داريوش شايغان... الوجه الآخر لإيران

كان يرى أن التضاد بين الغرب والآخرين لم يعد صالحاً في عصر العولمة الكونية

داريوش شايغان
داريوش شايغان
TT

داريوش شايغان... الوجه الآخر لإيران

داريوش شايغان
داريوش شايغان

لا أعرف مثقفاً عربياً ولا مسلماً واحداً أكثر انهماكاً في مسألة العلاقة بين التراث والحداثة من داريوش شايغان. لقد كانت شغله الشاغل على مدار خمسين سنة متواصلة؛ أي حتى رحيله عن هذا العالم عام 2018، مخلفاً وراءه العديد من الكتب المرجعية.
وهنا منذ البداية أقول: لحسن الحظ، فإن الفكر لا يموت بموت صاحبه، وإنما يظل حياً متألقاً بعده، إذا كان فكراً حقيقياً مضيئاً للإشكاليات العويصة. ما دام المثقف يخلِّف وراءه أعمالاً كبرى تخلده، وتضيء للأجيال القادمة الطريق، فإنه لا يموت. المفكر الكبير -بهذا المعنى- يظل يعيش معنا، بيننا، يظل يرافقنا. يكفي أن نفتح كتبه لكي نسمع صوته، لكي نستفيد من إضاءاته وإرشاداته. وهذا هو عزاؤنا الوحيد في الواقع بعد رحيله. هل مات ابن سينا؟ هل مات المعري؟ هل مات المتنبي؟ أين هو انتصارك يا موت؟ العباقرة لا يموتون!
نذكر من بين مؤلفاته: «ما الثورة الدينية؟»، وفيه ينتقد أدلجة الدين بعد الفورة الأصولية الخمينية عام 1979. والمقصود بالأدلجة هنا نزع القداسة عن الدين، وتحويله إلى مجرد آيديولوجيا سياسية مربحة جداً، على صعيد التجييش الشعبي، أو بالأحرى: الشعبوي و«الانتخابات الديمقراطية»! وحدها المتاجرة بالدين تبدو فعالة وفتاكة وقادرة على إنزال الجماهير إلى الشارع بالملايين. شيخ صغير واحد يعادل كل المثقفين العرب دفعة واحدة!
ثم كتاب: «النظرة المبتورة. البلدان التقليدية في مواجهة الحداثة»، وفيه يدرس ظاهرة الانفصام السيكولوجي أو «الشيزوفرينيا» التي نعاني منها نحن أبناء العالم الإسلامي، بين الانكفاء على التراث من جهة، والانبهار بالحداثة الغربية من جهة أخرى. فنحن نتذبذب بين قطبين. نحن في منزلة بين المنزلتين. فلا القدامة انتهت بعد، ولا الحداثة انتصرت بعد. من هنا قلقنا وعذابنا وعدم استقرارنا على «خازوق» محدد؛ إذا جاز التعبير. نحن في منزلة بين المنزلتين. نحن نعيش مرحلة انتقالية مترجرجة، مليئة بالمخاضات والعذابات. ولا ننسى كتاب المقابلات الشخصية الحميمية الذي أجاب فيه على أسئلة أحد الباحثين، بعنوان شاعري جميل جداً: «تحت سماوات العالم». ولا ننسى كتابه: «النور يأتي من الغرب». ولا ننسى، ولا ننسى...
لو لم يغادر داريوش شايغان إيران بعد انتصار الظلامية الخمينية، لما استطاع إتحافنا بكل هذه الروائع والمراجع. كيف يمكن التفلسف والتعمق والتحرر في مثل هذا الجو الخانق لرجال الدين؟! لولا استقراره في باريس، عاصمة الحضارة والأنوار، لما بقي منه شيء يذكر.
ما هي النظرية الأساسية لداريوش شايغان؟ يمكن تلخيصها على النحو التالي:
على الرغم من كل نواقص الغرب وانحرافاته العدمية المقلقة، فإن داريوش شايغان يعتقد بأن النور -أي الحل والخلاص- سوف يأتي من جهة الغرب لا محالة. لماذا؟ لأن الغرب على عكس الشرق هو الذي شهد عصر التنوير الكبير في القرن الثامن عشر. ويرى أن هذا العصر يشكل منعطفاً حاسماً في تاريخ البشرية كلها، وليس فقط في تاريخ أوروبا الغربية. فالإنسان في تلك الفترة الذهبية من عمر الحضارة البشرية، أدرك لأول مرة معنى حريته وحقوقه، وأراد نفض الغبار عن نفسه، والتحرر من وصايتين اثنتين مرهقتين فوق رأسه، هما: وصاية السلطة السياسية القمعية ورهبتها، ووصاية الجلالة المقدسة لرجال الدين القمعيين أيضاً. لقد كبر الإنسان، لقد شب عن الطوق، لقد انتقل من مرحلة القصور الشرعي إلى مرحلة سن الرشد، كما يقول كانط في تعريفه للأنوار. باختصار شديد لقد تحرر من وصاية الكاهن المسيحي، وأصبح يفكر بنفسه، ويتجرأ على استخدام عقله.
ولذا يرى شايغان أنه لكي تتفتح شخصية الإنسان وتزدهر؛ بل ولكي تتفتح الروحانيات الدينية ذاتها، فإنه -ويا للمفارقة الكبرى- لا ينبغي أن يعيش في مجتمع ديني شرقي، وإنما في مجتمع غربي علماني حديث، محرَّر كلياً من اللاهوت والكهنوت. ينبغي أن تعيش في ظل حماية دولة القانون المضادة لدولة الاستبداد والتعسف والاعتباط. ينبغي أن تعيش في ظل مؤسسات عقلانية ديمقراطية، إذا ما أردت أن تكتب وتبدع. وهي المؤسسات السائدة في دول الغرب المتقدم في أوروبا وأميركا الشمالية.
ولهذا السبب، فإن معظم المثقفين العرب والمسلمين يحلمون بالهجرة إلى جامعات أوروبا وأميركا؛ حيث يستطيعون مواصلة أبحاثهم بكل حرية. لو أن فضل الرحمن لم يغادر باكستان على وجه السرعة، ولم يستقر في جامعة شيكاغو، هل كان سيتجرأ على كتابة ما كتب عن التراث؟ لو أن محمد أركون لم يبقَ في باريس وعاد إلى الجزائر بعد تخرجه في جامعة «السوربون»، هل كان سيتجرأ على إتحافنا بأكبر مشروع فكري في هذا العصر: «نقد العقل الإسلامي»؟ بالمعنى الفلسفي العميق لكلمة نقد، وليس بمعنى التجريح.
بهذا المعنى، يعتقد داريوش شايغان أن مغامرة الحداثة الكبرى كانت بمثابة حركة تحريرية ضخمة، هادفة إلى تحرير الإنسان من كل الضغوط التراثية التي تجثم على قلبه. هنا يكمن إنجاز الحداثة الأعظم.
ولذلك يقول المفكر الإيراني الشهير ما فحواه: عندما ننظر إلى أوضاع العالم الإسلامي، ماذا نلاحظ؟ نلاحظ أن رجال الدين يتعدون أو يتطاولون على الحياة الشخصية للفرد أكثر فأكثر ويقمعونها. إنهم يراقبونك في كل حركاتك وسكناتك. فكيف يمكن للفكر أن ينتعش في مثل هذه الأجواء؟ كيف يمكن أن يبدع؟ ولذا نقول: من دون الفصل الحقيقي بين التدين التقليدي المتزمت، والمعرفة الفلسفية النقدية، فإننا لن نتوصل أبداً إلى مجتمع حر أو متحرر من السلفيات الموروثة؛ أياً تكن سنية أم شيعية.
كل هذا يدل على أنه لولا أربعة قرون من الفلسفة والعلمنة، لما استطاعت أوروبا التخلص من القمع اللاهوتي المسيحي، والتوصل إلى المفهوم الحديث والعلماني للحرية والديمقراطية. هذه أصبحت بدهيات، ولكن ينبغي التذكير بها.
وعندما تسأله: هل التضاد بين الغرب والآخرين لا يزال صالحاً؟ يجيبك قائلاً: لم يعد له أي معنى في عصر العولمة الكونية. وهنا يكمن النقص الأساسي في نظرية صموئيل هانتنغتون عن صدام الحضارات. لماذا نقول بأن صدام الحضارات لن يحصل؟ لأنه لم تعد توجد حضارة صافية أو خالصة على وجه الأرض. كلنا أصبحنا مزيجاً، خليطاً من القديم التراثي والحديث الأوروبي. لم تعد توجد كتلة واحدة في مواجهة كتل أخرى. وذلك لأن الحداثة الغربية اخترقت خلال القرنين الماضيين جميع الحضارات البشرية، بما فيها الحضارة الإسلامية، عربية كانت أم فارسية أم تركية أم أفغانية باكستانية... إلخ. وبالتالي فنحن نعيش جميعاً في حالة من الخليط الحضاري، من التمازج والتفاعل المشترك والمتبادل. من هنا كتابه المهم: «الوعي الخليط أو الهجين»، باريس، 2012.
ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أننا أصبحنا جميعاً نعيش داخل حضارة كونية واحدة؛ سواء أكنا شرقيين أم غربيين، صينيين أم يابانيين أم إيرانيين أم عرباً أم فرنسيين... إلخ.
يقول داريوش شايغان في أحد اعترافاته: «لقد دهشت كثيراً عندما عدت إلى إيران بعد طول غياب في الخارج. فوجئت بمدى نجاح كتبي المترجمة من الفرنسية إلى الفارسية، فوجئت بمدى إقبال الشباب الإيراني عليها. وعرفت عندئذ أن الشباب تواقون فعلاً إلى الخروج من الأصولية الخمينية، من الظلامية الدينية. الشباب يريدون الانفتاح على العالم، على أفضل ما أعطته الحضارة العالمية؛ وخصوصاً الحضارة الأوروبية والأميركية». ثم يضيف المفكر الإيراني الكبير قائلاً: «سوف أفاجئكم -وربما أصدمكم- إذا قلت لكم إننا أصبحنا جميعاً غربيين! بمعنى أن الحداثة الغربية وصلت إلى كل الثقافات والحضارات الأخرى. لقد دخلت فيها، تغلغلت إلى أعماقها». ثم يضيف شايغان: «أنا في أعماقي أشعر عاطفياً وشعورياً بأني شرقي. على المستوى الشخصي عواطفي شرقية من دون شك. ولكن فيما يخص وعيي الفكري وروحي النقدية الفلسفية، أشعر بأني فرنسي أو أوروبي أو غربي. أنا مشكَّل من ثلاث هويات متراتبة، بعضها فوق بعض: الهوية الفارسية، والهوية الإسلامية، والهوية الحداثية الأوروبية. وكل هذا يشعرني بغنى الشخصية، ولا يسبب لي أي مشكلة. على العكس».
ثم يردف الفيلسوف الإيراني الشهير قائلاً: «اعلموا أن الحضارة الغربية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الكونية. لقد عُمِّمت على جميع شعوب الأرض. فالعلم والفلسفة والروح النقدية والمخترعات التكنولوجية كلها أشياء غربية في الأساس. ولكنها صُدِّرت إلى شتى أنحاء العالم. وبالتالي فإن أي أمة ترفض التنوير الفلسفي بحجة الحفاظ على خصوصيتها وأصالتها، تعاقب نفسها بنفسها، وتحكم على ذاتها بالتقوقع التراثي والتأخر عن ركب الحضارة والعصر. كل مقاومة لمنجزات عصر الأنوار ومكتسباته هي عبارة عن محاولة يائسة تعيدنا إلى عصر الظلامية. لقد تشربنا الحداثة الغربية على غير وعي منا تقريباً. وهذه الهوية الجديدة التي اكتسبناها في جامعات أوروبا وأميركا هي وحدها المسلحة بالملكة النقدية، بالروح الفلسفية الحرة».
لكن داريوش شايغان يقول مستدركاً: «صحيح أن الغرب اخترع ما هو أفضل في هذا العالم: (الديمقراطية)، أي حل الصراعات عن طريق الحوار لا عن طريق العنف والضرب. صحيح أنه اخترع دولة القانون، والروح الفلسفية، والتقدم العلمي والتكنولوجي. ولكنه اخترع أيضاً الأسوأ للأسف الشديد: لقد اخترع الاستعمار، والاستعباد، والتوتاليتارية الفاشية أو النازية، والانحرافات الشذوذية. وبالتالي فهناك الوجه والقفا، هناك الأبيض والأسود. هناك الجوانب التحريرية الإيجابية للحضارة الغربية، وهناك الجوانب السلبية القمعية».
وعندما تطرح عليه السؤال التالي: لماذا يكره العالم الإسلامي الغرب؟ فإنه يجيبك قائلاً ما معناه: إذا ما وضعنا ظاهرة الاستعمار جانباً، فإن هذا الكُره ناتج عن الفشل التاريخي الذريع للعالم الإسلامي. فهو يشعر بالمهانة والذل والنقمة العارمة على هذا الغرب الذي نجح نجاحاً صارخاً، في حين أننا بقينا في مؤخرة الأمم والشعوب. هذا الشيء لا يستطيع أن يتحمله المسلم المعاصر. فهو يقول في قرارة نفسه ما يلي: أنا أنتمي إلى أعظم دين على وجه الأرض، أنا أنتمي إلى الدين الذي ختم الأديان الإبراهيمية أو السماوية كلها، أنا أنتمي إلى الدين الذي يتفوق ميتافيزيقياً وأنطولوجياً وإلهياً على الأديان كلها، فكيف حصل أن سبقني هؤلاء الغربيون المسيحيون؟ هذا شيء لا يُحتمل ولا يُطاق بالنسبة للعربي أو المسلم.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.