العراق: اختبار إرادات... أم كسر عظم؟

بين خياري حكم الغالبية والتوافق

العراق: اختبار إرادات... أم كسر عظم؟
TT

العراق: اختبار إرادات... أم كسر عظم؟

العراق: اختبار إرادات... أم كسر عظم؟

في انتخابات عام 2018 كان العراق قد أجرى الانتخابات الرابعة بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، ونظراً لأن القوى السياسية الكبيرة التي تمثل المكوّنات الرئيسية الثلاث (الشيعية والسنّية والكردية) تملكتها رغبة في التغيير لجهة الانتقال من نظام المحاصصة إلى الغالبية السياسية، تشكل لأول مرة تحالفان طويلان كانا، من حيث المبدأ، أول محاولة لتفكيك «البيوت المكوّناتية» (البيت الشيعي - البيت السني - البيت الكردي).
هذان التحالفان كانا تحالف «البناء» الذي ضم أحزاباً سُنية وكردية وشيعية، وتحالف «الإصلاح» الذي ضم هو أيضاً أحزاباً شيعية وسُنية وكردية، وبالتالي كان يُفترض أن تتشكل الحكومة على أساس الغالبية. إلا أن الذي حصل هو أن كلاً من تحالفي «سائرون»، المدعوم من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، شكّلا حكومة عادل عبد المهدي عن طريق التوافق... وبذا أُجهض أول مشروع لتأسيس مبداً الغالبية السياسية.
بعدها عجزت حكومة عادل عبد المهدي عن إكمال مدتها، وهي أربع سنوات. فبعد نحو سنة ونصف تقريباً اندلعت مظاهرات ضخمة في بغداد، سرعان ما امتدت إلى محافظات الوسط والجنوب، رافعةً شعار: «نريد وطناً»... في مؤشر واضح إلى فشل منظومة الحكم بعد عام 2003 وما تلاه من فشل متراكم على جميع المستويات بحيث لا يزال العراق، حتى هذه اللحظة، يستورد الغاز الإيراني رغم إنفاقه عشرات مليارات الدولارات على الكهرباء وحدها. وقبل أيام، في أثناء اشتداد موجة البرد، قطعت إيران الغاز عن العراق بحجة تراكم الديون، فانقطع إمداد الكهرباء عن مدن العراق وقراه.
تحوّلت الاحتجاجات التي اندلعت خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2019 إلى شبه ثورة شعبية -شبابية غاضبة أساساً- كان شعارها الوحيد هو: «نريد وطناً». ومع أن الطابع الشيعي كان هو الغالب على الجسم الأكبر لتلك المظاهرات، فإن السلطة التي تتحكم بها القوى الشيعية الرئيسية مارست القوة المفرطة ضد شباب هذه الانتفاضة، ما أدى إلى سقوط أكثر من 600 قتيل وأكثر من 24 ألف جريح.
مع ذلك، أثمرت تلك المظاهرات استقالة حكومة عادل عبد المهدي والإتيان بحكومة مصطفى الكاظمي. كذلك، أدت إلى تغيير قانون الانتخابات، وفرضت إجراء انتخابات مبكرة. وبالفعل، أُجريت الانتخابات خلال شهر أكتوبر 2021. هذه الانتخابات جاءت مفاجأة غير متوقعة بالنسبة للكثير من القوى السياسية، إذ اختل فيها التوازن بين القوى والأحزاب التي كانت تتسيّد المشهد السياسي منذ عام 2003.
أيضاً، رغم المظاهرات والاعتصامات، وبالذات، من قوى «الإطار التنسيقي»، التي هي القوى الشيعية التي خسرت الانتخابات -وتضم تكتلات «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الفتح» بزعامة هادي العامري، و«العصائب» بزعامة قيس الخزعلي، و«قوى الدولة» بزعامة عمار الحكيم، و«النصر» بزعامة حيدر العبادي- فإن المحكمة الاتحادية العليا صادقت على النتائج التي أظهرت فوز «التيار الصدري» بزعامة مقتدى الصدر بالمرتبة الأولى حاصداً 75 مقعداً.

كسر إرادات أم كسر عظم؟
على هذا الأساس بدأت تنمو عملية صراع محتدم، ويبدو أنه غير قابل للالتئام كونه يتراوح بين كسر الإرادات مرة وكسر العظم مرة أخرى. والواضح أن أحد هذين الطرفين يمثل مفهوم «الدولة» بدءاً من الاعتراف بالآليات الديمقراطية الناجمة عن الانتخابات ومخرجاتها، في حين يمثل الطرف الآخر فيها دعاة واقع «السلطة»... بما في ذلك محاولة التعامل مع أي مُخرجات للانتخابات على أنها مجرد عملية تقاسم للسلطة والمال والنفوذ.
وحقاً، بعد فشل السلطة في استيعاب المظاهرات والاعتصامات، فإنها اضطرت إلى التعامل مع واقع حال فرضه عليها المتظاهرون الذين دعوا إلى إقالة الحكومة وتغيير قانون الانتخابات، ولم تتمكن الأطراف الشيعية من رأب الصدع فيما بينها. ذلك أنه بينما افترشت قوى الإطار التنسيقي الشارع عبر تنظيم اعتصام مفتوح -حاصر على مدى أكثر من شهرين ونصف «المنطقة الخضراء»، وحاول اقتحامها كل يوم جمعة- فإن «التيار الصدري» المتصدر بدا مزهوّاً بفوزه وداعياً إلى تشكيل حكومة غالبية وطنية.
من هنا بدأت الإشكالات في كيفية بناء هذا التحالف بين قوى شيعية، ممثلة بالصدر هذه المرة، وبين الكرد والعرب السنة. وبما أن الكرد والسنة أعلنوا غير مرة إنهم لن يذهبوا مع خيار شيعي ضد طرف شيعي آخر، جاءت المفاجأة بمضيّ صيغة الغالبية الوطنية في انتخابات رئاسة مجلس النواب. وبدت بمثابة تقسيم وتقاسم في رئاسة المجلس بين «الصدريين» الذين تولى ممثلهم منصب النائب الأول لرئيس البرلمان، والسنة -ممثَّلين في حزب «تقدم» وتحالف «العزم»- الذين حصلوا على منصب رئيس البرلمان، في حين حصل الكرد -ممثَّلين بالحزب الديمقراطي الكردستاني- على منصب النائب الثاني لرئيس البرلمان.

رئاسة الجمهورية... الاختبار الحاسم
بعد غد (الاثنين) يعقد البرلمان العراقي جلسة حاسمة لانتخاب رئيس الجمهورية العتيد. ومرة أخرى، يحتدم الصراع بين الحزبين الكرديين الأساسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني). والواقع أن الحزبين يكرّران «سيناريو 2018» حين دخلا بمرشحين اثنين هما الرئيس الحالي الدكتور برهم صالح عن الاتحاد الوطني، وفؤاد حسين وزير الخارجية الحالي عن الديمقراطي الكردستاني.
يومذاك فاز الدكتور صالح بالرئاسة، الأمر الذي أدى إلى شبه قطيعة بين الطرفين لفترة من الزمن. ومع أنه جرى نوع من المصالحة بين صالح وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، فقد اتضح أن ذلك لم يكن سوى تسوية مؤقتة. وحين تعمّق الحديث عن أحقية أي حزب هذه المرة من الحزبين الكرديين بمنصب رئاسة الجمهورية اشتدّ الخلاف بين الفريقين إلى حد كبير. وتكرّر التوتر حين أعاد الاتحاد الوطني ترشيح برهم صالح للمنصب لولاية ثانية مقابل ترشيح الديمقراطي الكردستاني وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري للمنصب ذاته.
لمن الأرجحية ستكون يوم الاثنين المقبل؟
طبقاً لتوقعات الخبراء والمراقبين فإن كفتَي الطرفين تبدوان في وضعية تعادل، لا سيما أن التصويت سرّي. ولكن، بينما يراهن الحزب الديمقراطي الكردستاني على تحالفه مع زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر ومع تحالف «السيادة» الذي يضم محمد الحلبوسي رئيس البرلمان، وخميس الخنجر، فإن الاتحاد الوطني يراهن على الإطار التنسيقي والمستقلين وإرادة النواب ما دام التصويت سرّياً.
وبانتظار يوم السابع من الشهر الحالي، فإن المعادلة التي تبدو سهلة في بغداد لمَن يدخل في اليوم التالي «قصر السلام» فإنها باتت، منذ عام 2018، صعبة للغاية في إقليم كردستان. أما السبب فهو الخلاف الذي بدأ يتعمق بين الحزبين الرئيسين اللذين يجمعهما اتفاق استراتيجي.
هذا الخلاف بلغ الآن حد أن يكون «خلافا بنيوياً»، وفق تعبير شوان محمد طه، ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط». ولدى سؤال طه عن المبرّر الذي يجعل الزعيم الكردي مسعود بارزاني يطلق مبادرة وُصفت بأنها تهدف إلى «ترميم البيت الشيعي» بينما يزداد البيت الكردي تفسخاً، أجاب قائلاً: «هناك عدة أسباب دفعت الرئيس بارزاني إلى إطلاق مبادرته، ومنها أن البيت الشيعي ليس ممزقاً كما يشار، بل توجد اختلافات في وجهات النظر بين الأطراف الشيعية، وهذا فضلاً عن وجود المرجعية الدينية بوصفها صمام أمان بالنسبة لهم». وتابع شوان محمد طه، فقال إن «إطلاق المبادرة جاء بعد رغبة الكثير من الجهات الشيعية والسنّية أن يطلق بارزاني تلك المبادرة كونه يتمتع بعلاقات تاريخية مع عدد من قادة الإطار التنسيقي، والهدف منها تقليص الفجوة بين هذه الأطراف لكون خلافاتهم ليست على المناصب بل على كيفية عمل الدولة».
ثم أوضح ممثل الحزب الديمقراطي في بغداد أنه «سبق أن كان لبارزاني مبادرة لتوحيد مواقف القوى السنّية، وقد نجحت مثلما يعرف الجميع، علماً بأن وفدنا المفاوض في بغداد كان لديه ملفان يعمل عليهما: الأول تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف، والآخر التوجه نحو القوى السياسية الشيعية لتقريب وجهات النظر فيما بينها مع أننا نحتاج من هذه القوى مبادرة عملية بشأن توحيد المواقف بين التيار الصدري والإطار التنسيقي».
ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن فشل الزعامة الكردية وفي مقدمتها مسعود بارزاني في توحيد المواقف داخل البيت الكردي، قال طه إن «المشكلة داخل البيت الكردي تتعلق بالدرجة الأساس بالمناصب، وبالذات منصب رئيس الجمهورية، حيث تعمّق الخلاف بعد 2018، نظراً لتعذر الوصول إلى توافق... وذلك لأن الاتحاد الوطني مصرٌّ على أن المنصب له وأن المرشح الوحيد هو الدكتور برهم صالح». وأردف موضحاً أن «الإخوة في الاتحاد الوطني جاءوا معنا للتفاوض كوفد واحد في بغداد مع القوى السياسية، ولكن حين وصلت الأمور إلى المناصب انسحبوا، في حين كان الأجدر بهم التوصل إلى توافق بين الحزبين. وللعلم، فإن عدد مقاعدنا البرلمانية أكثر، وهو ما يعني أن لديهم قراراً مسبقاً وغير قابل للمناقشة. ثم إنهم لم يقدموا لنا ما يمكن عدّه حسن نية عندما لم ينتخبوا مرشحنا لمنصب النائب الثاني لرئيس البرلمان، وهو ما يعني أنهم اصطفوا ضدنا».
في المقابل، قال محمود خوشناو، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «قدَر العراق أن يكون بلد مكوّنات، وهذا موضع اعتزاز بالنسبة لنا في الاتحاد الوطني ومصدر قوة في الوقت نفسه... في حال كان هناك حوار إيجابي والإرادة الوطنية حاضرة. وبالتالي، فإن كل المبادرات لتقريب وجهات النظر لا إشكال فيها ما دام الهدف منها هو الحكم الرشيد والاهتمام ببناء الدولة».
وحيال ما يتعلق بالمبادرة الأخيرة التي أطلقها بارزاني لـ«ترميم البيت الشيعي» قال خوشناو: «موقف حزبنا في التريث خلال الجلسة الأولى للبرلمان كان أول محاولة جادة لترميم البيت الشيعي منّا، حيث خرجنا من الجلسة ولم نصوّت لأننا لم نكن نريد تمزيق البيت الشيعي. وكذلك تريثنا على صعيد الحزب الديمقراطي ليوم كامل بعد الجلسة الأولى كان هو الآخر مبادرة لترميم البيت الكردي، وهو ما كنا دائماً نعمل عليه». وأردف شارحاً أنه «كان الأوْلى أن تكون هناك مبادرة داخل البيت الكردي قبل هذه المبادرة التي تتعلق بالإخوة الشيعة. وبالتالي، كنا نأمل أن يغادر السيد مسعود بارزاني وضعه الحزبي كرئيس للحزب الديمقراطي الكردستاني، مع أنه زعيم الحزب ونضاله معروف... لكن كنّا نأمل أن يكون خيمة لكل القوى السياسية الكردية لا طرفاً مقابل طرف آخر».
ومن ثم، دعا خوشناو الزعيم الكردي مسعود بارزاني إلى أن «يطلق مبادرة خاصة بالبيت الكردي، بوصفه من الرعيل الأول في العمل السياسي الكردي، تتضمن منع كل المحاولات الساعية إلى التمدد على حساب الاتحاد الوطني بوصفه حزباً كبيراً وله جمهوره وجغرافيته وامتداداته... مع أننا نرحب بأي مبادرات لمنع التردي في كل أنحاء العراق». ثم أشار إلى أنه «في الوقت الذي ينعكس الاستقرار في العراق إيجابياً على كردستان... فإن استقرار كردستان سينعكس إيجابياً على كل العراق». وبشأن ترشيح الاتحاد الوطني الكردستاني الرئيس الحالي برهم صالح لولاية ثانية، اختتم قائلاً إنه «يأتي في سياق التوازن السياسي أولاً، وثانياً لكونه (أي صالح) امتلك تجربة ممتازة خلال السنوات الماضية حيث إنه بالنسبة لنا مثّل المنهجية التي كان يسير عليها الراحل جلال طالباني».

معركة «الكتلة الأكبر» شيعياً

> بينما بدا أن الكرد والسنة مضوا مع أغلبية شيعية تمثلها الكتلة الصدرية، خلال الجلسة الأولى للبرلمان، فإنهم تراجعوا متحاشين الدخول مع طرف شيعي ضد آخر بشأن مسألة «الكتلة الأكبر». ومن جهة أخرى، فإن معركة «الكتلة الأكبر» لا تزال قائمة ويصعب تحديد خياراتها النهائية وتعكس أبرز جوانب الصراع بين فريقين:
- الذين يدعون إلى «التأسيس»، ولأول مرة، لحكم الغالبية الوطنية لتخطي ما تركته حكومات المحاصصة العرقية والطائفية من خراب.
- الذين يدعون إلى استمرار تلك الوصفة عبر ما يسميها البعض «الحكومة التوافقية».
«الإطار التنسيقي»، الذي يقول إنه يملك 88 نائباً يشكلون «الكتلة الأكبر» -مقابل الكتلة الصدرية التي تملك 75 نائباً- ينتظر نتيجة الطعن الذي قدمه للمحكمة الاتحادية بشأن مجريات الجلسة الأولى المقدوح في شرعيتها من «الإطار التنسيقي». مع ذلك، فإن المشهد السياسي المستقبلي يبقى مفتوحاً على احتمالين، لا ثالث لهما: إما توافقاً شيعياً بشأن «الكتلة الأكبر» بحيث يتكرر على نحو ما «سيناريو 2018» حيث لا وجود لكتلة أكبر بل لتوافق شيعي يبقى هشّاً... يلتحق به السنة والكرد بوصفهما الطرف الأضعف في المعادلة. وإما افتراقاً شيعياً ينتج عنه صراع قد يمتد إلى الشارع.
الكثير من الفصائل المسلحة، عن طريق بعض قيادييها حمّلوا السنة والكرد مسؤولية «تصدّع البيت الشيعي». وهو ما يعني أنه في حال لم يتوصل الشيعة إلى تفاهم داخلي، فإن الصراع قد يمتد إلى الشارع بين «الإطاريين» والصدريين.
وثمة مَن يقول إن الكرد والسنة قد يكونون أبرز ضحايا هذا الصراع، لا سيما أن الفاعل الإقليمي (إيران) سيعمل على ضبط إيقاع هذا النزاع بما لا يتسبب بشروخ في علاقة إيران مع الغرب لجهة الملف النووي... ومع دول الخليج لغرض التفاهمات الإقليمية.

الصدر للميليشيات: لا مكان لكم اليوم

                                                                                                   مقتدى الصدر

> استمرار مقتدى الصدر في الصدام مع القوى المسلحة تعبير عن تعميق هذا الجدل بين منهج «السلطة» ومنهج «الدولة».
الصدر، عبر مقاربته لتشكيل حكومة غالبية وطنية يسعى لبناء مقاربة عراقية - عراقية من دون تدخل خارجي... ولأول مرة في خيارات العراقيين عبر تشكيل حكوماتهم. لذا، فإنه، رغم كل المحاولات الرامية إلى حمله على تغيير قناعاته، مصرٌّ على إطلاق التهديدات والتحذيرات، ويعلن أنه سيدافع حتى عن الشركاء الآخرين (السنة والكرد) الذين حمّلتهم «قوى اللادولة» مسؤولية شق البيت الشيعي.
ومن جانبها، فإن قوى «الإطار التنسيقي» (التي يرى كثيرون بعضها قريبة من طهران) أعلنت أنها «ناقشت قضية الكتلة الأكبر، ومسار الجلسة الأولى، حيث عبّر الإطار عن حرصه على التزام السياقات القانونية والدستورية». وإن «الإطار» جدّد ما سماها الدعوة إلى «جميع نواب المكوّن الاجتماعي الأكبر (في إشارة إلى الغالبية الشيعية السكانية) وبالخصوص، الإخوة في الكتلة الصدرية لتشكيل الكتلة الأكثر عدداً للمحافظة على هذا الاستحقاق الدستوري واستقرار العملية السياسية». واختتمت قوى «الإطار» بيانها الموجه إلى «الشريكين» السنّي والكردي بالشكر إلى «جميع القوى الوطنية التي حرصت على دعم التفاهمات وعدم المساهمة في تأزيم الموقف».
غير أن مقتدى الصدر، في تغريدة له، حسم الجدل تماماً بين تيارين: أحدهما يريد تغليب المصلحة الوطنية العليا، والآخر يريد مواصلة النهج نفسه من دون النظر إلى التضحيات التي قدمها العراقيون خلال مظاهرات أكتوبر عام 2019... فضلاً عن حجم الفشل الذي عانته العملية السياسية بعد عام 2003 بسبب استمرار نهج المحاصصة.
وفي هذا السياق، شدد الصدر على أهمية تشكيل حكومة من دون تدخلات خارجية (لا شرقية ولا غربية). وغرّد على «تويتر» مخاطباً الفصائل المسلحة: «اليوم لا مكان للطائفية ولا مكان للعرقية، بل حكومة أغلبية وطنية يدافع الشيعي فيها عن حقوق الأقليات والسنة والكورد (أي الكرد)». وأردف أنه «سيدافع الكوردي عن حقوق الأقليات والسنة والشيعة، وسيدافع السنّي عن حقوق الأقليات والشيعة والكورد». ثم تابع: «اليوم لا مكان للفساد، فستكون الطوائف أجمع مناصِرةً للإصلاح»، مشدداً على أنه «اليوم لا مكان للميليشيات، فالكل سيدعم الجيش والشرطة والقوات الأمنية، وسيعلو القانون بقضاء عراقي نزيه». واختتم الصدر تغريدته بالقول: «اليوم سنقول نحن والشعب: كلّا للتبعية. قرارنا عراقي شيعي سني كوردي تركماني مسيحي فيلي شُبكي إيزيدي صابئي (فسيفساء عراقية وطنية لا شرقية ولا غربية)».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.