ماكرون يحث أطراف المفاوضات النووية على «التزامات واضحة وكافية»

باريس تلتزم موقفاً «وسطياً» وتحمّل الطرفين الإيراني والأميركي مسؤولية التوصل إلى اتفاق

ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين الأسبوع الماضي (أ.ب)
ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين الأسبوع الماضي (أ.ب)
TT

ماكرون يحث أطراف المفاوضات النووية على «التزامات واضحة وكافية»

ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين الأسبوع الماضي (أ.ب)
ماكرون خلال مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتس في برلين الأسبوع الماضي (أ.ب)

لأول مرة منذ انطلاق المفاوضات النووية في فيينا في أبريل (نيسان) ومعاودتها نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) بعد انقطاع خمسة أشهر، يتوافر إجماع بين جميع الأطراف المشاركة على أن المفاوضات دخلت مرحلتها الأخيرة وأن اتفاقاً يَلوح في الأفق. وهذا التوصيف بدا واضحاً يوم الجمعة الماضي عندما قرر المتفاوضون العودة إلى عواصمهم من أجل التشاور بسبب الحاجة لـ«اتخاذ قرارات سياسية» تمكّن من اجتياز المائة متر المتبقية قبل بلوغ نقطة النهاية. وفي باريس، أعلن مصدر رئاسي أن «ثمة عدة مؤشرات تدل على أن المفاوضات يمكن أن تتكلل بالنجاح».
وفي هذا السياق يندرج الاتصال الذي قام به الرئيس إيمانويل ماكرون بنظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، يوم السبت، والذي وصفه بيان الإليزيه الصادر أمس (الأحد)، بأنه كان «محادثة مطولة» شكّل الملف النووي صلبها، لكنها تناولت، إلى جانب ذلك، مواضيع إقليمية كالوضع في الخليج وفي لبنان واليمن ووضع الرهينتين الفرنسيتين في إيران.
حقيقة الأمر أن ماكرون يريد أن يكون له دور في اجتياز العقبات الأخيرة، ويأمل هذه المرة أن يحالفه الحظ بعكس ما حصل له في خريف عام 2019 عندما سعى للجمع بين الرئيسين السابقين دونالد ترمب وحسن روحاني في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مدينة بياريتز (جنوب غربي فرنسا)، على هامش قمة مجموعة السبع التي ترأستها باريس ذاك العام. وما يسعى إليه ماكرون هو المساعدة على تخطي العقبات الأخيرة. وسبق لإيران أن اتهمت باريس بأنها تلعب دور «الشرطي السيئ» بالنظر إلى المواقف المتصلبة التي كانت تعبّر عنها ومنها التمسك بأن يأتي الاتفاق الذي يتم التفاوض بشأنه على موضوعي البرنامج الصاروخي - الباليستي الإيراني وسياسة طهران الإقليمية التي تصفها باريس بأنها «مزعزِعة للاستقرار». كذلك، فإن ماكرون طالب خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها لثلاث دول خليجية «قطر والإمارات والسعودية» بأن تكون هذه الدول جزءاً من المفاوضات أو أن تؤخذ مصالحها بعين الاعتبار. وتجدر الإشارة إلى أن باريس كانت الأكثر تشدداً في عام 2015 إزاء شروط الاتفاق، وأن لوران فابيوس، وزير الخارجية وقتها، أطاح مسودة اتفاق كان يريدها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما لأنه وجد أن شروطها متساهلة للغاية مع نووي إيران.
وفي البيان الذي أصدره قصر الإليزيه، أمس، عن الاتصال الهاتفي بإبراهيم رئيسي، جاء أن ماكرون «أكد قناعته أن حلاً دبلوماسياً يبقى ممكناً وواجباً»، وأنه شدد على أن أي اتفاق «سيتطلب التزامات واضحة وكافية من جميع الأطراف، تعمل فرنسا من أجلها مع شركائها كافة». وجاء في البيان أيضاً أن الرئيس الفرنسي «أصر على ضرورة تسريع (جهود التفاوض) من أجل تحقيق تقدم ملموس بسرعة في هذا الإطار»، داعياً طهران إلى «ضرورة أن تبرهن على أنها تعتمد نهجاً بنّاءً وتعود إلى التنفيذ الكامل لالتزاماتها».
لا يحمل بيان الإليزيه، من حيث المضمون بشكل عام، أي جديد لأنه يستعيد الأدبيات المعروفة حول ضرورة التوصل سريعاً لاتفاق جديد بالنظر لسرعة تقدم وتطور البرنامج النووي الإيراني على المستويات كافة. كذلك، فإنه يصر على تنفيذ إيران لالتزاماتها، وهو أمر درج عليه الغربيون منذ بدء المفاوضات. ويصح الأمر عينه على «قناعته» بإمكانية التوصل إلى اتفاق، وهو ما أكدته الأطراف كافة، فضلاً عن اعتباره «واجباً». بيد أن جديد ماكرون أنه سعى للالتزام بموقف وسطي في تأكيده أن الاتفاق العتيد «سيتطلب التزامات واضحة وكافية من جميع الأطراف»، ما يعني عملياً أنه يرى أن طهران مصيبة في مطالبتها بضمانات تمنع الطرف الأميركي من الخروج مجدداً من الاتفاق أو على الأقل من فرض عقوبات عابرة للحدود. وحتى اليوم، كانت هذه الإشكالية المعضلة الرئيسية التي حالت دون الوصول إلى توافق بعد أن عادت طهران لقبول مبدأ «التماثلية» و«التزامن» والرفع التدريجي للعقوبات الأميركية لا بل إن إيران تراجعت أيضاً بخصوص رفض التفاوض المباشر مع الجانب الأميركي بعد أن جعلت ذلك موقفاً «مبدئياً».
هكذا، فإن إشارة البيان الفرنسي إلى أن باريس «تعمل مع جميع شركائها» بشأن الالتزامات «الواضحة والكافية» لجميع الأطراف، تدلّ على أن الجانب الفرنسي يمسك العصا من وسطها، ولا يحمّل إيران مسؤولية التأخير، لا بل إنه بصدد طرح «أفكار» للتغلب على العقبات المتبقية التي وصفها بيان الرئاسة الإيرانية بـ«مواضيع أساسية عالقة».
وحسب طهران، فإنها تتناول الضمانات ورفع العقوبات والتحقق من ذلك. وحتى اليوم، لم تتسرب معلومات وافية عن الطروحات التي تتناول موضوع الضمانات التي كانت تبدو عصية على الحل بالنظر لعجز واشنطن عن التجاوب مع العروض الإيرانية التي ربطت تباعاً أي تخلٍّ عن الاتفاق بقرار من مجلس الأمن الدولي أو بوثيقة أميركية تُلزم واشنطن بالبقاء داخل الاتفاق مهما تغيرت الإدارات.
كذلك، طرحت طهران أن تقدم الدول الأوروبية ضمانات بأن تواصل شركاتها العمل مع طهران، وألا تخضع للعقوبات كما فعلت بعد ربيع عام 2018، من هنا تبرز الحاجة إلى تدخل المستوى السياسي لاتخاذ القرارات الضرورية بشأن هذه المسألة وغيرها. وفي أي حال، يبدو واضحاً اليوم أن التوقعات المتفائلة بتحفظ لم تعد فقط حكراً على المندوبين الإيراني والروسي والوسيط الأوروبي، بل تمددت إلى الأطراف المشاركة كافة بما فيها الأميركي. وقال مبعوث واشنطن إلى الشرق الأوسط بريت ماكغورك، يوم الجمعة الماضي، ما حرفيته: «إننا نقترب (من التوصل) إلى اتفاق محتمل ولكن لا أستطيع أن أحدد نسبة احتمال حدوثه».
كما تبدو اليوم بعيدةً التهديدات الأميركية بأن زمن التفاوض يقترب من نهايته أو باللجوء إلى «خيارات أخرى» بديلاً عن المفاوضات التي تراوح مكانها. والسيناريو المرجح على المستوى الأوروبي هو ما سبق أن أشار إليه المندوب الروسي، ميخائيل أوليانوف الذي توقع التوصل إلى اتفاق جديد منتصف أو أواخر فبراير (شباط). لكنّ مفاجآت غير منتظرة يمكن أن تحصل. وتحقُّق السيناريو المتفائل يفترض أن الطرفين الأميركي والإيراني قبلا أخيراً «أو على وشك قبول» تسويات كانا يرفضانها سابقة لأنها صعبة التسويق في الداخل ولدى الحلفاء والشركاء. وفي أي حال، يتعين انتظار ردود فعل الكونغرس ومجموعات الضغط الأميركية، بالتوازي مع المقاربات الإقليمية. والأمر عينه، يصح على الداخل الإيراني.



إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.