ندى الحاج تستعيد ذكرى أبيها «الذي لم يكن أباً عادياً»

بعد ثماني سنوات على رحيل أنسي الحاج

ندى مع أبيها أنسي الحاج
ندى مع أبيها أنسي الحاج
TT

ندى الحاج تستعيد ذكرى أبيها «الذي لم يكن أباً عادياً»

ندى مع أبيها أنسي الحاج
ندى مع أبيها أنسي الحاج

يوم الثامن عشر من هذا الشهر، تكون قد مرت ثماني سنوات، على رحيل الشاعر اللبناني أنسي الحاج. وفي هذه المناسبة، ننشر هذا الحوار مع ابنته الشاعرة ندى الحاج، التي تتحدث فيه عن أنسي الحاج كأب، وعلاقته مع أسرته، وطقوسه اليومية في الكتابة، وتأثيره عليها كشاعرة.
وندى الحاج، المولودة في بيروت، درست الفلسفة في جامعة السوربون بباريس، وبعدها خاضت تجربة التمثيل المسرحي مع المخرج الراحل ريمون جبارة. وشاركت الأديبة اللبنانية مي منسّى في ترجمة ديوان الشاعرة نادية تويني «محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» من الفرنسية إلى العربية، وكذلك كتبت في الصحافة الثقافية لمدة 25 عاماً. وقد أصدرت لحد الآن تسع مجموعات شعرية.
نسألها أولاً، هل تشعر كشاعرة بارتباط اسمها باسم أبيها... بمعنى آخر، هل يثقل إرث أبيها عليها، هل خرجت من سطوة هذا التأثير؟
تجيب: «لا يمكنني الفصل بين ندى الإنسانة والشاعرة وبين الهوية الاجتماعية والثقافية التي ولدتُ وتربيتُ فيها. لا أحد يختار جيناته ووالديه وبيئته، لكن يمكنه أن يطوّر خياراته ويصقل تجاربه ليكتشف ذاته وصيرورته ويفهم غاية وجوده ومروره العابر على الأرض. هذا السؤال ربما راود الجميع لدى إصداري دواويني الأولى منذ (صلاة في الريح)، كوني منبثقة من كنف والدي الشاعر الفائق الحضور والتوهّج. ولم يكن أمراً سهلاً أن أخطّ لنفسي اسماً وطريقاً شعرياً مستقلاً. واتضح أني منذ البداية تبعتُ نداء صوتي الداخلي الذي رسم شخصيتي ومساري المختلفين عن شخصية أبي ومساره. ثم، إنّ الهوية ليست مقولبة في إطار ولا تسميات وألقاب، بل تتبع مساراً يشبه حركة الأمواج المتعاقبة. بالنسبة إليها، لا موجة تشبه الأخرى ولا لحظة تتكرر، فـالحياة تقدّم لنا ذاتها لنكتشفها مع كل تجربة ولقاء وكل شمس وظلام. وأنا أتطلع إلى هويتي من خلال النور الداخلي الذي يضيء لي الدروب ويسعفني على التقدّم والتعرّف والفهم والحكمة».
بعد ثماني سنوات، هل لا تزال ندى الحاج تشعر بمرارة الرحيل هي التي اختبرت تجربة الفراق الأليمة لدى رحيل والدتها قبل غياب والدها بعشر سنوات؟ تردّ بأنها تشعر بهما يرافقانها في كل لحظة وهي على تواصل دائم معهما، وتتابع: «أؤمن بعمق أنّ الموت لا يحول دون حضور أرواح الذين سبقونا بجانبنا وفي كياننا بقوة. فلا يشكّل الغياب الجسدي حاجزاً، بل تكون الروح قد تحررت من قوالبها المادية وتعقيداتها لتسكن مدارات الصفاء. وكلما سعينا إلى تصفية أنفسنا، نحن الأحياء على هذه الفانية، كنا على استعداد للتواصل مع أحبائنا في الضفة الأخرى بشفافية وقبول. إيماني قوي بأنّ الرفقة لا تقتصر على من نراهم بأعيننا الجسدية، بل تشمل كذلك من نشعر بهم في قلوبنا».
كيف كان أنسي الأب؟ أي «مزاج» شعري كان يُسقطه على علاقته بعائلته؟ كيف كانت تتعاطى مع أمزجته؟ ثم كيف كان يقضي الوقت بين أسرته؟ تجيبنا: «لطالما أحسستُ بأنه لم يكن والداً عادياً. وكان في الليل يعيش وسط كتبه وفي مكتبه في جريدة (النهار) التي شكّلت أسرته الثانية لنحو نصف قرن. اقتصر وقته معي ومع أخي في طفولتنا على القصص الخيالية والطريفة التي كان يختلقها ويرويها لنا خلال نصف ساعة يومياً قبل ذهابه إلى العمل. وكان يغذّي مخيلتنا باستمرار بالكتب التي يقتنيها لنا بوفرة، وبالأفلام السينمائية التي كان يصطحبنا لمشاهدتها مرة أسبوعياً في شارع الحمراء. لم نرتوِ من حضوره كحال الأولاد مع والد عادي يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن هذا الجانب بالذات جعل مني ما أنا عليه اليوم، شاعرة تحيا حضور الغياب. لطالما أحسستُ بتواطؤ داخلي ورابط سرّي دفين يجمعني به. ربما هو رابط الشعر الذي تكوّن بداخلي منذ الطفولة، وبالتحديد منذ أن كتبتُ أحرف قصيدتي الأولى في سنّ السابعة، وكان جوّها ماورائياً يعكس بذور شخصيتي المنجذبة إلى العوالم اللامرئية والأسئلة الوجودية الكبرى، مما أثار تعجب أبي. وكنتُ أطرح عليه باستمرار سؤالاً حول حقيقة ظواهر الأمور، ويجيبني بضحكة لم تكن تروي فضولي المندهش. فصارت كتابة الشعر هي دليلي الباطني واستكشافي. لم يحاول أن يلعب دوراً في توجّهي الشعري، بل تركني أخطّ مساري لوحدي، حرصاً منه على استقلالية شخصيتي وعدم التأثير على صفائي الداخلي».
وتضيف ندى الحاج أنّ والدها كان أباً حنوناً ولم يكن متشدداً إلا حيال إبعاد عائلته عن أجواء عمله. وتذكر أنه «فصل تماماً بين حياته العائلية (إن كنا نستطيع أن نسميها حياة عائلية) وحياته (الأخرى). فالمهمة التربوية كانت من نصيب والدتي، كما اهتمامها بتفاصيل الحياة اليومية. كانت تراعي مزاج والدي الشعري وتحترم خصوصيته وتحرص على عدم إقحامه بكل ما يعكّر صفوه. ثم انتقل ذلك الأمر إليّ، فحرصتُ طوال حياته على احترام تلك المسافة معه، بخاصة أنني شاعرة أفهم حاجة الشاعر إليها».
نسألها: يبدو صعباً أن تكوني ابنة شاعر بحجم أنسي الحاج؟ فتجيب بالنقيضين: «نعم ولا». نعم، لأنّ حضور الأب الشاعر هو طاغٍ بلا شك. ولا، لأنني ببساطة اعتدتُ أن أكون نفسي من دون التشبّه به أو بسواه أو المقارنة. فكل صوت شعري متميّز يبتدع رؤيته وكيفية التعبير عنها وسبر أغوارها. الشاعر هو الرؤية والمسار».
يُحكى الكثير عن قرب البنات من الآباء، لكن سحر أنسي، إضافة إلى كونه شاعراً، هل جعلا ندى الحاج الأقرب إليه، حتى من الأم؟
«رغم هذه المقولة ومن كون أبي كما وصفتِه، لم يجعلني هذا الأمر أقرب إليه من أمي ليلى التي كانت تربطني بها علاقة صداقة قوية. قربي منها كان لصيقاً منذ طفولتي الأولى حتى غيابها، وقد لعبت دوراً مباشراً وأساسياً في تكوين ذائقتي الفنية والثقافية. فكانت ممثلة مسرحية انتمت إلى مدرسة الشعر الحديث طوال خمس سنوات، اصطحبتني خلالها وأنا طفلة إلى التدريبات على المسرحيات بإخراج منير أبو دبس وتمثيل أهم الوجوه التي طبعت المسرح اللبناني في أوج تألّقه، أمثال أنطوان كرباج وميشال نبعة ورضى خوري وريمون جبارة، الذي مثّلتُ تحت إدارته لاحقاً في مسرحية (محاكمة يسوع)، حيث جسّدتُ شخصية (مريم العذراء). إضافة لتشربّي تلك الأجواء، كانت أمي تقرأ لي الشعر بإصداراته الجديدة وتصطحبني لحضور الأمسيات الفنية العالمية في ربوع لبنان، من موسيقى وباليه وغناء. كانت ملهمتي وسندي، وقد زلزلني غيابها الصاعق وعمّق في كياني معنى الخسارة الفادحة وروّضني على تقبّل واقع الموت وهتكِ أول الحجب عن بصيرتي، فانعكس ذلك في شعري حيث بتّ أمسكُ ببداية خيط صوفي نسجتُه كتاباً بعد كتاب في ظلال تجربة حية».
هل أنتِ شاعرة لأنّ والدك شاعر؟ تجيب بالنقيضين أيضاً: «بالتأكيد أنّ البيئة والجوّ اللذين نشأتُ فيهما أثّرا في تكويني، بالإضافة إلى الجينات التي تلعب دورها. والأهم من ذلك أنّ الكتابة الشعرية كانت ولا تزال بالنسبة لي ملاذي وخلاصي ونفَسي الذي به أحيا وأفهم ذاتي والكون ومن فيه بأبعاده المحسوسة وغير المحسوسة».
ماذا عن طقوس ندى الحاج في الكتابة، وهل تتشابه مع طقوس والدها؟ هناك بعض التشابه، فالليل، كما كان الحال مع الاب، هو رفيقها، «لكن المهم أن أكون بمفردي حين أكتب. الكتابة طقسي الذي يختزل حياتي. أشترك مع أبي بالأرق لوقت متقدّم من الليل، وبالإحساس المرهف تجاه الجمال بكامل توهّجه وهشاشته، وبالحس الإنساني العميق في رؤية الحياة والاحتفاء بالحب حتى المطلق. ومع مرور الزمن، أشعر أكثر فأكثر أني أعيش غربة الشاعر كما عاشها هو، في عالم أراده وحلم به وكتبه، أرحم وأرحب».
عذراً على استدعاء الأيام الأخيرة للوالد وفترة مرضه، لكن ماذا يبقى في ندى الحاج من قسوتها وحرقتها؟ تشاء عدم التحدّث عن أيامه الأخيرة ويؤلمها تذكّر تلك المرحلة. وتحمد الله أنه رحل محاطاً بحب كبير وحضن عائلي دافئ. إنها تفضل أن تستذكره «بكتاباته الرؤيوية الإنسانية والشعرية وبما تركه من إرث فكري عميق في النفوس والقراء في لبنان والعالم العربي. كلماته تظل حَرّى وحُرّة، مدوّية تخرق الأزمان والقلوب والأذهان، بلغة تحفّز الإنسان على تخطي ذاته وتوسيع آفاقه وتذوّق اكتشافات أبعاد كونية جديدة».
لو أتيح لك الهمس إلى روحه، فماذا تقولين؟: «سأقول له كم أشتاق لأحاديثه وصوت ضحكته وحكمة فكره النيّر الذي قدّمه بسخاء، فلم تبقَ كلمة لديه ليكتبها بعد أن قال كل شيء وصمَتَ. لا أطالبه سوى أن يظل يرافقني من حيث هو ويظل ملهمي وسندي ويمدّني بالقوة. كلماتك هي الكلمات... أحبك أبي».



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».