«خطف الحبيب»... رواية موقف سياسي بنكهة بوليسية

الروائي الكويتي طالب الرفاعي يكتب عن العنف والإرهاب والتطرف الديني

«خطف الحبيب»... رواية موقف سياسي بنكهة بوليسية
TT

«خطف الحبيب»... رواية موقف سياسي بنكهة بوليسية

«خطف الحبيب»... رواية موقف سياسي بنكهة بوليسية

في كتاب الروائي الكويتي طالب الرفاعي «مبادئ الكتابة الإبداعية»، خلاصة واعية لفهمه وإدراكه الجيد، وإحاطته بمبادئ كتابة الرواية، من وجهة نظره الخاصة، والتي تتفق أحياناً مع المألوف من القواعد العامة، وتفترق في أحيان أخرى؛ لأن «كل رواية هي عالم مستقل بنفسه، ولكن في الثابت الآيديولوجي الذي يحكم مسارها».
ها هي بعض سمات وعي طالب الرفاعي لنظرية الرواية، كما شرحها في كتابه المشار إليه، وأنقلها بتصرف:
«تُكتب الأعمال السردية للتأثير على وعي القارئ ومشاعره وقناعاته وسلوكه» (ص47). و«الخيال هو الحاضر الخفي، والمحرك الأساسي لتوصيل الأفكار للقارئ» (ص47). و«التشويق عبر وضع البطل أمام موقف مأزوم أو مشكلة، وبحث البطل عن مخرج» (ص63). و«صيغة ضمير المتكلم تولد حميمية بين القارئ والنص المقروء» (ص95). و«الرواية بوصفها كتابة نثرية أدبية لحكاية، لا بد لها من أن تحمل رؤية، وتنطوي على موقف المؤلف حيال قضايا الإنسان العادلة وقضايا العالم» (ص 102 و103). و«الشخصيات هي محور المعاني الإنسانية، ومدار الأفكار العامة للعمل الروائي» (ص 120).
يستمد حدث الرواية جذره الأساس من واقع الحياة؛ لكنه يأتي محمولاً على وعي وموهبة وخيال الكاتب، ولغته وخبرته وصنعته. وكل عمل روائي يمكن تلخيص حكايته بكلمات قليلة مهما كان حجم العمل. رائعة هيرمان ملفل الملحمية الخالدة «موبي ديك»، ما هي سوى رحلة صيد بحرية للحوت الأبيض، وهي رواية كبيرة كما هو معروف!
والناقد الذي يحلل ويفسر ويكشف عن أبعاد ومضامين عمل روائي أمام قارئ محتمل، مطالب بفضح الجانب الأساس من حكاية العمل، كي يبدو المقال النقدي مفهوماً، ولربما يصادر هذا الأمر من إقبال القراء على قراءة العمل، ولكن لا خيار من ارتكاب هذا الإثم. رواية «خطف الحبيب»، تنبني في مجملها على حادثة خطف الشاب الكويتي «أحمد الشراع» من قبل فصيل إسلامي متطرف، بعد أن التحق الشاب بمجموعة مقاتلة في سوريا بذريعة الجهاد ووازع الإيمان بالحق، وخصوصاً أنه صار أميراً للجماعة بلقب كبير، هو «أبو الفتح الكويتي»، وعناء الوالد «يعقوب الشراع» الفاحش الثراء، ومكابدته المرهقة وضنكه وحلمه الأبوي في استعادة ولده، ولو بدفع فدية مالية هائلة، وهواجسه الثقيلة من احتمال فقد ابنه وضياعه.
لماذا إذن يقضي الروائي السنوات الطوال منعزلاً ومنكَباً على كتابة رواية من مئات الصفحات المحشوة بنبض حيوات الشخصيات، وتشريح دوافعهم وأفكارهم ومشاعرهم وتناقضاتهم، وحشد الأسرار والتفصيلات، ووصف البيئات والظروف، وما تفعله المصادفات والأقدار، ما دمنا نستطيع تلخيصها بكلمات قليلة؟ الجواب الوحيد هو: لعبة الفن والسرد والغواية والإدهاش والإمتاع، وقبل ذلك وبعد، من أجل كل تلك السمات والغايات والأهداف التي استعرتها من وعي «طالب الرفاعي» لنظرية الرواية، والتي نوهنا عنها أعلاه.
بواكير الفن الحكائي تعزى للعبد اليوناني «إيسوب» الذي عاش بين عامي 620 و560 ق.م، وسيبقى أصلها ضارباً في تربة الحياة في سكونها وصخبها، وما بقيت مخيلة البشر تلاحق عودة «أوليس» إلى دياره، ولعل ذلك هو الذي جعل «وليم فوكنر» يقول حين سُئل عن مستقبل الرواية: «أتصور أنه ما دام الناس يقرأون الروايات، فإن الناس سيظلون يؤلفون الروايات».
متن الرواية
عملتُ في الصحافة الثقافية الكويتية لأكثر من ربع قرن، وتسنى لي قراءة معظم أعمال القاص والروائي «طالب الرفاعي» وغيره من أدباء الكويت، وأستطيع وصف مغزى مجمل أعماله الأدبية، والروائية على وجه الخصوص، بأنها «أدب موقف»، وأعني بذلك أنه يتكئ على رسالة سياسية واجتماعية تقدمية حضارية لأدبه، حتى في قصصه القصيرة المبكرة، حين اشتغل على منظومة الحب، والتي حرص على ربطها بإطار محلي اجتماعي وإنساني.
ورواية «خطف الحبيب» لا تخرج عن هذا الهم الإنساني والاجتماعي والثابت الآيديولوجي المتشابك مع الذاتي كما ذكر إلياس خوري، وكما ارتأى «طالب الرفاعي» لأدبه المكتوب أن يكون وفقاً للسمات التي حددها لأعماله السردية، ولا تعني الآيديولوجيا التموضع والانتماء لحزب أو تيار، والتمترس وراء شعارات؛ بل تعني «المفكورات»، حسب ترجمة الدكتور علي زيعور.
فرواية «خطف الحبيب» كُتبت لإقناع القارئ الكويتي والعربي وصوغ وعيه، بعيداً عن العنف والسلاح والتقاتل، وفق تركيبة واقعية حقيقية معجونة بجماليات التخييل، وبأسلوب وسياق فيه الكثير من التشويق الذي يمسك بدهشة القارئ، ومحبوكة بشكل اتفق النقاد على تسميته برواية تعدد الأصوات، عبر بوح الشخصيات بضمير المتكلم. ويتطرق النص إلى قيم ومفاهيم ومفكورات جليَّة حول ما يدور حولنا من آراء وقضايا ومشكلات وأحداث إنسانية، وتمس ذاكرة إنسان من لحم ودم، يتمثل عند الروائي بشخصية كيانية، يكاد يكون وجودها ملموساً وحياً ومألوفاً، وكل هذه الخلطة مروية بلغة مأنوسة وسهلة ومعبرة لا تستعلي على القارئ؛ بل تجعله شريكاً ورائياً ومتورطاً في أحداث ووقائع الرواية مثل أبطالها تماماً. ولأن القضية الأكثر سخونة في عالمنا العربي هي الصراعات المسلحة والإرهاب والمذهبية والتناقضات القائمة بين الفكر العقلاني الإنساني والتطرف الديني الشديد، فقد جازف «طالب الرفاعي» للخوض في هذه المسألة الشائكة؛ لأنه ابن الحاضر، ويكتب رواية حداثية، قلت عنها إنها رواية موقف، ورواية سياسية بنكهة بوليسية.
الثيمة الرئيسية
«أحمد الشراع» المخطوف من حضانة أبيه، كان ضحية لفكر أستاذه «عمر» في المدرسة، ولتربية خاله «عثيمان» الدينية المتزمتة، والذي يدير أعمال أبيه، والذي كان يمول الجماعة المسلحة ويرعاها سراً، وقد تعاون الاثنان على إقناعه برفض حياة أسرته الباذخة، ومقاطعة المال الحرام السحت الذي في حوزة والده «يعقوب الشراع» والمخزنة في البنوك الربوية، وعدم قبول مظهر أخته غير المحجبة وسلوكها المديني الزائف، والتوقف عن مشاهدة التلفزيون لأنه منكر، واستهجان توظيف طباخة نصرانية في البيت، وكلاهما زيَّنا له فضيلة التقشف، وفيما بعد دفعاه للهجرة لمناكفة الكفر والوقوف حيث وقف السلف الصالح، والثالث كان إمام المسجد «عبد الشافي محمد»، وكان قرار اليافع والمراهق «أحمد» بالانضمام إلى جماعة أصولية مسلحة سبب شقاء أسرته، وعذابه الجسدي والنفسي عند خاطفيه، وهي الثيمة الرئيسة للرواية. فهل كانت هذه الثيمة كل ما في جعبة الروائي «طالب الرفاعي»؟ لا، فقد كان في الجعبة الكثير من المسائل والمظاهر والمشاعر والنقائض والتوترات والتفاصيل المسكوت عنها في المجتمعات العربية.
أصوات هامشية ومشكلات مجتمعية
يتناوب على السرد صوت «يعقوب الشراع» المواظب على الصلاة، والدارس في أميركا، وله حصة الأسد في الرواية؛ لأنه الشخصية المطلقة في العمل، وصوت زوجته «شيخة» الموظفة الحكومية السابقة والمتقاعدة، وصوت «فرناز قرمزي» الإيرانية الشيعية الموظفة في إحدى شركات «يعقوب»، والتي أيقظت مشاعره بقصة عشق لاهبة، وصوت «أحمد» المطابق في لغته للغة الأسلاف، وصوت الخال «عثيمان». وهناك عديد من الشخصيات المكملة للإطار العائلي والمجتمعي، ولكنها شخصيات هامشية لا تأثير لها على مجريات الأحداث، باستثناء «رضا قرمزي» شقيق «فرناز» المولود في الكويت، وضابط الشرطة الإيراني الذي يساعد «يعقوب» في رحلته الشاقة إلى الحدود الإيرانية الأفغانية، لدفع الفدية والتفاوض مع الخاطفين. وقفات الروائي في عمله لا تكتفي بتقصي أعماق المجرى العريض للحدث الرئيس وخلفياته وأجوائه؛ بل تتجاوزه إلى حالات اختطاف نفسية وفكرية مجتمعية غير قابلة للدحض، تنساب ضفافها مع المجرى.
وتناول الكاتب أيضاً بعض المشكلات المحلية المجتمعية، وهي مشكلات عامة، منحت النص نكهة الواقع المعيش والمتعة في متابعة السرد: مسؤولية الأبوين في انحراف الأولاد بسبب الإهمال أو الدلال الزائد. وتفسخ العلاقة الزوجية التقليدية التي ترسمها الأعراف والتقاليد (علاقة يعقوب بشيخة) وغير الممهورة بعاطفة الحب. والإسراف المفرط والبذخ المادي غير المعقول: سائق وخادمة لكل فرد في الأسرة الواحدة. وشوائب العلاقات بالوافدين ومسألة الكفيل وحقوق الإنسان (مسألة مزمنة لدى الكاتب منذ نشر «أبو عجاج طال عمرك»). والعشق المتأخر والخروج من بوتقة الضجر وأوهام استعادة الشباب دوائياً (الفياغرا). وغير هذه المظاهر الكثير: معنى التدين («أحمد» يعاتب والده لغياب المُصلَّى في شركاته ومكاتبه)، والبرود الجنسي، والمذاهب وحواجزها، والحلال والحرام في الأعمال التجارية، وتعدد الزوجات، وزواج المتعة، والعذرية وهواجسها. وهذه المنمنمات الكويتية وتواتر ذكرها في السياق السردي عبر المونولوغ الداخلي أو الحوار أو الاسترجاع، والمنقولة بوساطة لغة الحياة اليومية السليمة كما يفرض الحدث، ووحده التداعي الحر في صوت «أحمد الشراع» تصبح اللغة على لسانه كما تفترض المدونات الإسلامية.
ومن هنا، فإن رواية «خطف الحبيب» هي خلاصة لعمل دؤوب ومسؤول وجاد وشجاع، وخصوصاً بقلم كاتب خليجي؛ حيث إنها تتناول بذكاء ورصانة قضية الإرهاب المعقدة التي أوهنت الأمة ومزقت حضورها وفرقت الرأي حولها، واستحضرت قضية معاصرة ساخنة تتعلق بدور الإسلام السياسي في الحراك الفكري والاجتماعي، في إطار حكائي موجه ورسالة صريحة لإدانة العنف والحرب، والذهاب بالمجتمع نحو العدالة والعقلانية، بسند ودعم من الوعي المعرفي والأخلاقي. وليس من الغريب بعد ذلك أن تصل الرواية إلى القائمة الطويلة لـ«جائزة الشيخ زايد»، وتقدير أمارة الشارقة لصاحبها بوصف «شخصية العام الثقافية». إنها رواية تؤكد تطابق الوعي النقدي لنظرية الرواية وأطروحاتها عند الكاتب، مع المثال البنيوي والشكلي لروايته.

- كاتب سوري



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.