«بربيري» تحول لوس أنجليس إلى مسرح بريطاني

«بربيري» تحول لوس أنجليس إلى مسرح بريطاني

الفرقة الملكية البريطانية الخاصة أضفت عراقة على عرض بوهيمي يجمع التقاليد بالحداثة
الخميس - 4 رجب 1436 هـ - 23 أبريل 2015 مـ

أن يسمح المشرفون في مرصد غريفيث باستعمال المبنى كخلفية لفعالية عامة، والموافقة على استعمال حديقته لنصب خيمة ضخمة تحتضن أول عرض أزياء في أراضيه، فهذا إنجاز بحد ذاته لكنه يبقى لا شيء مقارنة بمنح الملكة إليزابيث الثانية موافقتها بإرسال الفرقة الملكية البريطانية الخاصة بها إلى لوس أنجليس لمشاركة دار «بربيري» احتفالها بافتتاح أول محل رئيسي لها في «روديو درايف». حسب كريستوفر بايلي، مصمم الدار ورئيسها التنفيذي في الوقت ذاته، فإن العملية لم تكن سهلة، لكنه كان مصمما أن يأخذ معه قطعة من الثقافة البريطانية، لتعزيز عنوان الفعالية: «لندن في لوس أنجليس». اعترف أنه قام بعدة محاولات وزيارات لقصر باكنغهام لإقناعهم بأهمية المناسبة، ولم يرتَح إلا بعد أن حصل على الموافقة. كان مثل القطة التي حصلت على الكريمة وهو يشرح الخطوات التي تطلبتها عملية الحصول على موافقة قصر باكنغهام. والحقيقة أن شعوره بالزهو حق مشروع، بالنظر إلى الضجة التي أثارها في لوس أنجليس، التي تعودت على الاحتفالات الضخمة وبريق النجوم. هذه المرة كان السحر مختلفا بالنسبة لسكانها، لأنه كان يضج بعبق التاريخ ونكهة الثقافة البريطانية بكل تناقضاتها الفنية والاستعراضية، وهو ما تعمدته «بربيري»، فهي تعرف جيدا ضعف الأميركيين تجاه كل ما هو بريطاني، بدءا من التقاليد العريقة إلى اللكنة الإنجليزية وغيرها من الأمور، لهذا كانت تدرك تماما أن احتفالها بافتتاح محلها الرئيسي في «روديو درايف» يجب أن يعكس عراقتها كدار أزياء بريطانية من جهة، ويتوافق -إن لم يتفوق- على الإبهار الذي تعودت عليه لوس أنجليس وتعيش عليه، من جهة ثانية. ونجحت في تحقيق كل الأهداف: «إنها في الحقيقة فرصة لإحضار قطعة من الثقافة البريطانية إلى لوس أنجليس، بنكهة تضج بالعصرية والابتكار وبعبق التاريخ والتقاليد، وفي الوقت ذاته وسيلة لإثبات أن (بربيري) جزء من هذه الثقافة والتقاليد». هذا ما قاله كريستوفر بايلي، مضيفا: «أحببت جدا فكرة الفرقة الملكية البريطانية، والأعلام البريطانية ترفرف إلى جانب الأعلام الأميركية في مكان أيقوني، وهو نفس المكان الذي صور فيه فيلم (متمردون من دون قضية) لجيمس دين». ويبدو أن الفيلم أحد الأفلام المفضلة لدى المصمم، لأنه صرح بأنه لن يغادر المكان من دون أن يلتقط صورة له مع تمثال الممثل الراحل جيمس دين.

بدا مصمم الدار ورئيسها التنفيذي سعيدا ومنطلقا وهو يتنقل بين الضيوف ويحادثهم بعفوية، وكأن حملا كبيرا انزاح من فوق كتفيه. فالآمال المعقودة على هذه الفعالية كانت كبيرة، ولحسن الحظ أنها لم تخيّب الآمال، فهو لم يستكن إلى الأناقة والعراقة فحسب، بل استعان بباقة من النجوم البريطانيين، من أمثال الكوميدي جيمس كوردن، مقدم برنامج «ذي لايت شو» حاليا، والمغني إلتون جون، والممثلة كايت بيكنسايل، وعائلة بيكام ممثلة بكل أفرادها، بمن فيهم هاربر ذات السنوات الثلاث، التي خطفت الأضواء وهي تجلس على حجر والدها، بفستان من «بربيري» بلون بيج دون أكمام، لإضفاء الثقل عليها.

وطبعا كانت مفاجأة الحفل الفرقة الملكية البريطانية، التي قدمت وصلة موسيقية رائعة أرسلت قشعريرة في الأجسام وصيحات الإعجاب من كل الحضور، بمن فيهم البريطانيون، فقد انتابتهم فورة من الوطنية، أشعرتهم بالفخر والاعتزاز وهم يرون حجم الانبهار على وجوه الحضور الأميركي، الذين تسابقوا دون تحفظ، لالتقاط صور مع أفراد الفرقة، وهم لا يصدقون أنهم أمام فرقة الملكة الخاصة. الممثلة جانيري جونز، مثلا، كانت تلتقط الصور الـ«سيلفي» معهم وهي تسأل بصوت عالٍ: «هل هم بالفعل الحراس الذين نراهم خارج قصر باكنغهام وليسوا مجرد فرقة استعراضية؟». كانت الإجابة تأتي من أفراد الفرقة، مؤكدين أنهم أنفسهم لا يصدقون أنهم في لوس أنجليس. كانوا في غاية الاستمتاع بالاهتمام والإعجاب الذي غُمروا به من قبل النجمات والعارضات اللواتي كن يستعرن قبعاتهم لالتقاط صور خاصة.

كان كل شيء في تلك الليلة سرياليا وساحرا، لكنه أيضا كان منظما وكأنه عملية عسكرية، من الإخراج والموسيقى إلى المكان نفسه وجيش من العاملين يوجهون السيارات إلى أماكن معينة للتخفيف من الازدحام والإبقاء على الطريق مفتوحا. ومما لا شك فيه أن اختيار مرصد غريفيث كمكان وخلفية للمناسبة كان «ضربة معلم»، في زمن لم يعد فيه التحفظ في اختيار الأماكن والديكورات، بحجة التركيز على الأزياء، يؤدي المهمة المطلوبة، المتمثلة في شد الأنظار واستقطاب زبائن جدد من أسواق عالمية متعطشة للجديد والباهر. والدليل أن إخراج العروض يزيد سريالية الديكورات تعقيدا، ما حول عروض الأزياء في السنوات الأخيرة إلى مسرحيات محبوكة من كل الجوانب. بالنسبة إلى «بربيري» فإنها لم تبالغ واكتفت ببريطانيتها كسلاح، لأنه مكمن قوتها، وهو ما أعطى ثماره يوم الخميس الماضي.

أما أكثر ما أقنعتنا به في تلك الليلة فهو أنه حتى أكثر البيوت معانقة للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تعرف أنه لا بديل يُعوض التجربة الشخصية ومتعتها، مهما تطورت وسائل البث المباشر على المواقع الإلكترونية، سواء تعلق الأمر بعرض أزياء أو حفل توزيع جوائز. فالتفاعل بين النجوم والحضور كان حميميا ودافئا، متجردا من البروتوكول الذي تشهده مثل هذه المناسبات بسبب الحراس الشخصيين. باستثناء طائرات هيلكوبتر، كانت تُحلق وتحوم حول المكان لتصوير الفعالية، ومرصد غريفيث الشامخ بقببه التي تطل على كل لوس أنجليس من فوق، لم يكن هنا أي دليل يشي بأنه حفل متميز وخاص بـ700 ضيف فقط من كل أنحاء العالم.

ورغم أهمية الفعالية وما تخللها من عروض موسيقية واستعراضية، لا يمكننا أن ننسى أن «بربيري» دار أزياء أولا وأخيرا، لهذا كان من الطبيعي أن تتضمن المناسبة عرض أزياء، تستعرض فيه فنيتها وقوتها العالمية، وإن كانت الأزياء مجرد جزء من كل، لزيادة البهارات والإبهار على المناسبة. فمعظم القطع تم عرضها في أسبوع لندن لخريف 2015 وشتاء 2016 ما عدا مجموعة تم عرضها في الأخير، ستتوفر في المحل الجديد بـ«روديو درايف»، المكون من 4 طوابق وعلى مساحة شاسعة.

افتتحت العارضة جوردان دون العرض، واختتمته ناعومي كامبل، أو هذا ما توقعه الجميع، إلى أن ظهرت الفرقة الموسيقية الملكية فجأة وهي تدق الطبول والمزامير، وخلفها الكوميدي جيمس كوردن، وهو يُقلد مشية العارضات، منتزعا ضحكة عريضة وقهقهة غير مسموعة بسبب الموسيقى من المرأة الجليدية، أنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الأميركية. بعد العرض، اعترف الكوميدي أنه تلقى دروسا في طريقة المشي، من ناعومي كامبل في اليوم السابق، لأنها كانت ضيفة برنامجه.

الجميل في العرض أن كل ما في التشكيلة بدا طبيعيا ومناسبا لأجواء لوس أنجليس المشمسة، رغم أنها موجهة أساسا للخريف والشتاء. الفضل يعود إلى انسيابيتها وأقمشتها التي تمزج الشفاف بالسميك في كثير من الفساتين، إضافة إلى البُنشات المطبوعة بنقشات إثنية وتطريزات تقليدية مستوحاة من تقاليد إنجليزية بحتة، تشتهر بها منطقة ديرهام. كانت هناك أيضا إيحاءات من الفترة التي عاش فيها مغني الروك مارك بولان، ألا وهي حقبة السبعينات وما تميزت به من بوهيمية وانطلاق لمعانقة ثقافات بعيدة. كل هذا تجسد في فساتين مناسبة وطويلة ونقشات تشبه الـ«باتشوورك» والدانتيل وقطع مرايا صغيرة رصعت بعض القطع. تجسدت أيضا في البُنشات ومعاطف من الشامواه بأهداب تتدلى منها وامتدت إلى الأحذية وحقائب اليد.

المجموعة الأخيرة التي اختتم بها العرض كانت الوحيدة التي لم تُعرض في أسبوع لندن، لأن كريستوفر بايلي خص بها محله الجديد بـ«روديو درايف»، الأمر الذي يفسر أنها موجهة للمساء والسهرة. فهي طويلة من التول ومطبوعة بالورود، لكن دائما بتلك اللمسة البوهيمية التي كانت بمثابة الرابط الذي لحم كل ما في التشكيلة ببعض وجعلها تتراقص برومانسية وأنوثة على نغمات موسيقى حية بصوت كل من جورج إزرا، توم أوديل، بنجامين كليمونتين وكلير ماغواير.

خلاصة الأمر، كانت ليلة لا تنسى حققت كل ما استهدفته «بربيري» بدءا من تسليط الضوء على الموضة والموسيقى والتقاليد العريقة والتكنولوجيا العصرية، هذا ما قاله كريستوفر بايلي وعاينه الحضور في ليلة لم يكن فيها القمر بدرا لكنه كان متوهجا لم يستدعِ استعمال تليسكوب من مرصد غريفيث، للاستمتاع بضوئه الخافت المطبوع ببعض الحمرة.

لا بد من التذكير هنا أن الدار افتتحت أكبر محل لها في الشرق الأوسط مؤخرا في «دبي مول»، وهناك نية قوية بتوسيع نشاطاتها في المنطقة. وإذا كانت «لندن في لوس أنجليس» هي مقياس المستوى الذي باتت تتعامل به مع أسواقها المهمة، فإن «لندن في الشرق الأوسط» أو «لندن في دبي» لن تقل إثارة أو متعة عندما يتقرر تاريخها.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو