الوجه الغامض والتوق إلى الخلاص في أفلام بول شرادر

أعلن أن فيلمه الأخير أفضل أفلام العام

TT

الوجه الغامض والتوق إلى الخلاص في أفلام بول شرادر

لم يتوقف كثيرون عند تصريح المخرج بول شرادر قبل أقل من شهر عندما قال إن فيلمه الأخير «عدّاد ورق اللعب» (The Card Counter) هو أفضل فيلم هذا العام.
لم يعلّق على كلامه أحد ولم يرد عليه أحد أو يوافقه (حسبما تابعنا) أحد أيضاً. ربما مرت كلمته تلك من تحت الرادار أو ربما عُدّت من باب الرغبة الذاتية في إعلاء الشأن خصوصاً أن الفيلم انتقل من مهرجان فنيسيا (حيث شهد عرضه العالمي الأول) إلى عدد محدود من صالات السينما الأميركية بقليل من الاهتمام الإعلامي.
لم يسعف الفيلم أن معظم النقاد في الصحف والمواقع المحترمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا أحبوا الفيلم وأشادوا به. في إيطاليا مُنح الفيلم كذلك درجات عليا من الإشادة خلال أيام المهرجان. في غير مكان لم يختلف الوضع كثيراً. الفيلم من القوّة بحيث لا يمكن تجاهله.
يتمتع «عداد ورق اللعب» بكتابة بديعة وموحية كافية لاتخاذها دروساً للهواة والمحترفين. يتميّز بإخراج ملمٍّ بكل ما تستطيع الصورة ضمّه في كادراتها من قوة التشكيل وقوّة المضمون. في الواقع، هو أفضل شأناً -وعلى أرضية فنية وتقنية محضة- من «قوّة الكلب» الذي نال أضعاف أضعاف ما حققه «ذا كارد كاونتر» من حجم اهتمامٍ وانتشارٍ وجوائز.
على ذلك، لعل الحق على النقاد. معظم من كتب إيجابياً عن الفيلم كتب عنه كفيلم جيّد، بينما هو في الواقع، ليس فيلماً جيداً فحسب بل فيلم مهم جدّاً أيضاً. بالنسبة للنقاد العرب فإن معظمهم يشاهد من 10 إلى 15% فقط من الأفلام الجديدة وذلك بناءً على أسماء مخرجين حفظوها منذ زمن: مارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ وترنس مالك وحفنة من غير الأميركيين إذا استطاعوا الوصول إليها. بول شرادر توقف اهتمام البعض به عند حقيقة أنه كتب سيناريو فيلم «تاكسي درايفر». أبعد من ذلك؟ مستحيل.
متاعب شخصية
لا يخفى أن شخصيات بول شرادر محمّلة بالهموم والمعاناة. منذ أن وضع سيناريو «Taxi Driver» سنة 1976 وهو يرصد تلك الشخصيات التي تبحث عن ملاذ لآلامها وإجابات لأسئلتها لكنها تنتهي من دون إنجاز النقلة المأمولة إلى الأمام. تختلف حكاياته لكنها تلتقي عند نوعية هذه الشخصيات وما تود الخلاص منه. «عداد ورق اللعب» مرتبط عضوياً بـ«تاكسي درايفر» (مارتن سكورسيزي، 1976) وبـ«ثور هائج» (Raging Bull، سكورسيزي، 1980)، و«هاردكور» (شرادر، 1979)، و«نائم خفيف» (Light Sleeper، شرادر، 1992) وصولاً إلى فيلم شرادر السابق مباشرةً لهذا الفيلم وهو «مؤهل أول» (First Reformed) 2017.
لا يكتب شرادر سيناريوهاته لكي ينضم إلى ما يطرحه سواه. ولا يحقق أفلامه لكي تشبه أفلام آخرين في السينما الأميركية. وفي حين أن سبيلبرغ قد ينجز فيلماً عن الغرام بين أبيض ولاتينية، وتقوم جين كامبيون بالحديث عن رجل يواجه مسألة مبتدعة مثل معنى الرجولة في عصر مضى، يسعى شرادر للحديث عن الرجل الأميركي في أيامنا اليوم. عن محنة التصادم بين أخلاقياته وبين مجتمع غير ملتزم بها.
شخصياته محمّلة بمتاعب شخصية تبحث عن خلاص في مجتمع لا يتيح لها حُسن الخلاص. خلفيات هذه الشخصيات لا علاقة لها بحلم كبير لم يتحقق ولا آمال معلّقة، بل تعيش صراعات وأزمات داخلية تحاول حلّها عندما تخفق في تحاشي الصدام النهائي الكبير معها. كما في «تاكسي درايفر»، نهاية «عدّاد ورق اللعب» هي المجابهة الدموية. كما في «ثور هائج» هي في تدمير الذات الذي هو النهاية الختامية لكل هذه الشخصيات في أفلامه.
هنا يقدّم لنا شخصية رجل اسمه تل (أوسكار أيزاك). غامض إلى حد يُرضيه لكنه ليس غريب الأطوار. خرج من السجن بعد ثماني سنوات تلت الحكم عليه لقيامه بتعذيب السجناء في «أبو غريب» وها هو يعمد إلى توظيف خبرة حصدها وراء القضبان وهي أوراق اللعب. يعرف تماماً قوّة كل ورقة وما هي الأوراق التي مرّت أمام عينيه وكيف يتوقف عندما يبلغ حداً معيّناً من الربح... ينتقل من كازينو لآخر ومن مدينة لأخرى. لا ينزل في فندق الكازينوهات التي يلعب فيها، بل يختار «موتيلات» بسيطة. هناك يكتب مذكراته وتعليقاته التي نسمعها خلال الفيلم. مذكرات مفعمة بالأفكار الموحية ويلقيها أيزاك بصوت خافت ومتألّم.
معاناته في مذكرات
في مدى أيام يتعرّف على شخصين: امرأة أفرو - أميركية اسمها لا ليندا (تيفاني هاديش) تعرض عليه رأسمال يمكّنه من الانتقال من الربح الصغير إلى الربح الكبير، وشاب اسمه سيرك (تاي شريدان) يريد الانتقام من غوردو (ويلَم دافو). غوردو كان مسؤولاً عن تجنيد الزمر التي قامت بالتعذيب الوحشي في ذلك السجن. عندما تم فضح هذه الممارسات تم إرسال أمثال ويليام تل ووالد سيرك الذي لم يستطع التأقلم مع المجتمع الذي عاد إليه فانتحر. أما غوردو فواصل حياته المهنية بحماية النظام الذي ابتدع له المهنة، أو كما يقول تل في مذكراته: «أما الذين فوق والذين فوق الذين فوق فنجوا».
تل يبقى المحور. نسمع صوته معلّقاً ونشاهده يكتب مذكّراته. هذا ما فعله إيثان هوك في «First Reform»، وويلَم دافو في «Light Sleeper». كلاهما انكبّ على كتابة معاناته على الورق وأسمعنا ما يمر به. ما يضيفه شرادر إلى هذه الأفلام (ومجمل أعماله الأخرى) ذلك الهاجس الداكن الذي يخيّم على نفوس شخصياته وينتشر في الفيلم عبر اختيارات المخرج من المشاهد. أبطاله، منذ البدايات، وحيدون. يعيشون عزلة مختارة ويرتاحون فيها أو هكذا يعتقدون إلى حين الاصطدام مجدداً بما حاولوا الابتعاد عنه.
يكاد «عداد ورق اللعب» يكون بلا هنّات. ينقص بعض تصرفات بطله (أوسكار أيزاك) دوافع واضحة. لكن هذا النقص يتوارى بسبب أسلوب شرادر المعنيّ جيداً بصَهر الشخصيات وأفعالها وتفاصيل الحياة التي يوفرها على طاولات اللعب وبعيداً عنها، وبصرياته و«اللوك» الذي يمنحه لفيلمه فنياً وكتنفيذ، في محيط متوازن ما بين الفعل وردّ الفعل. من الكتمان والإفصاح ومن العواطف التي تنتظر وقتها المناسب. يستخدم المخرج مشاهد الاستعادة ويقطع عليها بضع مرّات ودائماً في التوقيت الصحيح والأماكن المناسبة.
من حسنات الفيلم أنه لا يوظّف موضوع «أبو غريب» لخدمة وجهة سياسية واحدة، بل يبقيها في توجهها الإنساني. يصفها بالوحشية لكنه لا يذهب بها إلى حد تحويلها إلى قضية أولى. يمنحها حقّها من الإدانة ولا يزيد. هذا، ضمن اهتمامه بالأجواء النفسية والعاطفية والحياتية الداكنة، أفضل بكثير مما لو احتفى بها على منوال خطابي مباشر. تكفيه مشاهد للسجن تبدو كما لو تم تصويرها في جهنم والعبارة التي يتولاها غوردو وهو ينهر سجيناً عربياً عارياً وملقى كالقمامة في ركنه من السجن: «أيام الراحة انتهت يا أحمد».
الغلبة للأخلاقيات
ما الذي يجعل شرادر يختار شخصيات خاسرة. تساءل الناقد جون هاملتون قبل 12 سنة والسؤال لا يزال وارداً ويتكرر مع كل مرة نرى فيها روبرت دينيرو في «تاكسي درايفر» و«الثور الهائج أو رتشارد غير في «أميركان جيغولو» أو جورج س. سكوت في «هاردكور» وصولاً إلى أفلام شرادر القريبة: نك نولتي في «محنة»، وإيثان هوك في «فيرست ريفورمد».
شرادر غصن في شجرة مبدعي أواخر الستينات ومطلع السبعينات. هو من جيل فرنسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي وجورج لوكاس، لكنه لم يكترث لدخول صرح الأعمال المصروف عليها من الاستديوهات الكبيرة إلا لفترة تلت نجاح أعماله الأولى كمخرج («أميركان جيغولو»). نراه حقق فيلماً بأسس هوليوود الحتمية («كات بيبول»، 1982) لكنه انقلب بعيداً عنها عندما حفر في حياة الكاتب الياباني يوكيو ميشيما وخرج بفيلمه المهم «يوشيما: حياة من أربعة فصول» (أنتجته شركة «زيوتروب لكوبولا»).
تنتهي معظم أفلام شرادر بتغليب الأخلاقيات. هو مؤمن بأن ذلك ضروري. جزء من الحياة. في الجانب الآخر هي أفلام نوار (سبق وحقق فيلماً تسجيلياً بعنوان «ملاحظات على الفيلم نوار»، 1971) ما يجعل الصراع بين الخير والشر يرتع في ثنايا التصوير الداكن الملائم للصراع ذاته. وفي بُعد ثالث، هناك صحة لما قاله البعض في أعماله من أن أفلامه هي براغمانية (نسبةً إلى المخرج السويدي الشهير إنغمار برغمن). ربما كل ما كانت تحتاج إليه لكي تحتل لدى نقاد اليوم أهمية أعلى أن تنطق بلغة غير أميركية.


مقالات ذات صلة

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق توم كروز وريز أحمد في مشهد من الفيلم (imdb)

بعد إخفاقه عالمياً... افتتاحية ضعيفة لـ«ديغر» في شباك التذاكر السعودي

تماشياً مع تعثره في شباك التذاكر العالمي، سجَّل فيلم «ديغر (Digger)» افتتاحية ضعيفة في السعودية، بعدما حقَّق أحدث أفلام توم كروز 1.8 مليون ريال (480 ألف دولار)

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.