الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

في ظل منافسات كبيرة على النفوذ بين الدول الكبرى

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين
TT

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

الهند تنفتح على جمهوريات آسيا الوسطى... وعينها على الصين

بعد سنوات من الإهمال وعدم الاهتمام، تحتضن الهند بحرارة اجتماعاً يضم خمس دول في آسيا الوسطى. وبعد أن عقدت سلسلة من المحادثات رفيعة المستوى معهم منذ استيلاء حركة «طالبان» على أفغانستان، وفي إطار تحركات الهند الدبلوماسية، وجّهت نيودلهي الدعوة إلى قادة دول آسيا الوسطى الخمس – طاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان وقيرغيزستان - للمشاركة في احتفالات يوم الجمهورية المصادف الأربعاء المقبل 26 يناير (كانون الثاني).
تعد هذه المرة الأولى التي يشارك فيها ممثلون عن جميع دول آسيا الوسطى ضيوفاً في هذه المناسبة، والمرة الثانية التي يجري خلالها توجيه الدعوة إلى العديد من الدول معاً بعد عام 2018 عندما جرى توجيه الدعوة إلى دول مجموعة «آسيان».
وإذا ما سمحت الظروف في ظل جائحة فيروس «كوفيد - 19»، من المقرر مشاركة كل من رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، ورئيس أوزبكستان، شوكت ميرزيوييف، ورئيس طاجكستان، إمام علي رحمون، ورئيس تركمانستان، قربانقولي بيردي محمدوف، ورئيس قيرغيزستان، صدير جاباروف، في الاحتفال الهندي باعتبارهم من بين كبار الضيوف المدعوين في يوم الجمهورية. ومن المقرر أن يشهد الاحتفال كذلك أول قمة بين الهند ودول آسيا الوسطى في إطار احتفال الجانبين بالذكرى الثلاثين لتدشين العلاقات الدبلوماسية بينهم.
ويرى البعض، أن هذه الخطوة جاءت في الوقت المناسب، وتسعى من خلالها الهند إلى نفض غبار سنوات من الإهمال واللامبالاة، وتطمح إلى العودة إلى مقدمة مراكز الوعي في آسيا الوسطى. والملاحظ، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، كثّفت الهند تعاونها واتصالاتها مع دول آسيا الوسطى، لا سيما منذ استيلاء «طالبان» على مقاليد السلطة في أفغانستان، وهو ما حوّل منطقة آسيا الوسطى إلى ساحة جيوسياسية تتكشف فيها منافسات كبيرة على النفوذ. في هذا الإطار، تعدّ روسيا لاعباً مهماً، في الوقت الذي يبدو النفوذ الصيني راسخاً بقوة من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، بينما تنافس الولايات المتحدة، التي انسحبت من أفغانستان، بقوة لإيجاد مساحة لها.
من ناحيتها، تدرك الهند جيداً أن الاستفادة من النفوذ في كابل وحصاد هذا التأثير في شكل مكاسب مادية، يستلزم وجود قاعدة ثابتة لها في آسيا الوسطى، وهو أمر يعد بمثابة شرط أساسي في هذا الصدد، حسبما ذكرت الكاتبة سيما جوها.
جدير بالذكر هنا، أن الهند سبق لها عقد حوارين وحافظت على قنوات اتصال منتظمة مع دول آسيا الوسطى من خلال منتديات مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في الهند. ورغم ذلك ما زال دور الهند ضعيفاً على مستوى المنطقة، مقارنة بروسيا والصين وتركيا وإيران وغيرها.
- الحوار بين الهند ودول وسط آسيا
في وقت سابق من ديسمبر (كانون الأول) 2021، عُقدت النسخة الثالثة من اجتماع لحوار الهند وآسيا الوسطى في دلهي. وخلال الاجتماع، التقى وزير الشؤون الخارجية الهندي د. إس. جايشانكار نظراءه الخمسة من دول وسط آسيا. وركزت المحادثات على الوضع في أفغانستان، وأزمة جائحة «كوفيد ـ 19»، وأهمية التواصل بين الدول المشاركة. بجانب ذلك، التقى وزراء الخارجية الخمسة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي سبقت له زيارة جميع دول آسيا الوسطى عام 2015 ووصفها بأنها تشكل الجوار الممتد للهند، وهنأ الدول التي زارها بمناسبة مرور 30 عاماً على إقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين بلاده. أما جايشانكار، فقد زار دول آسيا الوسطى ثلاث مرات منذ اندلاع الأزمة الأخيرة في أفغانستان.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن أول حوار بين الهند ودول وسط آسيا عُقد في مدينة سمرقند التاريخية بأوزبكستان، في يناير 2019. وعكس هذا الحدث رغبةً من جانب جميع دول وسط آسيا لتعزيز اتصالاتهم مع الهند. وبالفعل، بدأت العديد من المبادرات المقدمة خلال القمة الأولى، التي استضافتها سمرقند، تؤتي ثمارها، بما في ذلك تشكيل مجلس أعمال الهند وآسيا الوسطى.
كما قدمت الهند خط ائتمان بقيمة مليار دولار وجّهته لمشروعات التنمية ذات الأولوية في مجالات الطاقة، والرعاية الصحية، والاتصال، وتكنولوجيا المعلومات، والزراعة، والتعليم، وما إلى ذلك. ومهّد الحوار الثالث الطريق لتكثيف العلاقات الثنائية بين الهند من ناحية وكل من دول آسيا الوسطى من ناحية أخرى.
من جهتهم، أعلن وزراء الخارجية في بيان مشترك، أنهم ناقشوا «الوضع الحالي في أفغانستان وتأثيره على المنطقة». وشدد البيان على الدعم القوي لأفغانستان كي تنعم بالسلام والأمن والاستقرار، مع التأكيد على احترام سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك إعادة التأكيد على أهمية قرار مجلس الأمن رقم 2593 (2021)، الذي «يطالب بشكل قاطع بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لإيواء (الجماعات) الإرهابية أو تدريبها أو التخطيط لها أو تمويلها»، ودعا إلى اتخاذ إجراءات متضافرة ضد جميع الجماعات الإرهابية.
وفي سياق متصل، شارك مستشارو الأمن القومي من كازاخستان، وطاجيكستان، وقيرغيزستان وتركمانستان في الاجتماع الإقليمي الذي استضافته الهند في نوفمبر (تشرين الثاني) حول الوضع في أفغانستان، وذلك بمشاركة ممثلين عن وكالات الأمن الوطني في روسيا وإيران. وفي اليوم ذاته، استضافت إسلام آباد مبعوثين من الولايات المتحدة والصين وروسيا لمناقشة الوضع في أفغانستان.
وعن ذلك، قال الكاتب سارانش ميشرا «موقع آسيا الوسطى في قلب أوراسيا، وقربها الجغرافي وروابطها التاريخية يجعل المنطقة ذات صلة وثيقة بمصالح الهند الاستراتيجية. والمعروف أن السياسة الخارجية للهند كانت مركّزة بشكل أكبر حول القوى الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، وركزت على التعامل مع التحديات الناشئة عن الصين وباكستان. وعليه، تعرضت منطقة آسيا الوسطى للتهميش. وما زالت الطريق طويلة أمامنا بالتأكيد قبل أن يجري تصنيف الهند كواحدة من العناصر الفاعلة في آسيا الوسطى. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن الهند تسير اليوم على المسار الصحيح، ومن شأن استغلال مثل هذه التفاعلات الدبلوماسية المتكررة ببراعة أن يمكن من بزوغ فجر جديد في تاريخ العلاقات بين الهند وآسيا الوسطى».
- الورقة البيضاء بين الهند وروسيا حول آسيا الوسطى
لا تخلو الجهود الحثيثة الحالية من جانب الهند من بعض المباركة الروسية، كما يقول مسؤولون في نيودلهي. ويأمل الهنود بأن تعمل روسيا معهم لكبح جماح وجود بكين غير الضروري في منطقة آسيا الوسطى، خاصة بعدما وضعت الصين عينيها على المنطقة الغنية بالطاقة، والتي تقع كذلك على الحدود مع أفغانستان.
وتبدو روسيا، كما تقول مصادر في نيودلهي، «أكثر من حريصة» على العمل مع الهند في منطقة آسيا الوسطى الغنية بالطاقة وذات الأهمية الاستراتيجية.
وكشفت مصادر رفيعة المستوى، عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى دلهي سمع من القيادة الهندية أنها تشعر بالقلق حيال تنامي نفوذ الصين. ويُعتقد أن الجانب الهندي حاول إقناع الروس بوجهة نظرهم في خصوص «السياسات العدوانية» التي تنهجها بكين.
اللافت، أن الهند وروسيا تبادلتا الأفكار حول زيادة المشاركة الثنائية واستكشاف مشروعات مشتركة في آسيا الوسطى وهي منطقة وصفها رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأنها جزء من الجوار الممتد للهند.
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الدول الخمس كانت في وقت مضى جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وما زال لروسيا تأثير كبير عليها حتى اليوم.
وكشفت مصادر، عن أن الورقة البيضاء الموقّعة بين الهند وروسيا تتناول مشروعات دفاعية مشتركة في آسيا الوسطى (كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان وأوزبكستان) من خلال مصانع الدفاع القائمة بالفعل التي تعود إلى الحقبة السوفياتية في بعض جمهوريات المنطقة، في وقت تسعى الهند إلى أن تكون دولة مصدّرة بمجال الصناعات الدفاعية. يذكر، أن دول آسيا الوسطى ما زالت تعتمد على المعدات الدفاعية روسية الصنع.
وتحتوي الورقة البيضاء، وهي وثيقة غير رسمية، كذلك على اقتراحات بشأن الإنتاج الدفاعي الهندي ـ الروسي المشترك في بعض جمهوريات آسيا الوسطى لتلبية الطلب المحلي، بالإضافة إلى طلب الهند. ويأتي توقيع هذه الورقة في الوقت الذي دعت روسيا لتعزيز المشاركة الهندية في الشرق الأقصى، خاصة فيما يتعلق بالقوى العاملة الهندية.
في هذا الإطار، قال بي ستوبدان، الخبير في شؤون آسيا الوسطى وسفير الهند السابق لدى قيرغيزستان «إنه إنجاز دبلوماسي كبير للهند أن تبدي روسيا، التي تتمتع بعلاقات وثيقة مع الصين في الوقت الحالي، استعدادها للعمل مع الهند لمواجهة الصين. وبمجرد أن تبدأ روسيا والهند مشاركة أكثر فاعلية في الدفاع والأنشطة البناءة الأخرى، ناهيك عن التدريبات العسكرية في دول آسيا الوسطى، سيأتي ذلك بمثابة انتكاسة كبيرة لطموح الصين الكبير لتعزيز وجودها في المنطقة. ومع تنفيذ روسيا مشروعات تنموية في أقصى شرقها، كان شريكها المفضل في هذه الجهود الهند، وليس الصين المجاورة. جدير بالذكر، أن هذه المنطقة الروسية تقع على الحدود مع الصين وتتميز بوفرة الموارد».
وأضاف «ثمة خطط جارية لربط فلاديفوستوك مع تشيناي، وهي نتاج رئيسي لزيارة رئيس الوزراء مودي عام 2018 للمدينة لحضور القمة السنوية بين الهند وروسيا. علاوة على ذلك، فإن قرار دلهي بدعوة قادة آسيا للقدوم إليها لا ينبغي مطلقاً النظر إليه باعتباره حدثاً قائماً بذاته. كانت هناك مؤشرات عابرة عن انتهاج خط جديد في التفكير خلال زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الأخيرة إلى دلهي. الواضح أن محادثات بوتين الفردية مع مودي بعثت الحياة في التفكير الجديد بشأن الأمن الإقليمي. من جانبه، يدرك بوتين أن الصينيين كانوا يسيطرون على هذا الفضاء منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، واللافت أنه لا ينفر من التعامل مع قوة ثالثة، مثل الهند، التي تسعى لاستعادة النفوذ. في الواقع، ربما يكون من مصلحة بوتين تقليص قوة الصين داخل المنطقة».
- الهند وآسيا الوسطى: العلاقات والتحديات
تشترك الهند وآسيا الوسطى في تاريخ طويل يمتد إلى 2500 عام. على الصعيد السياسي، يتضمن هذا التاريخ إمبراطورية كوشان، التي امتدت عبر أراضي آسيا الوسطى والهند الحديثة، وغزو المغول للهند أوائل القرن السادس عشر. من الناحية الاقتصادية، اضطلعت مدن آسيا الوسطى الكبرى ـ مثل فرغانة وسمرقند وبخارى - بدور بارز في طريق الحرير الذي يربط الهند بالصين وأوروبا، علاوة على دور التجار الهنود المقيمين في المنطقة الذين شكّلوا جزءاً لا يتجزأ من الاقتصادات المحلية. وعلاوة على الروابط الاقتصادية القوية، ازدهر التبادل الثقافي بين المنطقتين، وتضمن ذلك انتشار البوذية من الهند إلى آسيا الوسطى وما وراءها، والصوفية من آسيا الوسطى إلى داخل الهند.
ومع انحسار طريق الحرير، وبزوغ فجر «عصر الكشوفات الجغرافية» الأوروبي وكذلك توسع الإمبراطوريتين الروسية والصينية في آسيا الوسطى، تلاشت المنطقة من مخيلة الهند الاستراتيجية. وبعد استقلال الهند، أصبحت العلاقات الهندية السوفياتية قوية وزار القادة الهنود منطقة آسيا الوسطى، في وقت كانت المنطقة لا تزال جزءاً من الاتحاد السوفياتي.
وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي وقيام جمهوريات مستقلة في آسيا الوسطى، حاولت الهند جاهدة التواصل مع الجمهوريات السوفياتية السابقة، لكن الاتصال كان ولا يزال يمثل مشكلة رئيسية. وفي الوقت الذي كانت أفغانستان تكابد حرباً أهلية، ترحب باكستان باستخدام الهند أراضيها للتجارة مع آسيا الوسطى. أما الصين، فقد استفادت من الموقف وكشفت عن مبادرة الحزام والطريق التي حظيت باهتمام كبير. اليوم، تدفع الهند دول آسيا الوسطى للاستفادة من ميناء تشابهار في إيران، مع شبكة تربطها بأفغانستان من أجل تسيير التجارة مع آسيا الوسطى.
من جهته، أعرب المحلل البارز فيفيك كاتجو عن اعتقاده بأنه «في الوقت ذاته، سعت جمهوريات آسيا الوسطى إلى تطوير علاقاتها مع بقية العالم. وتبدو هذه الدول حريصة على كسر القيود التي تفرضها الجغرافيا عليها، خاصة أن جميع البلدان الخمس غير ساحلية، وبالتالي فهي غير قادرة على تحقيق كامل إمكاناتها الاقتصادية والتجارية. وفي إطار جهودها للتواصل مع العالم، تحرص دول آسيا الوسطى على تطوير علاقاتها مع الهند، التي تعدّها لاعباً رئيسياً. وقبلت هذه الدول بنيودلهي في اتفاقية عشق آباد، والتي سمحت للهند بالوصول إلى شبكات الاتصال لتسهيل التجارة والتفاعلات التجارية مع كل من آسيا الوسطى وأوراسيا، وكذلك الوصول إلى الموارد الطبيعية في المنطقة». وأضاف موضحاً، أنه «على الرغم من أن الصين لديها أكبر حضور إقليمي في آسيا الوسطى، والذي يبدو الوصول لمستواه أمراً بعيد المنال أمام الهند في المستقبل القريب، تبدي دول آسيا الوسطى اهتمامها بتنويع روابطها الاقتصادية بحيث لا يصبح باستطاعة بلد واحد الهيمنة على المنطقة. بجانب ذلك، فإن المشاعر المعادية المتنامية تجاه الصين داخل المنطقة والتهديدات الأمنية من طالبان تسمح لنيودلهي ودول آسيا الوسطى بإعادة النظر في مستوى التعاون بينهما. ويمكن للهند كذلك أن تتطلع إلى استغلال صداقتها التي أثبتت جدواها مع روسيا، وهي واحدة من أكثر الدول نفوذا في المنطقة، لإحراز تقدم على هذه الجبهة. ولا ينبغي للهند أن تضيع أي وقت في إعادة ضبط ارتباطاتها الإقليمية».
- إضاءة على العلاقات الاقتصادية
> لطالما نظرت بلدان آسيا الوسطى إلى الهند لفترة طويلة باعتبارها من أصحاب المصلحة الشرعيين في المنطقة، وسط حسن نيتها السياسية الهائلة بالنظر إلى تراث صداقتها مع الاتحاد السوفياتي السابق. ورغم ذلك، أخفقت الهند في إحراز تقدم تجاري على صعيد علاقاتها مع دول المنطقة.
يذكر، أن حجم التجارة بين الهند وآسيا الوسطى يبلغ مليارَي دولار أميركي مقارنة بالتجارة الصينية مع دول المنطقة، والتي تبلغ نحو 100 مليار دولار أميركي. وتبدو هذه الأرقام غير مُرضية على نحو أكبر عندما تقترن باعتماد الهند الكبير للغاية على استيراد الطاقة، في وقت تتمتع دول آسيا الوسطى بوفرة الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم وما إلى ذلك. ويمكن أن يُضاف لذلك التجارة في الطاقة والأدوية والمواد الكيميائية ومعدات الدفاع والمنتجات الزراعية، وما إلى ذلك، والتي لا يزال حجمها ما بين الهند ودول المنطقة غير مرضي.
ومع ذلك، ورغم التحديات القائمة، جرى إحراز تقدم طفيف فيما يتعلق بتأمين المصالح الهندية في مجال الطاقة، في الوقت الذي حرصت دلهي كذلك على توسيع التعاون النووي المدني مع المنطقة. وربما توفر كازاخستان وأوزبكستان للهند المزيد من اليورانيوم من أجل محطات الطاقة النووية. ومن المرجح أن يجري اتخاذ قرار رسمي في هذا الصدد من قِبل قيادات دول آسيا الوسطى.
وربما يجري اتخاذ القرار بشأن تعزيز إمدادات اليورانيوم إلى الهند عندما يزور رؤساء جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، الهند للمشاركة في احتفالات يوم الجمهورية. وبرزت هذه القضية خلال حوار آسيا الوسطى. يذكر أن طاجيكستان وأوزبكستان تمتلكان احتياطيات ضخمة من اليورانيوم، وتعد الأولى أكبر منتج لليورانيوم في العالم. وبالفعل، تستورد الهند هذه المواد منهم، لكن المصانع الهندية تعاني في الوقت الراهن من نقص اليورانيوم.
من ناحيته، قال وزير الدولة لشؤون الفضاء والطاقة الذرية، د. جيتندرا سينغ، أمام البرلمان قبل وقت قريب «إن الإنتاج السنوي الحالي لليورانيوم في البلاد لا يكفي تلبية متطلبات الوقود السنوية لجميع محطات الطاقة النووية العاملة باليورانيوم». وأوضح، أن البلاد تستورد اليورانيوم من دول مختلفة، مثل كندا، وكازاخستان، وأوزبكستان، وروسيا.
من ناحية أخرى، ومن أجل تسهيل نقل البضائع بين الهند وآسيا الوسطى عبر إيران، انضمت الهند إلى الاتفاقية الجمركية للنقل الدولي للبضائع عام 2017 وانضمت إلى اتفاقية عشق آباد، التي تشمل إيران وعُمان وتركمانستان وأوزبكستان، عام 2018. والمؤكد، أن تعزيز إمكانية الوصول إلى أسواق الهند الضخمة سيعود بالنفع الوفير على دول آسيا الوسطى التي تبحث باستمرار عن تعزيز اقتصاداتها المتعثرة.
ويرى البعض، أنه في حين أعطت مثل هذه الخطوات فرصة جديدة للحياة لرؤية الهند للتواصل الأوروبي الآسيوي، يجب على نيودلهي الجمع بين الدبلوماسية الماهرة والعمل على أرض الواقع لضمان استمرارية هذه المشروعات في المنطقة لتجنب تراجع نفوذها ومكانتها داخل الإطار السياسي الأوروبي - الآسيوي. الآن، الأمر متروك لرئيس الوزراء مودي لإدارة إعادة التوازن في آسيا الوسطى من خلال الدبلوماسية والتعاون، بدلاً من التنافس.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.