أزمة أوكرانيا: ما الذي يحدث على الحدود مع روسيا؟

بوتين يسعى للحفاظ على «دائرة النفوذ»... وبريطانيا تحذّر من «مستنقع رهيب»

مدرعة روسية تتحرك على طول الطريق في شبه جزيرة القرم (أ.ب)
مدرعة روسية تتحرك على طول الطريق في شبه جزيرة القرم (أ.ب)
TT

أزمة أوكرانيا: ما الذي يحدث على الحدود مع روسيا؟

مدرعة روسية تتحرك على طول الطريق في شبه جزيرة القرم (أ.ب)
مدرعة روسية تتحرك على طول الطريق في شبه جزيرة القرم (أ.ب)

حذّرت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأن روسيا «ستدفع ثمناً باهظاً» إذا غزت أوكرانيا. في الوقت الذي تعد فيه التوترات بين روسيا والغرب هي الأسوأ منذ الحرب الباردة، حيث قالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس إن الغزو «لن يؤدي إلا إلى مستنقع رهيب وخسائر في الأرواح».
ويتمركز حالياً أكثر من 100 ألف جندي روسي في نقاط مختلفة على طول حدودها مع أوكرانيا، الجمهورية السوفياتية السابقة، فيما يصر الرئيس فلاديمير بوتين ومسؤولوه على أنهم يقومون فقط بتدريبات عسكرية، لكن المخاوف من حدوث غزو تصاعدت منذ أواخر العام الماضي عندما أظهرت صور عبر الأقمار الصناعية أن روسيا ترسل المزيد من المعدات والأفراد إلى حدود أوكرانيا.

فماذا يحدث على الحدود الروسية - الأوكرانية؟ ولماذا التوترات شديدة الارتفاع؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للغرب؟

كانت أوكرانيا جزءاً من الإمبراطورية الروسية لعدة قرون قبل أن تصبح جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وعندما تفكك الاتحاد السوفياتي مع نهاية الحرب الباردة في عام 1991، أصبحت أوكرانيا مستقلة.
وعلى الرغم من أن تاريخ أوكرانيا وروسيا المشترك يعني أن الاثنتين لا تزالان مرتبطين ثقافياً، إلا أن أوكرانيا سعت إلى النأي بنفسها عن روسيا في السنوات الأخيرة، وبدلاً من ذلك تتطلع كييف إلى الغرب للحصول على الدعم، فيما اعتبرت روسيا أن أوكرانيا «خسارة فادحة» لها.
ومع صعود فلاديمير بوتين إلى السلطة، سعى الكرملين إلى استعادة نفوذه والسيطرة على مناطقه السابقة، وبدأ هذا بمقاربة أكثر دقة في مطلع عام 2000، ولكن عندما تمت الإطاحة بمرشح بوتين المفضل في الانتخابات الأوكرانية لعام 2004 وهو فيكتور يانوكوفيتش وسط احتجاجات «الثورة البرتقالية» في كييف، بدأت الأمور تتغير، ومع صعود نجم مرشح المعارضة الموالية للغرب فيكتور يوشينكو، أصبح نهج بوتين أكثر «عدوانية».
وبلغت ذروة «العدوانية» الروسية بضم موسكو غير القانوني لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014.

وتمكن يانوكوفيتش من الوصول إلى السلطة بعد خمس سنوات من يوشينكو في عام 2010 وعمل لمدة أربع سنوات، لكن عندما رفض الرئيس المدعوم من الكرملين اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي لصالح تعزيز العلاقات مع موسكو، كانت هناك احتجاجات ضخمة وأُطيح به.
وكان رد روسيا هو ضم شبه جزيرة القرم وإعلانها مستقلة عن أوكرانيا.
كما أرسلت موسكو قوات إلى منطقتي دونيتسك ولوهانسك الأوكرانيين -وهي منطقة تُعرف باسم دونباس- لدعم المتمردين الذين كانوا يحاولون الانفصال عن البلاد. وأدى القتال في دونباس، بالقرب من الحدود الروسية، إلى مقتل أكثر من 14 ألف شخص منذ عام 2014، حسبما أشار تحليل لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية.

وفي محاولة لإنهاء الصراعات الكبرى، قادت فرنسا وألمانيا اتفاقية سلام بين الجانبين في عام 2015 لكنها فشلت في توحيد الجانبين سياسياً واستمرت التوترات على نطاق صغير منذ ذلك الحين.
في أوائل عام 2021 كانت هناك حوادث متزايدة لخرق وقف إطلاق النار لعام 2015، مما أثار مخاوف من اندلاع حرب، لكن في أبريل (نيسان)، سحبت موسكو معظم قواتها وخفّت حدة التوترات.
أين تتمركز القوات الآن؟
يوجد حالياً نحو 100 ألف جندي روسي متمركزين في نقاط مختلفة على طول الحدود الأوكرانية التي يبلغ طولها 1200 ميل.
وزعم مسؤولو المخابرات الأميركية الأسبوع الماضي أن روسيا تخطط لنشر ما يصل إلى 175 ألف جندي استعداداً لغزو محتمل قد يحدث في وقت مبكر من هذا العام.
ويتركز معظم الوجود العسكري الروسي على الحدود في المقاطعتين الشرقيتين الانفصاليتين دونيتسك ولوهانسك (دونباس) حيث يتمركز جنودها لدعم المتمردين الانفصاليين منذ عام 2014، كما كان هناك أيضاً وجود عسكري كبير في شمال أوكرانيا في مناطق مثل كلينتسي وييلنيا.
وكشفت صور عبر الأقمار الصناعية أيضاً عن نشاط عسكري روسي في مناطق شمال شرق الحدود الأوكرانية. وأظهرت صور الأقمار الصناعية من يلنيا، المتاخمة أيضاً لبيلاروسيا، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 أن روسيا تزيد من وجودها العسكري، الأمر الذي أثار مخاوف من اندلاع حرب، نظراً لموقعها الاستراتيجي بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف.

ولا يزال عشرات الآلاف من القوات الروسية متمركزين داخل أراضي شبه جزيرة القرم التي تم ضمها، حيث كشفت صور عبر الأقمار الصناعية عن عمليات انتشار كبيرة لقوات هناك في نوفمبر من العام الماضي. وأعرب مسؤولون أوكرانيون مراراً وتكراراً عن مخاوفهم بشأن الوجود الروسي على الحدود، بينما يصر الكرملين على أنه مجرد «تدريب عسكري».

ماذا تريد روسيا؟
بعد صعوده إلى السلطة في عام 2000، سعى فلاديمير بوتين إلى الحفاظ على «دائرة النفوذ» الروسية على أوكرانيا وبيلاروسيا، إذ ينظر الرئيس الروسي إلى أي هجوم على أي من الدولتين على أنه هجوم مباشر على السيادة الروسية.
وعدَّ التحليل أن بوتين يخشى أن يؤدي تورط الغرب في الدولتين، أوكرانيا وبيلاروسيا، إلى قيام ديمقراطية جديدة على أعتاب روسيا، مما دفع موسكو إلى إصدار «قائمة مطالب» من شأنها أن تقلل من النفوذ الغربي في المنطقة، منها ألا تصبح أوكرانيا أبداً عضواً في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وأن الطرفين ينهيان تحالفهما الأمني، وتقليص أعداد قوات «الناتو» في أوروبا الشرقية. ووصفت الولايات المتحدة وحلفاء غربيون آخرون مثل هذه المطالب بأنها «غير مشجعة وغير معقولة على الإطلاق».

وفي محاولة لتهدئة التوترات، شارك وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في محادثات الأزمة مع المسؤولين الروس، بمن فيهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، هذا الأسبوع، وحتى الآن، أشار الغرب إلى أنه سيكون على استعداد لمناقشات أكثر مرونة حول كيفية إجراء التدريبات العسكرية داخل المنطقة وموقع الصواريخ.

ماذا تريد أوكرانيا؟
تصر أوكرانيا على أن موسكو لا تستطيع التحكم فيما إذا كانت كييف تقترب من أن تصبح عضواً في «الناتو» أو التحالفات الغربية الأخرى، وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا تحاول زعزعة استقرار البلاد في محاولة للإطاحة به، محذراً من احتمال أي غزو عسكري محتمل من روسيا.
وعانت أوكرانيا من أزمة نقص في الطاقة في الشتاء، بعد أن فرضت روسيا عقوبات شديدة على واردات الوقود.

ما دور المملكة المتحدة في الصراع؟
نشرت المملكة المتحدة 2000 قاذفة صواريخ مضادة للدبابات و 30 من قوات النخبة للمساعدة في تدريب القوات المسلحة الأوكرانية في مواجهة غزو روسي جديد محتمل.
شوهدت طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني من طراز C - 17 وهي تحلّق ذهاباً وإياباً بين المملكة المتحدة وأوكرانيا منذ يوم الاثنين، وفقاً لبرنامج تتبع الرحلات الجوية.
وتمد المملكة المتحدة أوكرانيا بأسلحة تتمثل في أنظمة مضادة للدبابات للمساعدة في تدريب القوات المسلحة الأوكرانية في مواجهة أي غزو روسي محتمل، حيث شوهدت طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني من طراز «بوينغ سي - 17 غلوب ماستر 3»، وهي تحلق ذهاباً وإياباً بين المملكة المتحدة وأوكرانيا منذ يوم الاثنين، وفقاً لبرنامج تتبع الرحلات الجوية.

يتم نشر الأسلحة والأفراد كجزء من برنامج «أوروبيتال» وهو البرنامج التدريبي الخاص بالجيش الأوكراني من المملكة المتحدة الذي تم وضعه منذ عام 2015 بعد ضم شبه جزيرة القرم.
شدد وزير الدفاع بن والاس على أن الوجود العسكري البريطاني في أوكرانيا مخصص فقط «للدفاع عن النفس»، وقال هذا الأسبوع: «إنها ليست أسلحة استراتيجية ولا تشكل أي تهديد لروسيا. وستستخدم في الدفاع عن النفس وسيعود أفراد المملكة المتحدة الذين يقدمون التدريب في مرحلة مبكرة إلى المملكة المتحدة بعد إتمام البرنامج».

كيف يمكن أن تؤثر الأزمة على العلاقات مع الغرب؟
وعدّت الشبكة البريطانية «سكاي نيوز» أن النزاع الكامل بين روسيا وأوكرانيا سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الدولية، وسوف يعمّق الأعمال العدائية بين موسكو والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلف شمال الأطلسي والدول الغربية الأخرى بتحالف «الناتو».
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس، خلال زيارتها لأستراليا، «إن الغزو لن يؤدي إلا إلى مستنقع رهيب وخسائر في الأرواح، كما نعلم من الحرب السوفياتية الأفغانية والصراع في الشيشان. نحن سنواصل مع حلفائنا الوقوف إلى جانب أوكرانيا ونحثّ روسيا على وقف التصعيد والانخراط في مناقشات هادفة. ما يحدث في أوروبا الشرقية مهم للعالم».
وهدد الأمين العام لحلف «الناتو»، ينس ستولتنبرغ، روسيا في ديسمبر (كانون الأول) بفرض عقوبات اقتصادية و«قيود سياسية»، واصفاً خطر حدوث غزو وشيك لأوكرانيا بأنها «لحظة حاسمة للأمن الأوروبي» وأعرب عن دعمه المستمر لـ«الردع والدفاع والحوار المشترك».

* ماذا عن الولايات المتحدة؟
ومن جانبها، أعلن مسؤولون أمس (السبت) وصول شحنة من المساعدات العسكرية الأمريكية الجديدة إلى كييف، مما يضيف جانبا جديدا إلى الوضع المتوتر.
وهبطت طائرة شحن أمريكية في مطار بالعاصمة كييف خلال الليل، حسبما أعلنت السفارة الأمريكية هناك على تويتر أمس (السبت).
وكان على متن الطائرة 90 طنا "من المساعدات الفتاكة، بما في ذلك ذخيرة للمدافعين عن خط المواجهة في أوكرانيا". وكان الرئيس الأميركي جو بايدن قد أمر بهذا الدعم.
ونشرت السفارة صورا تظهر الطائرة فى إثناء تفريغ حمولتها. وأضاف أن هذه هي المرة الأولى من بين عدة شحنات.
وبعد دعوات من أوكرانيا للحلفاء الغربيين، أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول البلطيق إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، تشمل خصوصا صواريخ مضادة للطائرات والدبابات.

كان الرئيس بايدن صرح بأن روسيا سوف تدفع ثمنا باهظا حال غزت أوكرانيا، فيما أفاد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» أن بايدن لا يخطط للرد على أي غزو روسي آخر لأوكرانيا بإرسال قوات قتالية، وعدّت الوكالة أن بايدن يمكنه متابعة مجموعة من الخيارات العسكرية «الأقل دراماتيكية» بما في ذلك دعم المقاومة الأوكرانية بعد الغزو.
وعدّت «أسوشييتد برس» أن الأساس المنطقي لعدم انضمام الولايات المتحدة مباشرةً إلى حرب روسيا وأوكرانيا أن الولايات المتحدة ليست ملزمة بموجب معاهدة تجاه أوكرانيا، وستكون الحرب مع روسيا «مقامرة هائلة»، بالنظر إلى قدرتها على التوسع في أوروبا، وزعزعة استقرار المنطقة، والتصعيد إلى درجة مخيفة تتمثل في المخاطرة بوقوع تبادل نووي.
 



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended