ندى الحاج تستعيد ذكرى أبيها «الذي لم يكن أباً عادياً»

بعد ثماني سنوات على رحيل أنسي الحاج

ندى مع أبيها أنسي الحاج
ندى مع أبيها أنسي الحاج
TT

ندى الحاج تستعيد ذكرى أبيها «الذي لم يكن أباً عادياً»

ندى مع أبيها أنسي الحاج
ندى مع أبيها أنسي الحاج

يوم الثامن عشر من هذا الشهر، تكون قد مرت ثماني سنوات، على رحيل الشاعر اللبناني أنسي الحاج. وفي هذه المناسبة، ننشر هذا الحوار مع ابنته الشاعرة ندى الحاج، التي تتحدث فيه عن أنسي الحاج كأب، وعلاقته مع أسرته، وطقوسه اليومية في الكتابة، وتأثيره عليها كشاعرة.
وندى الحاج، المولودة في بيروت، درست الفلسفة في جامعة السوربون بباريس، وبعدها خاضت تجربة التمثيل المسرحي مع المخرج الراحل ريمون جبارة. وشاركت الأديبة اللبنانية مي منسّى في ترجمة ديوان الشاعرة نادية تويني «محفوظات عاطفية لحرب في لبنان» من الفرنسية إلى العربية، وكذلك كتبت في الصحافة الثقافية لمدة 25 عاماً. وقد أصدرت لحد الآن تسع مجموعات شعرية.
نسألها أولاً، هل تشعر كشاعرة بارتباط اسمها باسم أبيها... بمعنى آخر، هل يثقل إرث أبيها عليها، هل خرجت من سطوة هذا التأثير؟
تجيب: «لا يمكنني الفصل بين ندى الإنسانة والشاعرة وبين الهوية الاجتماعية والثقافية التي ولدتُ وتربيتُ فيها. لا أحد يختار جيناته ووالديه وبيئته، لكن يمكنه أن يطوّر خياراته ويصقل تجاربه ليكتشف ذاته وصيرورته ويفهم غاية وجوده ومروره العابر على الأرض. هذا السؤال ربما راود الجميع لدى إصداري دواويني الأولى منذ (صلاة في الريح)، كوني منبثقة من كنف والدي الشاعر الفائق الحضور والتوهّج. ولم يكن أمراً سهلاً أن أخطّ لنفسي اسماً وطريقاً شعرياً مستقلاً. واتضح أني منذ البداية تبعتُ نداء صوتي الداخلي الذي رسم شخصيتي ومساري المختلفين عن شخصية أبي ومساره. ثم، إنّ الهوية ليست مقولبة في إطار ولا تسميات وألقاب، بل تتبع مساراً يشبه حركة الأمواج المتعاقبة. بالنسبة إليها، لا موجة تشبه الأخرى ولا لحظة تتكرر، فـالحياة تقدّم لنا ذاتها لنكتشفها مع كل تجربة ولقاء وكل شمس وظلام. وأنا أتطلع إلى هويتي من خلال النور الداخلي الذي يضيء لي الدروب ويسعفني على التقدّم والتعرّف والفهم والحكمة».
بعد ثماني سنوات، هل لا تزال ندى الحاج تشعر بمرارة الرحيل هي التي اختبرت تجربة الفراق الأليمة لدى رحيل والدتها قبل غياب والدها بعشر سنوات؟ تردّ بأنها تشعر بهما يرافقانها في كل لحظة وهي على تواصل دائم معهما، وتتابع: «أؤمن بعمق أنّ الموت لا يحول دون حضور أرواح الذين سبقونا بجانبنا وفي كياننا بقوة. فلا يشكّل الغياب الجسدي حاجزاً، بل تكون الروح قد تحررت من قوالبها المادية وتعقيداتها لتسكن مدارات الصفاء. وكلما سعينا إلى تصفية أنفسنا، نحن الأحياء على هذه الفانية، كنا على استعداد للتواصل مع أحبائنا في الضفة الأخرى بشفافية وقبول. إيماني قوي بأنّ الرفقة لا تقتصر على من نراهم بأعيننا الجسدية، بل تشمل كذلك من نشعر بهم في قلوبنا».
كيف كان أنسي الأب؟ أي «مزاج» شعري كان يُسقطه على علاقته بعائلته؟ كيف كانت تتعاطى مع أمزجته؟ ثم كيف كان يقضي الوقت بين أسرته؟ تجيبنا: «لطالما أحسستُ بأنه لم يكن والداً عادياً. وكان في الليل يعيش وسط كتبه وفي مكتبه في جريدة (النهار) التي شكّلت أسرته الثانية لنحو نصف قرن. اقتصر وقته معي ومع أخي في طفولتنا على القصص الخيالية والطريفة التي كان يختلقها ويرويها لنا خلال نصف ساعة يومياً قبل ذهابه إلى العمل. وكان يغذّي مخيلتنا باستمرار بالكتب التي يقتنيها لنا بوفرة، وبالأفلام السينمائية التي كان يصطحبنا لمشاهدتها مرة أسبوعياً في شارع الحمراء. لم نرتوِ من حضوره كحال الأولاد مع والد عادي يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، لكن هذا الجانب بالذات جعل مني ما أنا عليه اليوم، شاعرة تحيا حضور الغياب. لطالما أحسستُ بتواطؤ داخلي ورابط سرّي دفين يجمعني به. ربما هو رابط الشعر الذي تكوّن بداخلي منذ الطفولة، وبالتحديد منذ أن كتبتُ أحرف قصيدتي الأولى في سنّ السابعة، وكان جوّها ماورائياً يعكس بذور شخصيتي المنجذبة إلى العوالم اللامرئية والأسئلة الوجودية الكبرى، مما أثار تعجب أبي. وكنتُ أطرح عليه باستمرار سؤالاً حول حقيقة ظواهر الأمور، ويجيبني بضحكة لم تكن تروي فضولي المندهش. فصارت كتابة الشعر هي دليلي الباطني واستكشافي. لم يحاول أن يلعب دوراً في توجّهي الشعري، بل تركني أخطّ مساري لوحدي، حرصاً منه على استقلالية شخصيتي وعدم التأثير على صفائي الداخلي».
وتضيف ندى الحاج أنّ والدها كان أباً حنوناً ولم يكن متشدداً إلا حيال إبعاد عائلته عن أجواء عمله. وتذكر أنه «فصل تماماً بين حياته العائلية (إن كنا نستطيع أن نسميها حياة عائلية) وحياته (الأخرى). فالمهمة التربوية كانت من نصيب والدتي، كما اهتمامها بتفاصيل الحياة اليومية. كانت تراعي مزاج والدي الشعري وتحترم خصوصيته وتحرص على عدم إقحامه بكل ما يعكّر صفوه. ثم انتقل ذلك الأمر إليّ، فحرصتُ طوال حياته على احترام تلك المسافة معه، بخاصة أنني شاعرة أفهم حاجة الشاعر إليها».
نسألها: يبدو صعباً أن تكوني ابنة شاعر بحجم أنسي الحاج؟ فتجيب بالنقيضين: «نعم ولا». نعم، لأنّ حضور الأب الشاعر هو طاغٍ بلا شك. ولا، لأنني ببساطة اعتدتُ أن أكون نفسي من دون التشبّه به أو بسواه أو المقارنة. فكل صوت شعري متميّز يبتدع رؤيته وكيفية التعبير عنها وسبر أغوارها. الشاعر هو الرؤية والمسار».
يُحكى الكثير عن قرب البنات من الآباء، لكن سحر أنسي، إضافة إلى كونه شاعراً، هل جعلا ندى الحاج الأقرب إليه، حتى من الأم؟
«رغم هذه المقولة ومن كون أبي كما وصفتِه، لم يجعلني هذا الأمر أقرب إليه من أمي ليلى التي كانت تربطني بها علاقة صداقة قوية. قربي منها كان لصيقاً منذ طفولتي الأولى حتى غيابها، وقد لعبت دوراً مباشراً وأساسياً في تكوين ذائقتي الفنية والثقافية. فكانت ممثلة مسرحية انتمت إلى مدرسة الشعر الحديث طوال خمس سنوات، اصطحبتني خلالها وأنا طفلة إلى التدريبات على المسرحيات بإخراج منير أبو دبس وتمثيل أهم الوجوه التي طبعت المسرح اللبناني في أوج تألّقه، أمثال أنطوان كرباج وميشال نبعة ورضى خوري وريمون جبارة، الذي مثّلتُ تحت إدارته لاحقاً في مسرحية (محاكمة يسوع)، حيث جسّدتُ شخصية (مريم العذراء). إضافة لتشربّي تلك الأجواء، كانت أمي تقرأ لي الشعر بإصداراته الجديدة وتصطحبني لحضور الأمسيات الفنية العالمية في ربوع لبنان، من موسيقى وباليه وغناء. كانت ملهمتي وسندي، وقد زلزلني غيابها الصاعق وعمّق في كياني معنى الخسارة الفادحة وروّضني على تقبّل واقع الموت وهتكِ أول الحجب عن بصيرتي، فانعكس ذلك في شعري حيث بتّ أمسكُ ببداية خيط صوفي نسجتُه كتاباً بعد كتاب في ظلال تجربة حية».
هل أنتِ شاعرة لأنّ والدك شاعر؟ تجيب بالنقيضين أيضاً: «بالتأكيد أنّ البيئة والجوّ اللذين نشأتُ فيهما أثّرا في تكويني، بالإضافة إلى الجينات التي تلعب دورها. والأهم من ذلك أنّ الكتابة الشعرية كانت ولا تزال بالنسبة لي ملاذي وخلاصي ونفَسي الذي به أحيا وأفهم ذاتي والكون ومن فيه بأبعاده المحسوسة وغير المحسوسة».
ماذا عن طقوس ندى الحاج في الكتابة، وهل تتشابه مع طقوس والدها؟ هناك بعض التشابه، فالليل، كما كان الحال مع الاب، هو رفيقها، «لكن المهم أن أكون بمفردي حين أكتب. الكتابة طقسي الذي يختزل حياتي. أشترك مع أبي بالأرق لوقت متقدّم من الليل، وبالإحساس المرهف تجاه الجمال بكامل توهّجه وهشاشته، وبالحس الإنساني العميق في رؤية الحياة والاحتفاء بالحب حتى المطلق. ومع مرور الزمن، أشعر أكثر فأكثر أني أعيش غربة الشاعر كما عاشها هو، في عالم أراده وحلم به وكتبه، أرحم وأرحب».
عذراً على استدعاء الأيام الأخيرة للوالد وفترة مرضه، لكن ماذا يبقى في ندى الحاج من قسوتها وحرقتها؟ تشاء عدم التحدّث عن أيامه الأخيرة ويؤلمها تذكّر تلك المرحلة. وتحمد الله أنه رحل محاطاً بحب كبير وحضن عائلي دافئ. إنها تفضل أن تستذكره «بكتاباته الرؤيوية الإنسانية والشعرية وبما تركه من إرث فكري عميق في النفوس والقراء في لبنان والعالم العربي. كلماته تظل حَرّى وحُرّة، مدوّية تخرق الأزمان والقلوب والأذهان، بلغة تحفّز الإنسان على تخطي ذاته وتوسيع آفاقه وتذوّق اكتشافات أبعاد كونية جديدة».
لو أتيح لك الهمس إلى روحه، فماذا تقولين؟: «سأقول له كم أشتاق لأحاديثه وصوت ضحكته وحكمة فكره النيّر الذي قدّمه بسخاء، فلم تبقَ كلمة لديه ليكتبها بعد أن قال كل شيء وصمَتَ. لا أطالبه سوى أن يظل يرافقني من حيث هو ويظل ملهمي وسندي ويمدّني بالقوة. كلماتك هي الكلمات... أحبك أبي».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».