رودريغو غارسيا لـ«الشرق الأوسط»: لو كان أبي أقل شهرة ونجاحاً لما كنت تقاسمته مع الكثيرين

ابن ماركيز يتحدث عن والديه وكتابه الوداعي لهما ونقل روايات غابو إلى السينما

رودريغو غارسيا
رودريغو غارسيا
TT

رودريغو غارسيا لـ«الشرق الأوسط»: لو كان أبي أقل شهرة ونجاحاً لما كنت تقاسمته مع الكثيرين

رودريغو غارسيا
رودريغو غارسيا


«أعتقد أن الكتّاب يسكنهم هاجس الموت، يكتبون القصص، يحاولون ترتيب فصول الحياة وتفاصيلها وإعطاء معنى للبدايات والنهايات، ويسعون لتأخير ما يستحيل تأخيره}. بهذه الكلمات تحدث رودريغو غارسيا، عبر منصة «زووم» من العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، في حوار أجريته معه حول الكتاب الذي نشره مؤخراً كوداع لوالديه، مرسيديس وغابو، وعن الأيام الأخيرة في حياة صاحب «مائة عام من العزلة» الذي انطفأ في مكسيكو فجر السابع عشر من أبريل (نيسان) عام 2014.
منذ أشهر يمضي رودريغو وقته متنقلاً بين بوينوس آيريس، حيث يقوم بإخراج شريط سينمائي عن حياة «إيفيتا بيرون»، ولوس أنجليس، حيث يشرف على تصوير إنتاجين ضخمين لصالح إحدى المنصات العالمية الكبرى حول رائعة والده «مائة عام من العزلة» والكتاب الذي يحكي قصة المهاجر اللبناني سانتياغو نصار في «وقائع موت معلن».
في كل أحاديثنا السابقة التي تعود لسنوات عديدة، لم أستشعر يوماً لدى رودريغو أي انزعاج دفين من كثافة حضور والده وظل شهرته الوارف، لكني كنت أتساءل دائماً كيف تكون الحياة في كنف والد مالئ الدنيا وشاغل الناس مثل غابو، فحملت السؤال هذه المرة مباشرة إلى ابنه:

> ما هو هذا الكتاب؟ تكريم لوالديك؟ تخليد لذكرى واحد من أكبر الخالدين في الأدب الأميركي اللاتيني الحديث؟ أو تصفية حسابات ومحاولة للانعتاق من هالة الأب المترامية في كل الاتجاهات؟
- هو كما في العنوان، وداع. وداع لأنهما رحلا عن هذه الدنيا، لكن في الواقع يبقى وداع الوالدين مستحيلاً طالما نحن على قيد الحياة. الأسابيع الأخيرة بجانب والدي، والسنة الماضية مع والدتي قبل وفاتها، أتاحت التأمل طويلاً وعميقاً في معنى وداع الآباء. لا يمر يوم واحد من غير أن يحضرا في أفكاري، وموتهما ليس نهاية لأي شيء. كلاهما رحل في السابعة والثمانين، وعاشا حياة طويلة وجميلة، ومهما بلغ الاحترام الذي يكنه القراء لوالدي والإعجاب بأعماله في جميع أنحاء العالم، تبقى وفاة الأب دائماً كارثة بالنسبة للولد.
> غارسيا ماركيز كان أيضاً بمثابة أب لقرائه، كيف تتعامل مع ذلك؟
- ثمة ازدواجية غريبة في هذا الشعور. أدرك جيداً أن والدي كان لي وللآخرين، وأنه لو لم يكن من كان، وما زال، لما كان لهذا الكتاب أن يلقى أي اهتمام. لا بل إني أشعر أحياناً بأن كل ما أقوم به له صلة، بشكل أو بآخر بوالدي. في كل الأحاديث والمقابلات التي أجريتها حتى الآن حول الكتاب، كان السؤال ذاته يعود في كل مرة: كيف وكم تأثرت بوالدك؟ وفي كل مرة كنت أبذل جهداً كبيراً كي لا أجيب: تماماً مثلما تأثرت أنت بوالدك.
> من الأفلام التي أخرجتها ونالت إعجاباً كبيراً فيلمTerapia» »، هذا يدفعني إلى سؤالك إذا كنت شعرت يوماً بالحاجة إلى «قتل» والدك؟
– لا أعتقد أن بوسعي إضافة الكثير أو الجديد إلى هذا الموضوع الذي وضعت فيه مجلدات ودراسات لا تحصى. لكن، أليس من المفارقة أن كل الأبناء يحتاجون إلى موافقة الآباء لكي ينموا، ولكي نتمكن من «قتلهم» أيضاً؟ هذا هو التناقض الكبير الذي تحمله الأبوة. ثم حين يتقدم الآباء في السن، يصبح الأبناء بدورهم آباءً لآبائهم. هذه سخرية الحياة. أشعر بإعجاب وافتنان إزاء هذه المرحلة التي ينمو فيها الأبناء ويكبرون ثم يستقلون فيما الآباء يشيخون وتزداد حاجتهم إلى أبنائهم.
> وماذا عن الشعور بالذنب في التباس العلاقة بين الأبناء والآباء؟
– التناقض كامن دائماً في هذه العلاقة. تشعر بالذنب، ومع ذلك تغضب لاعتقادك بأنك أنت المذنب، كأن تقول: أشعر بأني مسؤول عما حصل لك، لكن لا تلمني على ذلك. أي أنك تشعر بالذنب لأنك تشعر بالذنب. والعالم الذي عشت فيه كان شعور الأمهات بالذنب حاضراً أكثر من شعور الآباء. كان مألوفاً أن تسمع الأم، وليس الأب، تلقي اللائمة على نفسها. على أي حال، أعتقد من المستحسن أن نسامح أنفسنا قدر المستطاع.
>هل شعرت يوماً بالغيرة من نجاح والدك؟ أو من شهرته؟
– أصابت الشهرة والدي عندما كنت قد صرت بالغاً. كانت شهرة واسعة جداً بعد نيله جائزة نوبل، وأيضاً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية. لا شك أن كل ذلك كان له تأثيره، لكنه لم يداهمني في مرحلة الصِغر. عشت طفولتي ومراهقتي في المكسيك، حيث تعارفنا، ثم في برشلونة لبضع سنوات. يومها كان والدي معروفاً لكني لم أشعر أبداً أني ابن نجم سينمائي أو غنائي. على أي حال، لا رغبة عندي في أن أغير أي شيء. لو كان والدي أقل شهرةً ونجاحاً، لما كنت تقاسمته مع الكثيرين، لكن الأرجح أن الأمور كانت لتكون أسوأ مما هي عليه الآن (يضحك)...
> إلى جانب الرواية والمقالات والتحقيقات الصحافية، كان غابو أيضاً ناقداً سينمائياً ولعب دوراً أساسياً في إنشاء معهد العلوم السينمائية الشهير في هافانا... وأذكر أنه قال لي في أولى المقابلات التي أجريتها معه في كنكون (المكسيك) إنه يتمنى لو كان مخرجاً سينمائياً. هل كان يشعر بالغيرة منك عندما اخترت طريق الإخراج السينمائي؟
– لا أعتقد ذلك. لم يكن قليلاً النجاح الذي أصابه بالكتب، وكان يتباهى كثيراً عند الحديث عن أفلامي ويدعو الجميع إلى مشاهدتها. كان حباً وإعجاباً بلا غيرة.
> إشرافك اليوم على نقل كتبه الأوسع شهرة إلى السينما، هل في ذلك وفاء لدين؟
– إنها مسؤولية كبرى. لكني راضٍ جداً عما أراه وأقرأه. من «مائة عام من العزلة» قرأت سيناريو الحلقات الأربع الأولى، وأعتقد أن القرارات التي اتخذت صائبة، والأهم من كل ذلك أن الأمور تأخذ مجراها الطبيعي بوتيرة متأنية من غير استعجال.
> سلمى حايك هي منتجة الفيلم عن «إيفيتا بيرون»، وهي التي طلبت إليك المشاركة فيه. هذا يحملني إلى سؤالك عن «الرابط اللبناني» بينكما.
- (يضحك)... أعرف أنك تجنح دائماً للحديث عن هذا الرابط، كما تسميه. سلمى من أصول لبنانية وهي تعتز كثيراً بها، ووالدتي متحدرة من عائلة لبنانية هاجرت إلى مصر واستقرت في بورسعيد، لكن لم يرشح لنا شيء سوى القليل جداً من ذلك كما تعرف. على أي حال لا علاقة لهذا الرابط بالفيلم عن «إيفيتا»، الذي كان لا بد من تصويره في الأرجنتين مع ممثلين وتقنيين أرجنتينيين، باستثنائي أنا والطبيب الإسباني الذي حنط «إيفيتا» بعد وفاتها. والفيلم يستند إلى كتاب توماس كلاي الذي كان صديقاً حميماً لوالدي، وهو يتناول ببراعة مذهلة ظاهرة «إيفيتا»، وتلك الهستيريا التي سادت من أحبوها وكرهوها على السواء، تماماً مثل ظاهرة مارادونا التي كان الواقع فيها يتجاوز أبعد ما يمكن أن يصل إليه الخيال. يضاف إلى ذلك أننا ربينا في بيت كانت السياسة تحتل فيه حيزاً واسعاً. والدي كان يتابع عن كثب ما يحصل في أميركا اللاتينية، وكانت له علاقات وطيدة مع العديد من الزعماء والرؤساء، ويهتم كثيراً بموضوع السلطة السياسية، خصوصاً لدى الطغاة والرجال الأقوياء والزعماء الشعبويين.
> مطالع عام 2020، وفي ذروة جائحة «كوفيد»، نشرت لك صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً في شكل رسالة موجهة إلى والدك جاء فيه: «... لا يمر يوم واحد من غير أن أقرأ أو أسمع إشارة أو استحضاراً لك ولأعمالك، وأتساءل ماذا كنت لتقول عن هذا الوضع الذي نعيشه اليوم، أنت الذي كتب يوماً: ما يعذبني في الجوائح والكوارث الكبرى أنها تذكير لنا بمصيرنا الشخصي، أي أنه برغم الحيطة الدائمة والحذر والعناية بالصحة والثروة، يمكن لأي إنسان أن يسحب الرقم الخاسر في هذه الحالة القدرية... ».
- أعتقد أن الكتاب يسكنهم هاجس الموت، يكتبون القصص، يحاولون ترتيب فصول الحياة وتفاصيلها وإعطاء معنى للبدايات والنهايات، ويسعون لتأخير ما يستحيل تأخيره، أي هذه الفوضى التي لا يمكن أن نسيطر عليها في حياتنا. والدي كانت تؤرقه كل الأمور التي يعجز عن التحكم بمسارها، وبعكس أمي كان غالباً ما يعبر عن ذلك.
> وماذا عن والدتك التي، رغم شهرة الوالد، كانت هي الشخصية المركزية في العائلة؟
– والدتي كانت شخصية معقدة، علـى بساطة ظاهرة، بالغة الإحساس، قاسية ورؤوفة، شجاعة وقلقة، لكنها كانت تتحلى برباطة جأش مذهلة وقدرة فائقة على إظهار القوة في لحظات الضعف، وعلى التصرف بهدوء وروية في الأزمات والظروف المضطربة. رافقت والدي عن قرب في كل مراحل حياته، وكان لها تأثير كبير على معظم القرارات التي كان يتخذها. ومن الأمور التي كانت تدهشني دائماً، أنها برغم أصولها المتواضعة تمكنت من التكيف ببراعة وتألق مع الشهرة العالمية التي جاءت مع نجاح والدي.
> هل عندك ما تضيفه عن غابو في نهاية هذا الحديث الذي فرضته الظروف الراهنة عبر المنصة الإلكترونية؟
– ترددت كثيراً في نشر الكتاب الذي ليس وداعاً مضمخاً بالحب والأنانية، بحيث لا يشعر القارئ بعد مطالعته بأي حزن أو أسف. أردته كتاباً يجمع الذكريات والأفراح إلى اللحظات الحزينة، لكن من غير أن يكون كتاباً جنائزياً. خلال الأسابيع الأخيرة من حياة والدي، وبعد أن قال لنا الأطباء إننا أصبحنا قاب قوسين من النهاية، كان من الطبيعي أن أفكر بتدوين يوميات، ليس بهدف نشر كتاب أو مقالة، بل لأن غابو لم يكن ملك عائلته وأصدقائه فحسب، بل هو لملايين القراء في شتى أنحاء العالم. أشعر أحياناً بأن والدي لم يكن مجرد كاتب ناجح ومشهور، بل حالة إنسانية وفكرية يجب أن تدوم مع الزمن.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».