لبنان: معركة الزعامات المسيحية في انتخابات {دائرة الشمال الثالثة»

تتنافس فيها أربع لوائح للأحزاب وواحدة للمجتمع المدني

TT

لبنان: معركة الزعامات المسيحية في انتخابات {دائرة الشمال الثالثة»

تعد المعركة في «دائرة الشمال الثالثة» التي تُعرف بأنها دائرة «مرشحي رئاسة الجمهورية والزعامات المسيحية»، من أشرس المعارك الانتخابية التي تخوضها الأحزاب والمجتمع المدني بعد خلط أوراق التحالفات والتعويل على تبدّل المزاج الشعبي مع دخول مجموعات المعارضة على الخط، وحماسة المغتربين للاقتراع.
وإذا كان الجميع، على اختلاف توجهاتهم، يخوضون المعركة بهدف الفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد، فإن الهدف الثاني الذي يجمع معظم اللوائح ولا سيما الحزبية منها، هو هزيمة رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي يخوض معركته النيابية والرئاسية من البترون، وهو تحديداً هدف اللوائح المدعومة من حزب «القوات اللبنانية» و«تيار المردة» و«حزب الكتائب».
وكان باسيل قد فاز في الانتخابات السابقة بتحالفه مع النائب ميشال معوض و«تيار المستقبل» والحزب القومي، وهي التحالفات التي سقطت في معظمها هذه المرة بعد عزوف «المستقبل» واستحالة حصول باسيل على أصوات السنة في المنطقة، بعدما كان رئيس «المستقبل» سعد الحريري قد دعاهم إلى التصويت «لصديقه جبران» (آنذاك)، وتوجه معوض لخوض المعركة مع «حزب الكتائب» وابن الوزير السابق بطرس حرب، مجد حرب، فيما يبدو أن أصوات «الحزب القومي» ستتوزع بين «الوطني الحر» و«تيار المردة» برئاسة سليمان فرنجية، الخصم الشرس لباسيل في الانتخابات النيابية والرئاسية على حد سواء.
وفيما يخوض حزب «القوات اللبنانية» معركة الرئاسة أيضاً في هذه الدائرة وهو الذي يعد الأقوى حزبياً وحصل في الانتخابات السابقة على 3 مقاعد، فإن المجتمع المدني يدخل هذا الاستحقاق الأول من نوعه بعد الانتفاضة الشعبية معوّلاً على تبدّل المزاج الشعبي، بلائحة «شمالنا».
ويدرك «التيار الوطني الحر» حجم المعركة التي يخوضها رئيسه الذي سبق له أن خسر في الانتخابات النيابية عامي 2005 و2009 وفاز في انتخابات 2018 بنحو 12 ألف صوت، وهو ما أشار إليه بشكل واضح النائب في «التيار» أسعد درغام قائلاً في حديث تلفزيوني إن «باسيل سيكون الأول عن دائرة البترون، وفوزه سيكون عبرة للجميع»، مضيفاً: «فليتجمع الكل ويترشح عن البترون وسوف نرى، والكلمة الفصل تبقى للأهالي».
وبانتظار ما ستكون عليه صورة اللوائح الأخيرة في هذه الدائرة التي يتنافس فيها المرشحون على عشرة مقاعد وتضم البترون (مارونيان) والكورة (3 أرثوذكس) وبشري (مارونيان) وزغرتا (3 موارنة)، ستتنافس فيها خمس لوائح حتى الساعة وإن لم يُعلن عنها جميعها بشكل رسمي، وهي تلك التي تجمع «الكتائب» مع حرب ومعوض، ولائحة «التيار الوطني الحر» ولائحة «حزب القوات» ولائحة «تيار المردة» ولائحة المجتمع المدني تحت اسم «شمالنا».
ويقول مسؤول جهاز الإعلام في «حزب الكتائب» باتريك ريشا لـ«الشرق الأوسط»: «لا شكّ أن هدفنا الفوز في البترون وإسقاط جبران باسيل، كما أن دعم حرب يندرج في هذا السياق لأن اللائحة لا تحتمل دعم مرشحين اثنين». وفيما يلفت إلى أن التحالف مع النائب ميشال معوض محسوم انطلاقاً من وجود الطرفين في جبهة المعارضة، يؤكد أن الدراسات تشير إلى «فوزنا بمقعدين»، لافتاً إلى أن هناك مبادرات يعمل عليها بهدف التقارب والتحالف مع مجموعات المعارضة وبشكل أساسي مع «تجمع شمالنا» بهدف توحيد الصفوف قائلا: «أبوابنا مفتوحة والكرة في ملعبهم».
لكن في المقابل لا يبدو أن «شمالنا» متحمّسة للتحالف مع لائحة «الكتائب»، اعتراضاً منها على طريقة عقد تحالفاتها وهي التي تُجري انتخابات تمهيدية لتنتقل في المرحلة الثانية إلى إعلان أسماء مرشحيها في 20 فبراير (شباط) الحالي في الدائرة بناءً على خيارات الناخبين الذي يقترعون على الموقع الخاص بهم.
وفيما يلفت المرشّح عن منطقة البترون ربيع الشاعر إلى أهمية الخطوة التي يقومون بها لا سيما في هذه الدائرة في وجه الزعامات المسيحية التقليدية وهي التجربة الأولى من نوعها، يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف هو بناء توجّه سياسي جديد وتغيير سلوكيات ليعتاد الناس على المحاسبة بعيداً عن الزعامات والوراثة السياسية. ويقول: «لا نبني مشروعنا على إسقاط شخص معيّن»، في رد على سؤال عما إذا كان هدفهم إسقاط باسيل، ويضيف: «لا يمكن أن نعمل عكس ما يريده أبناء المنطقة الذين تركوا الأحزاب التقليدية واختاروا (شمالنا) عبر إعادتهم إلى هذه الأحزاب والطلب منهم انتخاب مرشحيها»، مؤكداً: «نرفض استغلال الناس كِرمى لحاصل انتخابي».
وعن توقعاتهم الانتخابية، يقول الشاعر: «كنا قد أجرينا استطلاعاً للرأي قبل شهر، أي قبل انطلاق حملتنا الانتخابية الفعلية، أظهر أنه بإمكاننا أن نحصل على 1.55 من أصل عشرة مقاعد»، مؤكداً: «إذا توحّدت قوى التغيير وأصبح هناك جوّ انتخابي رافض سنشهد مفاجآت»، متوقفاً كذلك عند انعكاس انسحاب الحريري من المعركة، «وهو ما قد يؤدي إلى تأييدنا من عدد كبير من الطائفة السنية الذين يبلغ عددهم نحو 13 ألف ناخب».
من جهتها، تقول مصادر حزب «القوات اللبنانية» إن «الحزب يتعامل مع دائرة الشمال الثالثة كأي دائرة أخرى انطلاقاً من أولوية الوصول إلى أكثرية نيابية قادرة على تعزيز وتمكين القوى السيادية في مواجهة القوى غير السيادية إضافةً إلى أنها تشكّل ثقلاً قواتياً أساسياً». وفي معركة إسقاط باسيل تذكّر المصادر «بما سمّي التسونامي العوني والذي لم يستطع حينها التمدد إلى الشمال رغم الاتفاق الضمني مع (حزب الله)».
أما بالنسبة إلى رئيس «الوطني الحر» فترى «القوات»، حسب المصادر، أنه «إذا رسب جبران أم نجح هو في المعادلة الوطنية والسياسية في موقع الساقط لأن الرأي العام اللبناني أسقطه في انتفاضة 2019 وممارسة العهد السياسية أسقطت هذا الفريق بعد انكشافه على حقيقته من خلال ممارساته التي تتناقض مع العناوين التي رفعها».
ويرى الخبير الانتخابي كمال فغالي أنه لا يمكن حسم النتائج بناء على التحالفات واللوائح التي أُعلن عنها حتى الساعة في دائرة الشمال الثالثة على غرار معظم الدوائر الانتخابية، كاشفاً أن استطلاعات الرأي التي أُجريت في عدد كبير من المناطق اللبنانية أظهرت توجه نحو 70% من اللبنانيين إلى مقاطعة الانتخابات أو عدم رغبتهم في الإفصاح عن الجهة التي سيصوّتون لها بانتظار اتضاح صورة الانتخابات الكاملة، مع تشديده على أن توحّد مجموعات المجتمع المدني إذا حصل، سيغيّر كل المعادلة، مشيراً في الوقت عينه إلى تراجع شعبية مختلف الأحزاب في المنطقة كما في كل المناطق اللبنانية.
وبناءً على ما ظهر من تحالفات، يقول فغالي لـ«الشرق الأوسط» إن التحالف الذي جمع «الكتائب» مع معوض وحرب سيمكّنهم من الحصول على «حاصل انتخابي واحد»، أي مقعد واحد، (كان 11580 صوتاً عام 2018).
مؤكداً في الوقت عينه أنه إذا استطاع هذا الائتلاف التحالف مع مجموعة «شمالنا» عندها سيتمكنون من الحصول على مقعدين أو ثلاثة، لا سيما أن المغتربين في هذه الدائرة الذين يشكّلون النسبة الكبرى من المسجلين للاقتراع، يدعمون مجموعات المعارضة.
من هنا ورغم اعتبار البعض أن خسارة باسيل مهمة شبه مستحيلة، فإن هذا التحالف، إذا حصل، حسب فغالي، وارتفعت نسبة المشاركة في الانتخابات، من شأنه أن يطيح برئيس «الوطني الحر» وحظوظ فوزه ولائحته.
وقبل يومين أعلن رئيس «الكتائب» النائب المستقيل سامي الجميل، عن تحالفه مع مجد حرب، واصفاً الاستحقاق الانتخابي المقبل بالمعركة المصيرية بالنسبة إلى مستقبل البلد، ووصف الانتخابات في «الشمال الثالثة» بـ«أم المعارك» و«المعركة الكبيرة» خصوصاً في البترون، كاشفاً أنه «بعد دراسة كل الأرقام رأينا أن هناك ضرورة لتوحيد الجهود لربح المعركة وأن تصبّ الأصوات التفضيلية لصالح مرشح واحد»، موضحاً أن ظروف المعركة تقتضي التوحّد عبر مرشح واحد وبالتالي دعم ترشيح حرب بدل النائب السابق سامر سعادة، علماً بأن بطرس حرب كان قد حصل على نحو 6 آلاف صوت في الانتخابات الأخيرة من المرجّح أن تُمنح في معظمها لابنه.
وهذا الخيار الذي لاقى رفضاً من سعادة الذي نال عام 2018 نحو 2500 صوت، يبدو أنه سينعكس انقساماً بين الكتائبيين أنفسهم، بحيث أعلن سعادة أنه قد يأخذ قراره بالترشّح وبالتالي سيؤدي ذلك إلى توزيع الأصوات بين سعادة وبين من يدعم خيار «حزب الكتائب» ترشيح مجد حرب.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.