوجة الصحي، التي كانت قد تعرضت في مطالع الصبا لحادثة اصطدام مروعة لم تقتصر نتائجها الكارثية على عمودها الفقري وحده، بل أفضت فيما بعد إلى حرمانها من الإنجاب. على أن الزوجين المتقدين موهبة، اللذين وجدا في مزاولة الرسم ما يخفف عن كاهليهما وطأة الكثير من الخسارات، انخرطا في الوقت ذاته بالعمل السياسي، حيث اختارت فريدا أن تنضم إلى ريفيرا الذي كان يحتل موقعاً قيادياً في الحزب الشيوعي المكسيكي، قبل أن تتم إزاحته من موقعه بحجة أنه يجير موهبته الفنية لممالأة الإمبريالية العالمية ووكلائها المحليين.
لم يكن دييغو ريفيرا، وقد أصبح الفنان الأكثر حضوراً في وجدان المكسيكيين، من النوع الذي يقبل الرضوخ للضغط والابتزاز. لذلك فقد قرر بما يشبه التحدي تثبيت التهم الموجهة إليه، عبر السفر مع زوجته إلى سان فرنسيسكو، ومن ثم إلى نيويورك ليعرض لوحاته في متحف الفن الحديث، قبل التوجه إلى ديترويت بدعوة من الصناعي الشهير هنري فورد ليرسم بالزيت «قصة العِرْق الجديد لعصر الفولاذ». وحيث كان على فريدا أن تفقد مجدداً طفلها الثاني، بسبب وهنها الجسدي، راحت ترسم بنوع من الفانتازيا المثلومة بالحسرة، أسراباً من الأجنة السابحين في مياه عمياء أو سماء عاقر. فيما راحت من ناحية أخرى تتعلق بالدمى كبديل عن الأطفال، وبالأزهار والنباتات كبديل عن الخصوبة المفقودة.
ولم يكن الموقف المتباين من الإنجاب، الذي لم يكن دييغو يكترث له، هو وحده الذي بدأ يهدد العلاقة بين الزوجين. لكن الضربة الأكثر إيلاماً التي سددها الزوج إلى قلب زوجته المريضة، هي التي نجمت عن العلاقة الغرامية المشبوبة التي أقامها الزوج مع كريستينا، شقيقة فريدا الصغرى، وهو ما دفعها إلى نوع من الرد الثأري المزدوج على ريفيرا، سواء عبر رسومها القاسية التي تكشف عن جراحها الجسدية والروحية المفتوحة، أو عبر مبادلتها الغدر بالغدر والخيانة بالخيانة. وحيث لم يكن دييغو يبدي أي تذمر يُذكر إزاء النزوع المثلي لزوجته المتعطشة إلى المتع الحسية، فهو لم يكن متساهلاً أبداً إزاء علاقتها بالرجال، بحيث لم يتوان عن إشهار مسدسه في وجه النحات المكسيكي إيسامونوغوتشي، مهدداً إياه بالقتل إذا لم يقطع علاقته بفريدا بشكل فوري. أما ليون تروتسكي الهارب من بطش ستالين، الذي سهل له دييغو سبل قدومه إلى المكسيك وقدم له منزلاً للإقامة، فقد وجدت كاهلو فيه الهدية السماوية النموذجية التي يمكن لها بواسطتها أن تحقق انتقامها الحاسم من خيانة الزوج. وسرعان ما وقع مؤسس «الأممية الرابعة» الخمسيني في شرك الفنانة الثلاثينية المغوية، غير أن خوف حراسه ورجاله الأقربين من فضيحة عالمية مدوية تطال سمعة زعيمهم، وخوف فريدا من رد زوجها المزلزل فيما لو عرف بالأمر، هو الذي أخمد العلاقة في مهدها خلال أسابيع.
لم تكن للعلاقة بين الزوجين بالمقابل أن تعرف طريقها إلى الاستقرار والسكينة الوادعة. لذلك وجدت فريدا في دعوتها إلى نيويورك لإقامة معرض لها هناك، الفرصة المؤاتية للابتعاد قليلاً عن مسرح زواجها المهدد، قبل أن تحصل على طلاقها من ريفيرا بعد فترة من الزمن. وإذ تقع خلال رحلتها الأميركية في غرام المصور الهنغاري نيكولاس موراي، ما تلبث أن تنتقل إلى باريس ليتحلق من حولها فنانو العالم الكبار وكتابه، من أمثال إيلوار وخوان ميرو وماكس إرنست، فضلاً عن أندريه بريتون الذي استوقفتها قذارة مظهره وسلوكه إلى حد نعته بالصرصور العجوز. وحين ألح على إلحاقها بالسورياليين ردت عليه بالقول «أنا لست سوريالية، فأنا لم أرسم أحلامي بل رسمت ما أنا عليه». أما بابلو بيكاسو الذي وقف حائراً إزاء موهبتها البرية، كما إزاء عينيها الفاتنتين، فقد سبق له أن قال مخاطباً زوجها لدى لقائه بهما في باريس «هاتان العينان الرائعتان، لا أنا ولا أنت قادران أن نصنع مثيلاً لهما يا صديقي».
حين شج عميل المخابرات السوفياتية رامون ميركادير، رأس تروتسكي بالفأس، كانت علاقة دييغو بضيفه الاستثنائي قد انقطعت تماماً، لا لخلافات عقائدية فحسب، بل لأن الكثيرين يردون ذلك إلى معرفة الزوج الأكيدة بالطعنة التي سددها إلى ظهره صاحب «الثورة الدائمة». لذلك لم يجد ريفيرا بداً من الهرب إلى سان فرنسيسكو إثر اتهامه من قبل البعض بالضلوع في مؤامرة الاغتيال، وقبل أن يُعثر فيما بعد على قاتله الحقيقي. وربما كان للصعوبات التي واجهها الزوجان أثناء انفصالهما لعامين كاملين، أبلغ الأثر في عودة مياه العلاقة إلى مجاريها، بعد أن اكتشف كل منهما حاجته الملحة إلى الآخر، مسلماً وراضياً بحصته من النزق والفوضى الملازمين لكل إبداع خلاق. ولم يكن من المستغرب تبعاً لذلك أن كاهلو التي وصفت ريفيرا بـ«المتهتك الذي لن يكون زوج أحد من النساء»، هي نفسها التي عبرت في مناسبة أخرى عن رغبتها في أن تلده مرة أخرى.
ولا بالمُستغرب أيضاً أن يوسع دييغو دائرة نزواته أبعد من حدود سريره الزوجي، فيما لا يتوانى في معرض حديثه عن زوجته عن الإقرار «لو أنني فارقتُ الحياة دون أن أعرفها، كنت سأموت من دون معرفتي بالمرأة الحقيقية».
ومع ذلك فقد كان القدر ينصب للفنانة الألصق بروح شعبها وتراثه، كمينه الأكثر خطورة، بحيث لم تفلح العمليات الجراحية المتلاحقة إلا في إلحاق المزيد من التلف بعمودها الفقري، وبسائر أجزاء هيكلها العظمي. صحيح أنها عملت جاهدة لكي تستعيض برسومها المدهشة عن كل ما لحق بجسمها من صدوع، وباتت الاسم الأكثر لمعاناً في فضاء الفن المكسيكي، إلا أن الغرغرينا التي بدأت تنهش أطرافها بلا رحمة، والتي أدت إلى بتر قدمها اليمنى، حولت المسافة القصيرة التي تفصلها عن رحيلها النهائي عام 1954 إلى برزخ قاتم من الكوابيس والمكابدات.
وإذا لم يكن الوفاء الجسدي هو الذي وفر للعلاقة الزوجية بين فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا، الملاءة اللازمة لإبعاد العلاقة عن دائرة الخطر، فإن المغامرات الخيانية التي اقترفاها بالتساوي، والتي تذكرنا بالمغامرات المماثلة لجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، ظلت ملازمة للسطوح الظاهرة من جسديهما المترعين بالنزق.
أما في الأعماق الأخيرة للأواصر، فقد جمعهما كل شيء آخر، بدءاً من الكيمياء الشخصية والافتتان المتبادل والشغف بالحياة، مروراً بالانتماء العقائدي والرؤية إلى العالم، ووصولاً إلى احترام كل منهما لعبقرية الآخر ومنجزه الإبداعي. أما فريدا التي أوصت بإحراق جثمانها بعد الموت، فكانت تعبر بصدق عن رغبتها في أن يتحول الرماد الذي يظل منها، إلى جزء لا يتجزأ من دورة الحياة والموت، في بلدها الذي يأخذ سكانه الأصليون بفكرة الاتحاد الكلي بين الإنسان والطبيعة. وحيث لم تكن فريدا بعيدة عن ذلك التصور، فقد كان يسعدها دائماً أن ترسم نفسها على صورة غزالة مكسيكية شاردة، ومترنحة أبداً على حبال الجناس الناقص بين العذوبة والعذاب، كما بين جحيم الواقع وجنة الرغبات، وهي التي عثرت على ما يشبهها تماماً في أبيات مواطنتها الشاعرة جوانا إينيث لا كروث التي تقول:
إذا رأيتَ الغزال الجريح
الذي يهبط السفح مسرعاً
ومفتشاً، وهو المصاب
بسهم قاتل،
في الجدول البارد كالجليد،
عما يخفف من أذاه،
فلا تظنن أنه يعكس
صورتي في الراحة
بل صورتي في الألم.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».