الشعر تمجيد لجمال العالم المليء بالندوب

الشاعر البولندي آدم زاغايفسكي في ترجمة لهاتف الجنابي

الشعر تمجيد لجمال العالم المليء بالندوب
TT

الشعر تمجيد لجمال العالم المليء بالندوب

الشعر تمجيد لجمال العالم المليء بالندوب

أعترف بداية أنه لم يسبق لي أن قرأت للشاعر البولندي آدم زاغايفسكي أياً من أعماله الشعرية أو النثرية. بل إن هذا الاسم كان بالنسبة لي مجهولاً تماماً، قبل أن أقرأه منقولاً إلى العربية، في ترجمة لهاتف الجنابي، صدرت قبل أسابيع قليلة عن دار «روايات» في الشارقة. ولست أجافي الحقيقة في شيء إذا قلت إن في هذه الترجمة من السلاسة الأسلوبية والوضوح التعبيري، ما يجعلنا نشعر أن العربية لا البولندية هي اللغة الأصلية للنصوص. وإذا كنا لا نكاد نعثر فيما ألفناه من أعمال أجنبية منقولة إلى العربية، على هذا المستوى المتميز من الترجمات، فإن الأمر عائد في الأعمّ الأغلب إلى عدم تمرس المترجمين باللغتين، المنقول منها والمنقول إليها، أو بإحداهما على الأقل، فضلاً عن أن كثيراً من الترجمات تتم عبر لغة وسيطة ثالثة. ويمكن أن نضيف إلى هذين العاملين عاملاً آخر يتصل بجشع بعض الناشرين واستثمار حاجة المترجمين إلى المال، لحثّهم على «تلفيق» ترجماتهم بأسرع وقت ممكن. على أن نجاح الجنابي في تلافي جميع هذه الهنات، لا يعود فقط إلى نقله للقصائد عن لغتها الأم دون وسيط ثالث، بل لأن موهبته الشعرية، تمنحه مترجماً حساسية خاصة إزاء اللغة، وقدرة أكبر على سبر أغوارها وتخيّر صيغها الملائمة. حسناً فعل الجنابي، من جهة أخرى، أنه استبق القصائد المترجمة بمقدمة مسهبة تناول خلالها التحولات الدراماتيكية التي شهدها الشعر البولندي في الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية؛ حيث كان الشعراء يرزحون بمعظمهم تحت ضغوط الإملاءات الآيديولوجية، التي فرضتها أنظمة الحكم الشمولية على الأدب والفن، والتي أطلقت عليها في تلك الفترة تسمية «الواقعية الاشتراكية». إلا أن التحولات السياسية والاجتماعية ذات الطابع الإصلاحي، التي شهدتها البلاد منذ حقبة الخمسينات، وصولاً إلى الإضرابات النقابية والشعبية المتلاحقة التي سبقت انهيار الاتحاد السوفياتي، تركت بصماتها العميقة على الأدب والفن. ومن رحم تلك التغيرات بالذات، ولد شعراء «الموجة الجديدة» الذين رفضوا تسطيح الشعر وإلحاقه بالتبشير الآيديولوجي، داعين، وبينهم زاغايفسكي، إلى كتابة مغايرة تنتصر للحرية، وللإنسان كينونة فردية قائمة بذاتها، وتمجد اليومي والمحسوس والمهمل من شؤون العيش وشجونه.
وإذا كانت بولونيا في العقود الأخيرة قدّمت للشعر العالمي نماذج عالية تمت مكافأتها بجائزة نوبل للآداب، من طراز فيسوافا شيمبورسكا وغيتسواف ميوش، فإن شاعراً من وزن آدم زاغايفسكي لا يقل عن نظرائه الكبار، لما تتسم به تجربته من تنوع بانورامي في اختيار موضوعاته، ومن قدرة لافتة على المواءمة بين المحسوس والمجرد، كما بين سطوح الحياة وأعماقها. إلا أن صاحب «عالم غير معروض» الذي رفض في كتاباته الرضوخ لضغوط الآيديولوجيا وتعاليمها المعلبة، رفض بالعناد نفسه الوقوع في شرك التنقيط الجمالي والشكلانية الخالصة، داعياً إلى كتابة تتغذى من نسغ العالم الحقيقي، دون أن تكون انعكاساً آلياً لما يدور على أرض الواقع من أحداث. لذلك، فهو لا «يترفع» بشعره عن مقاربة الأوضاع الشائكة التي تعانيها بلاده؛ حيث الهوية ممزقة والسلطة عاجزة أو فاسدة، والناس مغلوبون على أمرهم، ولا يتوانى في قصيدته «إعلان» عن القول...
إذا كنت تعيش في دولة عاجزة
فيها عدد كبير من الخُطب
إذا كنت تعيش في بلادٍ
تحترق فيها الورود
وكل مرة تصير الشوارع أسرع
والمدينة تطأطئ رأسها
كعباد الشمس
والغابات تنمو بالإجماع
وقتئذٍ اكتبْ لي،
فأنا أجمع البطاقات البريدية...
ولا يفوت زاغايفسكي أن يشير في كثير من نصوصه إلى دور الشعر الهام في جعل الأرض مساحة كروية قابلة للسكنى، سواء من خلال قدرة اللغة على تجريد الواقع من بؤسه وفظاظته، أو من خلال التحليق عبر المخيلة فوق فساد العالم وتصدعاته وأنين كائناته. ففي قصيدة له عن ميوش، الذي تأثر به الشاعر أشد التأثر، يعلن زاغايفسكي أن «السيد» يحاول أن يقول في قصائده أكثر مما يمكن للشعر أن يقوله في العادة، لكننا إذ نحلق معه بعيداً في الأعالي، نكتشف بعد أن نضع دواوينه جانباً، أننا نعود مرة أخرى إلى سفوح العيش، وتعود المدينة إلى ديدنها المليء بالعوز والجوع والدموع والسعال وكثير من الشرور. لكن العلاقة مع الشعر لا تتخذ الوجهة نفسها بالنسبة للشاعر. فهو إذ يكرس لهذه العلاقة الشائكة كثيراً من قصائده، ويتبنى مقولة سيوران التي ترى الشعر بوصفه «ريحاً تهبّ من جهة الآلهة»، يعتبر في نصوص أخرى أن الحياة الحقيقية هي التي تقوم خارج الكلمات، وأن الشعر هو شأن من شؤون الموتى، كما في قوله...
يجب أن أقيم في العالم، في المدينة
الموتى وحدهم قادرون
على أن يكونوا في الشعر
يأتون إلى هنا
كعازفي كمان مساكين
بأصابع زرقاء من الصقيع
وينامون طويلاً على أسرة الأبيات
ثمة في كثير من قصائد زاغايفسكي ما يشي بهشاشة المكان وافتقاره إلى الصلابة، في حين يشيع من وراء السطور إحساس بالمنفى ولسعة الغياب والافتقار إلى الأمان. والأرجح أن المرارة التي تنضح من بعض النصوص تعود إلى خسارة الشاعر لمسقط رأسه، بعد أن تم سلْخ مدينته الأم «لفوف»، وضمها إلى أوكرانيا في بداية الحرب العالمية الثانية. صحيح أن إقامته اللاحقة في كراكوف القريبة من مدينته، وإحدى حواضر البلاد الثقافية والفكرية، قد خففت قليلاً من وطأة الشعور بالفقدان، ولكنها لم تفلح تماماً في إزالة شعوره المقابل بالهوية المبتورة، والانسلاخ المأساوي عن مواطئ ذاكرته وإلهامه. ومع ذلك فهو حين يعود كهلاً إلى رحاب الأماكن التي ولد في كنفها، يحس بأن مدينته تستقبله بفتور ملحوظ، وبأنه لن يتمكن من استعادة ذلك البريق الخاص الذي كان للأشياء، زمن انبثاقها الأول.
كما تحفل قصائد زاغايفسكي بكثير من الصور المميزة والمنتزعة من أرض محسوسة، بما يعكس إفادة الشاعر الواضحة من فني الرسم والسينما وسائر الفنون البصرية، من مثل قوله: «الوقت ككلب صيد ينام أمام البيت»، أو «الرسائل القديمة تتسلق أعلى الورقة \ مثل حلزون يتسلق جدار مستشفى الأمراض النفسية»، أو «القمر يُعدّ نفسه للتصوير \ وفي الأعالي طائرة صغيرة تلعب مثل الدلفين». ومع ذلك، فإن تلك الصور ليست متقصدة لذاتها، بل هي جزء لا يتجزأ من السياق الإجمالي للنص، ومن الرسالة الضمنية التي يريد لنا الشاعر فك شفرتها والوقوف على مراميها. ورغم أن زاغايفسكي، أخيراً، لم يكن يحبذ الأسلوب المباشر في تناوله للموضوعات التي تناولتها قصائده، وبخاصة السياسية منها، فإن ذلك لم يمنعه من بثّ رسائله إلى شعبه، كما إلى الإنسانية جمعاء. على أنه وهو يحاول في نصوصه المختلفة، اعتماد أسلوب السخرية المبطنة من المصائر التي يؤول إليها العالم، لا يستطيع بالمقابل أن يخفي نبرته الرثائية الحزينة للأفكار والتصورات، وصولاً إلى التاريخ الإنساني برمته، كما في قصيدة «ماركس العجوز»، التي يقول فيها:
أحاول تخيّل شتائه الأخير
لندن رطبة وباردة، قبلاتٌ ثلجية عَرَضية
فوق الشوارع الفارغة، أتخيل مياه التايمز السوداء
ليلاً في مكانٍ ما تنتحب القاطرات الضخام
وفي الحانة كان العمال يتكلمون بسرعة
حتى إنه لم يتمكن من فهمهم أبداً



ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.


الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات
TT

الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من عنف موجع، ومن ثم تصبح قصائد الديوان أشبه بصرخات مدوية، ناتجة عن الانعتاق المصحوب بالألم، أو بالصراخ المصاحب للولادة الجديدة. هذا العنف يطل برأسه ويعلن عن حضوره منذ العنوان الرئيس، الذي يبدأ بمفردة «أبتر»، بما تحمله من دلالات تتعلق بالدماء، وحينما تأتي المفردة في صيغة الفعل المضارع، فإن البتر هنا يصبح عملية متصلة، وديمومة لا تنتهي، فضلاً عن أن هذا البتر تمارسه الذات الشاعرة على نفسها، بوصفها فرعاً متصلاً ومنبثقاً من شجرة العائلة أو القبيلة، ومن ثم فإن هذا البتر، على ما فيه من عنف وألم، محاولة للتحرر من التبعية، وفكاً للارتباط بأي ماضٍ قبلي، محاولةً أن تكون الذات هي مرجع نفسها، وتاريخاً أول، ونبتاً أصلياً جديداً، لا يأخذ جدارته من كونه صورة أو امتداداً لأصل سابق.

الديوان صادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، ويتكون من 23 قصيدة، تنتمي لقصيدة النثر، وكلها مفعمة بروح المواجهة، وقطع الحبل السري الذي يربط الذات الشاعرة بالزمان والمكان، فالتاريخ عبء مؤرق يثقلها، وتريد أن تبدأ من درجة الصفر، أن تخط تاريخاً يبدأ من ذاتها، وترغب في التحرر من الأماكن والبيوت، التي تتحول إلى سجون تكبلها، بل إنها توجه نصائح في صيغة الأمر لقارئها الضمني «لا تملك بيتاً/ شتت نفسك بين ألف بيت/ لتسيل ذاكرتك بين البلاد/ ولا تملك وطناً/ ودّعه قبل أن يصير له رائحتك».

هذه الرغبة الحادة والعنيفة في القطيعة والتحرر، تتجاوز مجرد التمرد، إلى رغبة عميقة في تحرر الكتابة، وتحرير الجسد الذي تكبله سطوة القبيلة وهيمنتها. تأتي هذه الدلالات في سياقات جدلية، تقدم أسبابا وتفندها، وتعقد مقارنات بين العالم المأمول والعالم الواقعي، فالبيوت المشتهاة الجديرة بالانتماء إليها لم تعد موجودة، وفقدت أي دفء محتمل، فلم يبق منها سوى الجدران الخانقة، وأصبحت مصائد للحزن، حتى الدجاجات باتت مصدراً للقسوة. تقول في قصيدة «البيوت التي كانت أولى بالسكن»:

«حلمت كثيراً بالبيوت القديمة

التي لم تتسع لي؛

هجرتني أسرتها النحاسية،

وغاب عني دفء السمر على عتباتها،

لياليها الصيفية مصيدة للحزن،

دجاجاتها شرسة»

القطيعة مع العائلة وتاريخها وأمكنتها، أو بالأحرى مع هذه السجون الثلاثة، ليس فقط من أجل تحرر الذات الشاعرة، ولكن من أجل تحرير فروعها الجديدة، المنبثقة عنها بوصفها جذراً أولاً، وهن بناتها الثلاثة التي تهديهن الديوان قائلة «إلى ميرال ولمى وحلا: نظفت قلبي قدر المستطاع لتلعبن بأمان»، حيث تتصل مفردة «نظفت» هنا بالانخلاع من الماضي الثقيل، وكنس أوساخه، بحثاً عن الأمان لمستقبل هذه الفروع. وبالتوازي مع هذا الإهداء، تصدّر الشاعرة ديوانها بمقطع لافت للشاعرة، تايلاندية الأصل، لانج لييف، تقول فيه: «ما معنى أن تكون شاعراً؟/ أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة/ الكل يرى ما بداخلك/ لكن لا أحد يدرك من أنت». فضلاً عن وحدة الجندر وتقارب المرحلة العمرية بين الشاعرتين، ففي هذا التصدير أربعة مرتكزات دلالية تصل هذا المقطع ببنية الديوان، أولها سؤال الشعر ومعناه، وثانيها الشعر بوصفه اعترافاً وكشفاً عما تمور به الذات من هواجس. وثالثها رؤية الآخرين وتلصصهم على هذه الدفقات الاعترافية الأقرب للفضح الذاتي. ورابعها الفرق بين الرؤية التي يمارسها «الكل»، وعدم الإدراك العميق لجوهر الذات وألمها، فالجميع يرى، لكن لا أحد يدرك.

في مسارها الاعترافي، تستخدم الذات لغة حادة وكاشفة، لا مواربة فيها، حتى في اعترافها بانسحاقها القديم، وبتحولها هي نفسها إلى آلة قمع ذاتي لأحلامها وأفكارها وحتى جسدها، خنوعاً لتقاليد القبيلة، لتحوز ذلك الرضا المقدس، وتصنع موازاة بين ذاتها وبين النهر، الذي تخلَّى عن تدفقه وعنفوانه، وكان يسير بـ«صوت مكتوم، يشبه صوت قلبي حين أذعنت لتعاليم القبيلة». وتستغرق في سرد تجربة الإذعان هذه، كاشفةً كيف تحوَّلت هي نفسها إلى القمع الذاتي، تقول في «بلا شجرة عائلة»:

«ولأنني بنت القبيلة البارة؛

آمنت بالأب والأم والمجد العائلي،

قمطت صدري بلثام الخوف،

ووضعت حجراً بين ساقيّ،

حملت على رأسي نفايات حروبهم،

روث كلمات قذفوها ساعة الغضب»

هكذا، يتحول الأب والأم والمجد العائلي، من شخوص ومعان ثقافية، إلى «ثالوث مقدس»، وكتلة سلطوية جاثمة على روح الذات الشاعرة، بل تحتل جسدها كاملاً، تلوثه، من رأسها الذي يحمل نفايات حروبهم، مروراً بالصدر المقموع خوفاً، وصولاً إلى الحجر الموضوع بين الساقين، إنه إحكام للسيطرة، وقمع لـ«العقل، والقلب، والرغبة الجسدية»، التي تصبح ثالوثاً مدنَّساً، مرفوضاً ومكبَّلاً، كي تحظى بالقبول، ويتم ترسيمها بوصفها «بنت القبيلة البارة».

في سعيها للانبتات والبتر، تعيد الشاعرة تعريف العالم ومفرداته، عبر صيغ السؤال التي تنتشر كثيراً في الديوان، حتى إنها تخصص قصيدة بعنوان «أسئلة»، تنبني كلها على تقديم معرفة جديدة بكل شيء، عبر بنية السؤال والجواب، من أبسط الأشياء والمعاني إلى أكثرها وجودية وفلسفية: «ماذا عن الشعر؟ يد الله الحانية. ماذا عن الأمومة؟ مرآة تصفعك كل ليلة. ماذا عن الجسد؟ شاهد الحكاية الذي لا ينسى. ماذا عن الموت؟ فارس الملحمة الموصوم دائماً بسوء السمعة»، إنها رغبة في القطيعة مع أرشيف اللغة، والتمرد على العلاقات القديمة بين الدوال ومدلولاتها، محاولة صنع قاموس جديد، لشجرة مستقلة، مختلف عن لغة القبيلة والعالم.

ثمة مفارقة لافتة، فالذات الشاعرة الراغبة في الانفلات من كونها محض فرع لشجرة العائلة، نراها في القصيدة الأخيرة من الديوان تكرس نفسها مركزاً تدور حوله بناتها، ولا تجعلهن مجرد فروع، بل قبوراً تدفن فيهن أحلامها وأوجاعها، إنها نفس بنية الاستخدام والتسلط تعيد إنتاج نفسها، بل بشكل أشد قسوة، فتقول -ربما بنبرة عميقة من السخرية- في «يكبرن حولي»:

«أنجبت بنتاً وقلت لها:

صيري قبراً،

سأردم فيكِ؛

أحلامي التي اخترقها الحسد،

قلباً مضغ القسوة بكل النكهات».


إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ
TT

إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»، لا سيما تجربته مع مدينة الإسكندرية وعالمه هناك بين الأصدقاء والمقاهي والذكريات، فضلاً عن محفوظ الموظف، الذي مارس الرقابة على المصنفات الفنية وترك ملاحظاته على عدد من سيناريوهات الأفلام.

يستند المؤلف إلى العديد من الصور والخطابات المكتوبة بخط اليد والشهادات، وغيرها من المستندات النادرة في محاولة لتوثيق هذا الجانب من السيرة «المحفوظية»، منطلقاً من فكرة أساسية مفادها أن صورة «حرافيش محفوظ» ارتبطت في الذاكرة الثقافية بمجلسه الشهير في القاهرة، بينما ظلَّ هناك مجلس آخر أقل شهرة في الإسكندرية، فقد كان محفوظ يقضي في المدينة الساحلية عدة أشهر متصلة كل عام، بعيداً عن أسرته، في تقليد استمر قرابة ربع قرن، منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى عام 1994، حين توقفت رحلاته المنتظمة إلى الإسكندرية عقب محاولة الاعتداء عليه.

هنا تأتي حكاية «شلة سان استيفانو»، وهي المجموعة التي ارتبط بها عميد الرواية العربية خلال إقامته الصيفية في الإسكندرية، وكان مجلسهم اليومي ينعقد في حديقة فندق سان استيفانو القديم، في الفترة المسائية، وتحديداً بين السادسة والتاسعة.

كما يستند المؤلف إلى شهادات أربعة من أفراد هذه الدائرة، وإلى صور نادرة وخطابات بخط يد محفوظ، ليعيد بناء أجواء المجلس الذي ظل بعيداً عن الاهتمام الإعلامي مقارنة بما حظي به مجلس «حرافيش قصر النيل» في القاهرة.

وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من أنها تقدم محفوظ في حياته اليومية: علاقته بأصدقائه، طريقته في إدارة الحوار، عاداته خلال الإجازة، وصِلاته بالأشخاص الذين لم يكونوا بالضرورة أدباء أو مشاهير. ومن بين الأسماء التي تظهر في هذه الحكايات المحاسب سيد قناوي، الذي بدأت صداقته بمحفوظ في مقهى «ريش» عام 1969 قبل أن تنتقل صداقتهما إلى الإسكندرية.

ولا يعتمد المالحي على شهادات أفراد المجلس وحدهم، إذ يستعين كذلك بذاكرة المكان، بالمقاهي والمطاعم التي ارتادها محفوظ، وبباعة الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، وبشهادات كبار السن ممن عاصروا وجوده في المدينة.

وينتقل الكتاب في نصفه الثاني إلى شخصية تبدو نقيضاً كاملاً لذلك الرجل الجالس مع أصدقائه في حديقة سان استيفانو: الرقيب نجيب محفوظ، فالأديب الذي عُرف بتمرده الإبداعي وجرأته الأدبية كان في الوقت نفسه موظفاً حكومياً ملتزماً بالقواعد، وعمل في مجال المصنفات الفنية، حيث مارس مهمة الرقابة على الأعمال السينمائية.

يعتمد المالحي في هذا القسم على عدد من السيناريوهات التي تحمل ملاحظات محفوظ بوصفه رقيباً، بينها أعمال لمخرجين بارزين مثل صلاح أبو سيف وحسن الإمام. وتتحول هذه السيناريوهات إلى وثائق تكشف طبيعة عمل محفوظ داخل جهاز الرقابة، وتسمح بقراءة جانب مهني من حياته ظل أقل حضوراً من صورته كروائي وقاص.

وتكشف وثائق الرقابة أن محفوظ لم يكن يعيش حياته في منطقة واحدة، فقد كان صباحه مرتبطاً بالوظيفة واللوائح، بينما كان عالمه الآخر يتشكل من الكتابة والسينما والأصدقاء والمقاهي، وتجعل هذه الثنائية القسم الثاني مكملاً للقسم الأول، رغم اختلاف الموضوع: في الحالتين نحن أمام محفوظ خارج الصورة النمطية التي رسَّختها شهرته الأدبية.