«بربيري» تحول لوس أنجليس إلى مسرح بريطاني

الفرقة الملكية البريطانية الخاصة أضفت عراقة على عرض بوهيمي يجمع التقاليد بالحداثة

(من اليمين الى اليسار) لقطة من العرض، الفرقة الملكية البريطانية كانت أجمل مفاجأة في العرض، المصمم كريستوفر بايلي مع الكوميدي جيمس كوردن والعارضتين ناعومي كامبل وجوردان دان في نهاية العرض، مجموعة فساتين خاصة بمحل الدار بـ{روديو درايف}
(من اليمين الى اليسار) لقطة من العرض، الفرقة الملكية البريطانية كانت أجمل مفاجأة في العرض، المصمم كريستوفر بايلي مع الكوميدي جيمس كوردن والعارضتين ناعومي كامبل وجوردان دان في نهاية العرض، مجموعة فساتين خاصة بمحل الدار بـ{روديو درايف}
TT

«بربيري» تحول لوس أنجليس إلى مسرح بريطاني

(من اليمين الى اليسار) لقطة من العرض، الفرقة الملكية البريطانية كانت أجمل مفاجأة في العرض، المصمم كريستوفر بايلي مع الكوميدي جيمس كوردن والعارضتين ناعومي كامبل وجوردان دان في نهاية العرض، مجموعة فساتين خاصة بمحل الدار بـ{روديو درايف}
(من اليمين الى اليسار) لقطة من العرض، الفرقة الملكية البريطانية كانت أجمل مفاجأة في العرض، المصمم كريستوفر بايلي مع الكوميدي جيمس كوردن والعارضتين ناعومي كامبل وجوردان دان في نهاية العرض، مجموعة فساتين خاصة بمحل الدار بـ{روديو درايف}

أن يسمح المشرفون في مرصد غريفيث باستعمال المبنى كخلفية لفعالية عامة، والموافقة على استعمال حديقته لنصب خيمة ضخمة تحتضن أول عرض أزياء في أراضيه، فهذا إنجاز بحد ذاته لكنه يبقى لا شيء مقارنة بمنح الملكة إليزابيث الثانية موافقتها بإرسال الفرقة الملكية البريطانية الخاصة بها إلى لوس أنجليس لمشاركة دار «بربيري» احتفالها بافتتاح أول محل رئيسي لها في «روديو درايف». حسب كريستوفر بايلي، مصمم الدار ورئيسها التنفيذي في الوقت ذاته، فإن العملية لم تكن سهلة، لكنه كان مصمما أن يأخذ معه قطعة من الثقافة البريطانية، لتعزيز عنوان الفعالية: «لندن في لوس أنجليس». اعترف أنه قام بعدة محاولات وزيارات لقصر باكنغهام لإقناعهم بأهمية المناسبة، ولم يرتَح إلا بعد أن حصل على الموافقة. كان مثل القطة التي حصلت على الكريمة وهو يشرح الخطوات التي تطلبتها عملية الحصول على موافقة قصر باكنغهام. والحقيقة أن شعوره بالزهو حق مشروع، بالنظر إلى الضجة التي أثارها في لوس أنجليس، التي تعودت على الاحتفالات الضخمة وبريق النجوم. هذه المرة كان السحر مختلفا بالنسبة لسكانها، لأنه كان يضج بعبق التاريخ ونكهة الثقافة البريطانية بكل تناقضاتها الفنية والاستعراضية، وهو ما تعمدته «بربيري»، فهي تعرف جيدا ضعف الأميركيين تجاه كل ما هو بريطاني، بدءا من التقاليد العريقة إلى اللكنة الإنجليزية وغيرها من الأمور، لهذا كانت تدرك تماما أن احتفالها بافتتاح محلها الرئيسي في «روديو درايف» يجب أن يعكس عراقتها كدار أزياء بريطانية من جهة، ويتوافق -إن لم يتفوق- على الإبهار الذي تعودت عليه لوس أنجليس وتعيش عليه، من جهة ثانية. ونجحت في تحقيق كل الأهداف: «إنها في الحقيقة فرصة لإحضار قطعة من الثقافة البريطانية إلى لوس أنجليس، بنكهة تضج بالعصرية والابتكار وبعبق التاريخ والتقاليد، وفي الوقت ذاته وسيلة لإثبات أن (بربيري) جزء من هذه الثقافة والتقاليد». هذا ما قاله كريستوفر بايلي، مضيفا: «أحببت جدا فكرة الفرقة الملكية البريطانية، والأعلام البريطانية ترفرف إلى جانب الأعلام الأميركية في مكان أيقوني، وهو نفس المكان الذي صور فيه فيلم (متمردون من دون قضية) لجيمس دين». ويبدو أن الفيلم أحد الأفلام المفضلة لدى المصمم، لأنه صرح بأنه لن يغادر المكان من دون أن يلتقط صورة له مع تمثال الممثل الراحل جيمس دين.
بدا مصمم الدار ورئيسها التنفيذي سعيدا ومنطلقا وهو يتنقل بين الضيوف ويحادثهم بعفوية، وكأن حملا كبيرا انزاح من فوق كتفيه. فالآمال المعقودة على هذه الفعالية كانت كبيرة، ولحسن الحظ أنها لم تخيّب الآمال، فهو لم يستكن إلى الأناقة والعراقة فحسب، بل استعان بباقة من النجوم البريطانيين، من أمثال الكوميدي جيمس كوردن، مقدم برنامج «ذي لايت شو» حاليا، والمغني إلتون جون، والممثلة كايت بيكنسايل، وعائلة بيكام ممثلة بكل أفرادها، بمن فيهم هاربر ذات السنوات الثلاث، التي خطفت الأضواء وهي تجلس على حجر والدها، بفستان من «بربيري» بلون بيج دون أكمام، لإضفاء الثقل عليها.
وطبعا كانت مفاجأة الحفل الفرقة الملكية البريطانية، التي قدمت وصلة موسيقية رائعة أرسلت قشعريرة في الأجسام وصيحات الإعجاب من كل الحضور، بمن فيهم البريطانيون، فقد انتابتهم فورة من الوطنية، أشعرتهم بالفخر والاعتزاز وهم يرون حجم الانبهار على وجوه الحضور الأميركي، الذين تسابقوا دون تحفظ، لالتقاط صور مع أفراد الفرقة، وهم لا يصدقون أنهم أمام فرقة الملكة الخاصة. الممثلة جانيري جونز، مثلا، كانت تلتقط الصور الـ«سيلفي» معهم وهي تسأل بصوت عالٍ: «هل هم بالفعل الحراس الذين نراهم خارج قصر باكنغهام وليسوا مجرد فرقة استعراضية؟». كانت الإجابة تأتي من أفراد الفرقة، مؤكدين أنهم أنفسهم لا يصدقون أنهم في لوس أنجليس. كانوا في غاية الاستمتاع بالاهتمام والإعجاب الذي غُمروا به من قبل النجمات والعارضات اللواتي كن يستعرن قبعاتهم لالتقاط صور خاصة.
كان كل شيء في تلك الليلة سرياليا وساحرا، لكنه أيضا كان منظما وكأنه عملية عسكرية، من الإخراج والموسيقى إلى المكان نفسه وجيش من العاملين يوجهون السيارات إلى أماكن معينة للتخفيف من الازدحام والإبقاء على الطريق مفتوحا. ومما لا شك فيه أن اختيار مرصد غريفيث كمكان وخلفية للمناسبة كان «ضربة معلم»، في زمن لم يعد فيه التحفظ في اختيار الأماكن والديكورات، بحجة التركيز على الأزياء، يؤدي المهمة المطلوبة، المتمثلة في شد الأنظار واستقطاب زبائن جدد من أسواق عالمية متعطشة للجديد والباهر. والدليل أن إخراج العروض يزيد سريالية الديكورات تعقيدا، ما حول عروض الأزياء في السنوات الأخيرة إلى مسرحيات محبوكة من كل الجوانب. بالنسبة إلى «بربيري» فإنها لم تبالغ واكتفت ببريطانيتها كسلاح، لأنه مكمن قوتها، وهو ما أعطى ثماره يوم الخميس الماضي.
أما أكثر ما أقنعتنا به في تلك الليلة فهو أنه حتى أكثر البيوت معانقة للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تعرف أنه لا بديل يُعوض التجربة الشخصية ومتعتها، مهما تطورت وسائل البث المباشر على المواقع الإلكترونية، سواء تعلق الأمر بعرض أزياء أو حفل توزيع جوائز. فالتفاعل بين النجوم والحضور كان حميميا ودافئا، متجردا من البروتوكول الذي تشهده مثل هذه المناسبات بسبب الحراس الشخصيين. باستثناء طائرات هيلكوبتر، كانت تُحلق وتحوم حول المكان لتصوير الفعالية، ومرصد غريفيث الشامخ بقببه التي تطل على كل لوس أنجليس من فوق، لم يكن هنا أي دليل يشي بأنه حفل متميز وخاص بـ700 ضيف فقط من كل أنحاء العالم.
ورغم أهمية الفعالية وما تخللها من عروض موسيقية واستعراضية، لا يمكننا أن ننسى أن «بربيري» دار أزياء أولا وأخيرا، لهذا كان من الطبيعي أن تتضمن المناسبة عرض أزياء، تستعرض فيه فنيتها وقوتها العالمية، وإن كانت الأزياء مجرد جزء من كل، لزيادة البهارات والإبهار على المناسبة. فمعظم القطع تم عرضها في أسبوع لندن لخريف 2015 وشتاء 2016 ما عدا مجموعة تم عرضها في الأخير، ستتوفر في المحل الجديد بـ«روديو درايف»، المكون من 4 طوابق وعلى مساحة شاسعة.
افتتحت العارضة جوردان دون العرض، واختتمته ناعومي كامبل، أو هذا ما توقعه الجميع، إلى أن ظهرت الفرقة الموسيقية الملكية فجأة وهي تدق الطبول والمزامير، وخلفها الكوميدي جيمس كوردن، وهو يُقلد مشية العارضات، منتزعا ضحكة عريضة وقهقهة غير مسموعة بسبب الموسيقى من المرأة الجليدية، أنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الأميركية. بعد العرض، اعترف الكوميدي أنه تلقى دروسا في طريقة المشي، من ناعومي كامبل في اليوم السابق، لأنها كانت ضيفة برنامجه.
الجميل في العرض أن كل ما في التشكيلة بدا طبيعيا ومناسبا لأجواء لوس أنجليس المشمسة، رغم أنها موجهة أساسا للخريف والشتاء. الفضل يعود إلى انسيابيتها وأقمشتها التي تمزج الشفاف بالسميك في كثير من الفساتين، إضافة إلى البُنشات المطبوعة بنقشات إثنية وتطريزات تقليدية مستوحاة من تقاليد إنجليزية بحتة، تشتهر بها منطقة ديرهام. كانت هناك أيضا إيحاءات من الفترة التي عاش فيها مغني الروك مارك بولان، ألا وهي حقبة السبعينات وما تميزت به من بوهيمية وانطلاق لمعانقة ثقافات بعيدة. كل هذا تجسد في فساتين مناسبة وطويلة ونقشات تشبه الـ«باتشوورك» والدانتيل وقطع مرايا صغيرة رصعت بعض القطع. تجسدت أيضا في البُنشات ومعاطف من الشامواه بأهداب تتدلى منها وامتدت إلى الأحذية وحقائب اليد.
المجموعة الأخيرة التي اختتم بها العرض كانت الوحيدة التي لم تُعرض في أسبوع لندن، لأن كريستوفر بايلي خص بها محله الجديد بـ«روديو درايف»، الأمر الذي يفسر أنها موجهة للمساء والسهرة. فهي طويلة من التول ومطبوعة بالورود، لكن دائما بتلك اللمسة البوهيمية التي كانت بمثابة الرابط الذي لحم كل ما في التشكيلة ببعض وجعلها تتراقص برومانسية وأنوثة على نغمات موسيقى حية بصوت كل من جورج إزرا، توم أوديل، بنجامين كليمونتين وكلير ماغواير.
خلاصة الأمر، كانت ليلة لا تنسى حققت كل ما استهدفته «بربيري» بدءا من تسليط الضوء على الموضة والموسيقى والتقاليد العريقة والتكنولوجيا العصرية، هذا ما قاله كريستوفر بايلي وعاينه الحضور في ليلة لم يكن فيها القمر بدرا لكنه كان متوهجا لم يستدعِ استعمال تليسكوب من مرصد غريفيث، للاستمتاع بضوئه الخافت المطبوع ببعض الحمرة.
لا بد من التذكير هنا أن الدار افتتحت أكبر محل لها في الشرق الأوسط مؤخرا في «دبي مول»، وهناك نية قوية بتوسيع نشاطاتها في المنطقة. وإذا كانت «لندن في لوس أنجليس» هي مقياس المستوى الذي باتت تتعامل به مع أسواقها المهمة، فإن «لندن في الشرق الأوسط» أو «لندن في دبي» لن تقل إثارة أو متعة عندما يتقرر تاريخها.



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.