رودريغو غارسيا لـ«الشرق الأوسط»: لو كان أبي أقل شهرة ونجاحاً لما كنت تقاسمته مع الكثيرين

ابن ماركيز يتحدث عن والديه وكتابه الوداعي لهما ونقل روايات غابو إلى السينما

رودريغو غارسيا
رودريغو غارسيا
TT

رودريغو غارسيا لـ«الشرق الأوسط»: لو كان أبي أقل شهرة ونجاحاً لما كنت تقاسمته مع الكثيرين

رودريغو غارسيا
رودريغو غارسيا


«أعتقد أن الكتّاب يسكنهم هاجس الموت، يكتبون القصص، يحاولون ترتيب فصول الحياة وتفاصيلها وإعطاء معنى للبدايات والنهايات، ويسعون لتأخير ما يستحيل تأخيره}. بهذه الكلمات تحدث رودريغو غارسيا، عبر منصة «زووم» من العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، في حوار أجريته معه حول الكتاب الذي نشره مؤخراً كوداع لوالديه، مرسيديس وغابو، وعن الأيام الأخيرة في حياة صاحب «مائة عام من العزلة» الذي انطفأ في مكسيكو فجر السابع عشر من أبريل (نيسان) عام 2014.
منذ أشهر يمضي رودريغو وقته متنقلاً بين بوينوس آيريس، حيث يقوم بإخراج شريط سينمائي عن حياة «إيفيتا بيرون»، ولوس أنجليس، حيث يشرف على تصوير إنتاجين ضخمين لصالح إحدى المنصات العالمية الكبرى حول رائعة والده «مائة عام من العزلة» والكتاب الذي يحكي قصة المهاجر اللبناني سانتياغو نصار في «وقائع موت معلن».
في كل أحاديثنا السابقة التي تعود لسنوات عديدة، لم أستشعر يوماً لدى رودريغو أي انزعاج دفين من كثافة حضور والده وظل شهرته الوارف، لكني كنت أتساءل دائماً كيف تكون الحياة في كنف والد مالئ الدنيا وشاغل الناس مثل غابو، فحملت السؤال هذه المرة مباشرة إلى ابنه:

> ما هو هذا الكتاب؟ تكريم لوالديك؟ تخليد لذكرى واحد من أكبر الخالدين في الأدب الأميركي اللاتيني الحديث؟ أو تصفية حسابات ومحاولة للانعتاق من هالة الأب المترامية في كل الاتجاهات؟
- هو كما في العنوان، وداع. وداع لأنهما رحلا عن هذه الدنيا، لكن في الواقع يبقى وداع الوالدين مستحيلاً طالما نحن على قيد الحياة. الأسابيع الأخيرة بجانب والدي، والسنة الماضية مع والدتي قبل وفاتها، أتاحت التأمل طويلاً وعميقاً في معنى وداع الآباء. لا يمر يوم واحد من غير أن يحضرا في أفكاري، وموتهما ليس نهاية لأي شيء. كلاهما رحل في السابعة والثمانين، وعاشا حياة طويلة وجميلة، ومهما بلغ الاحترام الذي يكنه القراء لوالدي والإعجاب بأعماله في جميع أنحاء العالم، تبقى وفاة الأب دائماً كارثة بالنسبة للولد.
> غارسيا ماركيز كان أيضاً بمثابة أب لقرائه، كيف تتعامل مع ذلك؟
- ثمة ازدواجية غريبة في هذا الشعور. أدرك جيداً أن والدي كان لي وللآخرين، وأنه لو لم يكن من كان، وما زال، لما كان لهذا الكتاب أن يلقى أي اهتمام. لا بل إني أشعر أحياناً بأن كل ما أقوم به له صلة، بشكل أو بآخر بوالدي. في كل الأحاديث والمقابلات التي أجريتها حتى الآن حول الكتاب، كان السؤال ذاته يعود في كل مرة: كيف وكم تأثرت بوالدك؟ وفي كل مرة كنت أبذل جهداً كبيراً كي لا أجيب: تماماً مثلما تأثرت أنت بوالدك.
> من الأفلام التي أخرجتها ونالت إعجاباً كبيراً فيلمTerapia» »، هذا يدفعني إلى سؤالك إذا كنت شعرت يوماً بالحاجة إلى «قتل» والدك؟
– لا أعتقد أن بوسعي إضافة الكثير أو الجديد إلى هذا الموضوع الذي وضعت فيه مجلدات ودراسات لا تحصى. لكن، أليس من المفارقة أن كل الأبناء يحتاجون إلى موافقة الآباء لكي ينموا، ولكي نتمكن من «قتلهم» أيضاً؟ هذا هو التناقض الكبير الذي تحمله الأبوة. ثم حين يتقدم الآباء في السن، يصبح الأبناء بدورهم آباءً لآبائهم. هذه سخرية الحياة. أشعر بإعجاب وافتنان إزاء هذه المرحلة التي ينمو فيها الأبناء ويكبرون ثم يستقلون فيما الآباء يشيخون وتزداد حاجتهم إلى أبنائهم.
> وماذا عن الشعور بالذنب في التباس العلاقة بين الأبناء والآباء؟
– التناقض كامن دائماً في هذه العلاقة. تشعر بالذنب، ومع ذلك تغضب لاعتقادك بأنك أنت المذنب، كأن تقول: أشعر بأني مسؤول عما حصل لك، لكن لا تلمني على ذلك. أي أنك تشعر بالذنب لأنك تشعر بالذنب. والعالم الذي عشت فيه كان شعور الأمهات بالذنب حاضراً أكثر من شعور الآباء. كان مألوفاً أن تسمع الأم، وليس الأب، تلقي اللائمة على نفسها. على أي حال، أعتقد من المستحسن أن نسامح أنفسنا قدر المستطاع.
>هل شعرت يوماً بالغيرة من نجاح والدك؟ أو من شهرته؟
– أصابت الشهرة والدي عندما كنت قد صرت بالغاً. كانت شهرة واسعة جداً بعد نيله جائزة نوبل، وأيضاً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية. لا شك أن كل ذلك كان له تأثيره، لكنه لم يداهمني في مرحلة الصِغر. عشت طفولتي ومراهقتي في المكسيك، حيث تعارفنا، ثم في برشلونة لبضع سنوات. يومها كان والدي معروفاً لكني لم أشعر أبداً أني ابن نجم سينمائي أو غنائي. على أي حال، لا رغبة عندي في أن أغير أي شيء. لو كان والدي أقل شهرةً ونجاحاً، لما كنت تقاسمته مع الكثيرين، لكن الأرجح أن الأمور كانت لتكون أسوأ مما هي عليه الآن (يضحك)...
> إلى جانب الرواية والمقالات والتحقيقات الصحافية، كان غابو أيضاً ناقداً سينمائياً ولعب دوراً أساسياً في إنشاء معهد العلوم السينمائية الشهير في هافانا... وأذكر أنه قال لي في أولى المقابلات التي أجريتها معه في كنكون (المكسيك) إنه يتمنى لو كان مخرجاً سينمائياً. هل كان يشعر بالغيرة منك عندما اخترت طريق الإخراج السينمائي؟
– لا أعتقد ذلك. لم يكن قليلاً النجاح الذي أصابه بالكتب، وكان يتباهى كثيراً عند الحديث عن أفلامي ويدعو الجميع إلى مشاهدتها. كان حباً وإعجاباً بلا غيرة.
> إشرافك اليوم على نقل كتبه الأوسع شهرة إلى السينما، هل في ذلك وفاء لدين؟
– إنها مسؤولية كبرى. لكني راضٍ جداً عما أراه وأقرأه. من «مائة عام من العزلة» قرأت سيناريو الحلقات الأربع الأولى، وأعتقد أن القرارات التي اتخذت صائبة، والأهم من كل ذلك أن الأمور تأخذ مجراها الطبيعي بوتيرة متأنية من غير استعجال.
> سلمى حايك هي منتجة الفيلم عن «إيفيتا بيرون»، وهي التي طلبت إليك المشاركة فيه. هذا يحملني إلى سؤالك عن «الرابط اللبناني» بينكما.
- (يضحك)... أعرف أنك تجنح دائماً للحديث عن هذا الرابط، كما تسميه. سلمى من أصول لبنانية وهي تعتز كثيراً بها، ووالدتي متحدرة من عائلة لبنانية هاجرت إلى مصر واستقرت في بورسعيد، لكن لم يرشح لنا شيء سوى القليل جداً من ذلك كما تعرف. على أي حال لا علاقة لهذا الرابط بالفيلم عن «إيفيتا»، الذي كان لا بد من تصويره في الأرجنتين مع ممثلين وتقنيين أرجنتينيين، باستثنائي أنا والطبيب الإسباني الذي حنط «إيفيتا» بعد وفاتها. والفيلم يستند إلى كتاب توماس كلاي الذي كان صديقاً حميماً لوالدي، وهو يتناول ببراعة مذهلة ظاهرة «إيفيتا»، وتلك الهستيريا التي سادت من أحبوها وكرهوها على السواء، تماماً مثل ظاهرة مارادونا التي كان الواقع فيها يتجاوز أبعد ما يمكن أن يصل إليه الخيال. يضاف إلى ذلك أننا ربينا في بيت كانت السياسة تحتل فيه حيزاً واسعاً. والدي كان يتابع عن كثب ما يحصل في أميركا اللاتينية، وكانت له علاقات وطيدة مع العديد من الزعماء والرؤساء، ويهتم كثيراً بموضوع السلطة السياسية، خصوصاً لدى الطغاة والرجال الأقوياء والزعماء الشعبويين.
> مطالع عام 2020، وفي ذروة جائحة «كوفيد»، نشرت لك صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً في شكل رسالة موجهة إلى والدك جاء فيه: «... لا يمر يوم واحد من غير أن أقرأ أو أسمع إشارة أو استحضاراً لك ولأعمالك، وأتساءل ماذا كنت لتقول عن هذا الوضع الذي نعيشه اليوم، أنت الذي كتب يوماً: ما يعذبني في الجوائح والكوارث الكبرى أنها تذكير لنا بمصيرنا الشخصي، أي أنه برغم الحيطة الدائمة والحذر والعناية بالصحة والثروة، يمكن لأي إنسان أن يسحب الرقم الخاسر في هذه الحالة القدرية... ».
- أعتقد أن الكتاب يسكنهم هاجس الموت، يكتبون القصص، يحاولون ترتيب فصول الحياة وتفاصيلها وإعطاء معنى للبدايات والنهايات، ويسعون لتأخير ما يستحيل تأخيره، أي هذه الفوضى التي لا يمكن أن نسيطر عليها في حياتنا. والدي كانت تؤرقه كل الأمور التي يعجز عن التحكم بمسارها، وبعكس أمي كان غالباً ما يعبر عن ذلك.
> وماذا عن والدتك التي، رغم شهرة الوالد، كانت هي الشخصية المركزية في العائلة؟
– والدتي كانت شخصية معقدة، علـى بساطة ظاهرة، بالغة الإحساس، قاسية ورؤوفة، شجاعة وقلقة، لكنها كانت تتحلى برباطة جأش مذهلة وقدرة فائقة على إظهار القوة في لحظات الضعف، وعلى التصرف بهدوء وروية في الأزمات والظروف المضطربة. رافقت والدي عن قرب في كل مراحل حياته، وكان لها تأثير كبير على معظم القرارات التي كان يتخذها. ومن الأمور التي كانت تدهشني دائماً، أنها برغم أصولها المتواضعة تمكنت من التكيف ببراعة وتألق مع الشهرة العالمية التي جاءت مع نجاح والدي.
> هل عندك ما تضيفه عن غابو في نهاية هذا الحديث الذي فرضته الظروف الراهنة عبر المنصة الإلكترونية؟
– ترددت كثيراً في نشر الكتاب الذي ليس وداعاً مضمخاً بالحب والأنانية، بحيث لا يشعر القارئ بعد مطالعته بأي حزن أو أسف. أردته كتاباً يجمع الذكريات والأفراح إلى اللحظات الحزينة، لكن من غير أن يكون كتاباً جنائزياً. خلال الأسابيع الأخيرة من حياة والدي، وبعد أن قال لنا الأطباء إننا أصبحنا قاب قوسين من النهاية، كان من الطبيعي أن أفكر بتدوين يوميات، ليس بهدف نشر كتاب أو مقالة، بل لأن غابو لم يكن ملك عائلته وأصدقائه فحسب، بل هو لملايين القراء في شتى أنحاء العالم. أشعر أحياناً بأن والدي لم يكن مجرد كاتب ناجح ومشهور، بل حالة إنسانية وفكرية يجب أن تدوم مع الزمن.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.