انتحب السودان عن بكرة أبيه على رحيل «الفيتوري»، وتزاحمت الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة الإعلام العامة والخاصة على إثبات فقدها للرجل الكبير، وعلى ذكر مآثره.
بحثوا كل دفاتر أشعاره وأغانيه الثورية وأيامه وعظمة شعريته، وحتى سودانيته التي أنكروها عليه يومًا أعادها موته طازجة، كأن دفاتر الشعر وكراريسه لم تكتب إلا بعد الرحيل، وكأن سودانيته لم تكتشف إلا بعد تسليم الروح لبارئها.
بالأمس كان الشاعر الضخم يعاني الألم والوحدة المريرة، لم تذكره بلاده «السودان» لأنها لا تذكر الناس إلا بعد موتهم، ومثلها: «الله لا يجيب يوم شكرك» يجسد قمة المأساة الملهاة، السودانيون لا يعرفون عظمة أحدهم إلا لحظة فقده. رحل الفيتوري وترك الناس كأنهم «سكارى وما هم بسكارى»، يبكون فقده، ويحس كل منهم أنه «مقصر» في حق شاعر شكل الوجدان السوداني، وغنى للحرية وللسودان، كما لم يغنِّ من قبله أحد.
يقول الشاعر السوداني والرئيس السابق لاتحاد الكتاب السودانيين عالم عبّاس في فقده: «نحن نبكي بعد الفقد، ونحسن الفقد، ونمارس متعة غريبة من جلد الذات على تقصيرنا المريع تجاه رموزنا، نبكي كأننا لا نبكي الفقيد، وإنما نبكي تقصيرنا عليه».
فيما يقول الأمين العام السابق لاتحاد الكتاب السودانيين الشاعر عبد المنعم الكتيابي، إن الفيتوري شاعر قامة، وأحد الذين أحدثوا تغييرًا في إيقاع الشعر العربي، مع أنداده وزملائه في بواكير حداثة الشعر العربي على أيام مجلتي «شعر» و«آداب» البيروتيتين. وأضاف: «عندما بدأت تذوق الشعر الحر وشعر التفعيلة، كان الفيتوري هو الأعلى صوتًا والأعذب أشعارًا، علاوة على أنه كان من بين الذين زاوجوا بين الشعر والقضية».
والفيتوري حسب الكتيابي تناول قضيته برمزياتها وإشاراتها كما في تناوله لـ«بيدبا، ياقوت العرش، وغيرهما»، وأسهمت موضوعاته الشعرية في رفع وعي الطبقة المثقفة، ويضيف: «لا تذكر حركات التحرر الوطني والأفريقي في الخمسينات إلا وذكر الشاعر وقصائده التي أسهمت في إعلاء شأن قضية التحرر، في أفريقيا وآسيا وفي نضال الشعوب قاطبة».
وعلى قول الكتيابي فإن الفيتوري ليس شاعرًا فحسب، بل هو صوت القلوب المتطلعة للانعتاق من العبودية، ومدرسة مرت عبر عدة مدارس حتى بلغت هذا الصوت الذي جعل منه أحد العلامات الفارقة التي أثرت في كثيرين من رموز الشعر المعاصرين، ومن شعراء العراق، الثورة الفلسطينية، شعراء مصر، فقد كان حاضرًا في ثنايا إبداعهم منذ خمسينات القرن الماضي.
وتحسر الكتيابي على دفن الشاعر خارج تراب بلاده الذي أحب، بالقول: «نحن في السودان أضعناه كما أضعنا الكثير من المبدعين، فنانين، تشكيليين، شعراء، عملاء أضعناهم لأننا أكثر الشعوب حرصًا على مقولة (مغني الحي لا يطرب)، فالفيتوري كان يسعى بيننا وكنا نرى فيه عادية».
وأضاف: «درجنا على الاحتفاء برموزنا بعد أن نفتقدهم، وأنا آسف للاحتفائية الزائفة التي لا ينال شرفها الراحل المبكي عليه».
ويستطرد: «كان بإمكان الفيتوري أن يكون بين بني وطنه دبلوماسيًا محترفًا، كانت هنالك مساع لإعادته للسودان في أيامه الأخيرة، وكان هو يرغب في ذلك، وأوصى بأن يدفن في بلاده، لكن لا قطاعات مثقفين ولا مسؤولين، لم يعيروا هذا الأمر اهتماما حتى جاءت اللحظة الأخيرة».
ويوضح الكتيابي أن الأصوات بدأت تعلو بعد رحليه، وبدأت مرحلة التلاوم، كل يلقي باللوم على الآخر، وأضاف: «سنسمع قريبًا عن كثير من الجهات التي تبنت الفيتوري، وتدعي أنه يؤول لها ويمثل لها رمزا، ولا بد من إعادة النظر في مثل هذا السلوك، لأن هناك أجيالا لها حقوق علينا، يجب أن نحفظ لها هذه الرموز دون تشويش ذواكرها».
وشيع أمس الشاعر الكبير الفيتوري مثل «درويش متجول»، وضمه ثرى الرباط المغربية عن عمر يزيد على 85 عامًا، إثر معاناة طويلة مع المرض.
وحملت أشعار الفيتوري وكراريسه الشعرية مسؤولية التبشير بالثورة الأفريقية، وتفصح دواوينه الأولى عن هذا الميل: «أغاني أفريقيا»، 1956، «اذكريني يا أفريقيا»، و«عاشق من أفريقيا»، 1964، و«أحزان أفريقيا».
ويربط الفيتوري نزعته الأفريقية عميقًا بحركة الأدب العربي الحديث، ويعد من رواد قصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة، ترك القافية لكن أشعاره كان لها جرسها وغنائيتها الفريدة.
وغنى الفيتوري للثورة السودانية: «أصبح الصبح ولا السجن لا السجان باق»، و«لو لحظة من وسن تغسل عني حزني»، وشكل تيارًا ثوريًا خاصًا بين أغنيات الراحل محمد وردي الوطنية.
وللراحل علاقة باللامكان، فهو سوداني ينتمي بصلة القربى إلى ليبيا، وتثقف وتعلم في مصر، ونسبه موته إلى مكان المغرب، ولد الفيتوري في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) بمدينة الجينية بإقليم دارفور السوداني، وتخرج في كلية دار العلوم المصرية، وعمل في الصحافة السودانية والمصرية، واختير خبيرًا إعلاميا في جامعة الدول العربية في ستينات القرن الماضي.
ويتردد أن حكومة جعفر النميري أسقطت عنه جواز السفر السوداني في واحدة من غضبات الرئيس عام 1974 على أشعاره، بيد أن الخبير الإعلامي علي شمو الذي كان وزيرًا وقتها نفى هذه الواقعة، لكن الثابت أن عقيد ليبيا معمر القذافي منحه جواز سفر دبلوماسيا، ثم انتقل إلى المغرب، ليعيش مع زوجته المغربية «رجات» في ضاحية سيدي العابد في جنوب الرباط، وترك بنتين وولدا هو «تاج الدين» الذي سماه على جده «السلطان تاج الدين»، سلطان الفور الذي قال فيه قصيدته «مقتل السلطان تاج الدين» التي مجد فيها نضاله ضد الفرنسيين ومقتله في «دروتي»، يقول:
«فوق الأفق الغربي..
سحاب أحمر لم يمطر..
والشمس هنالك مسجونة
تتنزَّى شوقًا منذ سنين
والريح تدور كطاحونة..
حول خيامك يا تاج الدين»
في عام 2014م تردد أن الحكومة السودانية منحته جواز سفر دبلوماسيا، بيد أن مقربين منه نفوا أن يكون قد تسلمه رسميًا، فحياته ومماته كانا محاطين بالأساطير والحكايات، كأن «خيال الشعر» المرافق له مازج بين جدها وعذوبتها وأمنيات قصائدها.
10:19 دقيقه
الفيتوري.. حكاية وطن يجيد النحيب..!
https://aawsat.com/home/article/345286/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%86-%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A8
الفيتوري.. حكاية وطن يجيد النحيب..!
رقد في كل شبر من الأرض.. كالماء في جسد النيل
- الخرطوم: أحمد يونس
- الخرطوم: أحمد يونس
الفيتوري.. حكاية وطن يجيد النحيب..!
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

