يساريون من دون يسار في تونس

صراع محتدم بين تياريهم «الاجتماعي» و«الآيديولوجي»

يساريون من دون يسار في تونس
TT

يساريون من دون يسار في تونس

يساريون من دون يسار في تونس

تابع الرئيس التونسي قيس سعيّد تعيين شخصيات يحسبها البعض على «اليسار الراديكالي» أو «اليسار الآيديولوجي» في مواقع استراتيجية في الدولة، رغم انتقادات خصومه ومعارضيه الذي يتهمونه بـ«الانقلاب على الدستور» و«احتكار كل السلطات التنفيذية التشريعية» و«محاولة السيطرة على القضاء والمجتمع المدني» منذ 25 يوليو (تموز) الماضي. وأشرف الرئيس أخيراً في قصر قرطاج على موكب رسمي لتنصيب محافظ العاصمة التونسية الجديد كمال الفقي، الذي اتهمته أوساط من المعارضة بالانتماء إلى «اليسار الآيديولوجي المتطرف» (مجموعة الـ«وطد»)، على غرار زوجته الناشطة اليسارية سنية الشربطي التي تزعمت الحملة الانتخابية لسعيّد عام 2019 مع شخصيات شيوعية معروفة بينها رضا شهاب المكي. وفي المقابل، يوجه تيار من رموز «اليسار الاجتماعي الديمقراطي» انتقادات حادة للرئيس سعّيد وانخرطوا بدورهم في جبهة معارضي قرارات 25 يوليو و22 سبتمبر (أيلول) الماضيين، التي أدت إلى تعليق الدستور وحل البرلمان والحكومة التي نالت ثقته العام الماضي.
فما حقيقة وضع اليسار التونسي في ظل المتغيرات التي تشهدها البلاد وتعمق التناقضات بين «اليسار الاجتماعي» و«اليسار الآيديولوجي»؟ وهل ينجح النشطاء اليساريون في تعديل المشهد السياسي مجدداً، تفاعلاً مع دعاة تشكيل «كتلة تاريخية» بمفهوم أنطونيو غرامشي -الزعيم اليساري الإيطالي مطلع القرن الماضي- الذي دعا إلى «تحالف قيادات اليسار من شمال البلاد مع قيادات الكنيسة في الجنوب»... أم تُستنزف طاقاتهم بسبب حدة صراعات قياداتهم على المواقع ومأزق «الزعاماتية»؟
رأى الزعيم الحقوقي واليساري عز الدين الحزقي، أحد مؤسسي حركات اليسار ومنظمات حقوق الإنسان في تونس منذ 50 سنة، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن أولوية الأولويات بالنسبة لليسار يجب أن تكون دعم الحريات وحقوق الإنسان. وأورد أنه «لا بد من التمييز بين صنفين من اليساريين في تونس وفي كامل المنطقة: اليسار الحقوقي الديمقراطي والاجتماعي من جهة، واليسار الآيديولوجي المتطرف من جهة أخرى».
واعتبر الحزقي، الذي كان من مؤسسي «رابطة حقوق الإنسان» التونسية أواخر السبعينات من القرن الماضي، أن «اليساريين في تونس والعرب لعبوا دوراً كبيراً خلال السنوات الخمسين الماضية في النضال من أجل الحريات العامة والفردية والحوار مع كل التيارات والشخصيات الوطنية والقومية والإسلامية». واستدل الحزقي بأسماء شخصيات ديمقراطية من رفاقه السابقين مثل نور الدين بن خذر وجلبار النقاش وخميس الشماري وأحمد كرعود والهاشمي الطرودي... وقد انفتحوا جميعاً على كل التيارات اليسارية والوطنية والإسلامية المعتدلة. إلا أنه تابع فاتَّهم بعض قيادات اليسار التونسي الجديد بـ«الانحراف» وبـ«الابتعاد عن القيم الديمقراطية الكونية والتحالف مع حكومات الاستبداد» خلال العقود الماضية ثم مع حكومة «الانقلاب» الحالية -حسب تعبيره- «لأسباب آيديولوجية حيناً، وخدمةً لمصالح شخصية ضيقة حيناً آخر».
- انقسامات خطيرة...
في السياق نفسه توقف المحامي الحقوقي والزعيم اليساري عبد الرؤوف العيادي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عند تعقيدات «العلاقة بين أزمة اليسار التونسي والعربي وانخراط قيادات يسارية في معارك آيديولوجية عقيمة تسببت في تحالفهم مع خصومهم، أي مع حكومات الاستبداد منذ 40 سنة، وتناسوأ السنوات التي أمضوها بدورهم في السجون وزنزانات التعذيب، بمجرد أن تلك الحكومات قمعت خصومهم السياسيين والآيديولوجيين، خصوصاً منهم بعض المحسوبين على «التيار الإسلامي» أو «تيارات الهوية».
وأورد العيادي، الذي كان من أبرز مؤسسي حركتي «العامل التونسي» و«اليسار الماركسي التونسي» في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، أن اليساريين التونسيين منقسمون اليوم مجدداً بين مجموعتين «لأسباب آيديولوجية». إذ تساند المجموعة الأولى قرارات قيس سعيّد يومي 25 يوليو و22 سبتمبر الماضيين وتعدّها «حركة تصحيحية» وتطالب الرئيس بـ«عدم التراجع عنها» وبحل الأحزاب والمجموعات السياسية المعارضة لها، ومنها حزب حركة «النهضة الإسلامية»، وحزب «حراك تونس الإرادة» الذي يتزعمه الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، وأحزاب «المبادرة الديمقراطية» اليسارية بزعامة أحمد نجيب الشابي، وحركة «مواطنون ضد الانقلاب» بزعامة الجامعي اليساري جوهر بن مبارك والأكاديميين الحبيب بوعجيلة وزهير إسماعيل. أما المجموعة الأخرى فلا تتورط في «المعارك الآيديولوجية» وترى أن أولوية الأولويات بالنسبة إلى اليسار الاجتماعي - الديمقراطي هو الانحياز للطبقات الشعبية وللعمال ولضحايا القمع والاستبداد، ولكن في الوقت نفسه لا بد أن يعارض «الانقلاب على الدستور باستخدام القوة العامة»، على حد قوله.
في ظل هذه «الانقسامات الخطيرة» رأى الرئيس المؤسس لحزب التيار الديمقراطي الوزير السابق محمد عبو، أن «من بين غلطات الرئيس قيس سعيد، وبعض الأحزاب والمنظمات المحسوبة على اليسار منذ منعرج 25 يوليو ما كان لها مفعول عكسي، وأجهضت خطة محاسبة الفاسدين وأحزاب المنظومة التي حكمت البلاد منذ مطلع 2011 –حسب عبو- وبينها قيادات أحزاب (النهضة، وقلب تونس، ونداء تونس، وتحيا تونس)».
كذلك، اتّهم قياديون متشددون من اليسار الماركسي والقومي زعيم حزب العمال الشيوعي حمة الهمامي ورفاقه بالتحالف مع «حركة النهضة» ومع «الأحزاب البرجوازية» بسبب تصريحاته التي عارض فيها قرارات 25 يوليو و22 سبتمبر الماضيين واتهم خلالها رئيس الجمهورية بـ«الانقلاب على الدستور وعلى الديمقراطية اعتماداً على قوات الأمن والجيش».
- يساريون من دون يسار
في سياق متصل، يرى زعيم اليسار الطلابي السابق علي بالمبروك المهذبي أن «من بين معضلات البلاد تشرذم اليساريين منذ أكثر من خمسين سنة بين مجموعات سياسية وحزبية ومنظمات قانونية وغير قانونية بالجملة متنافرة، إلى جانب تورط بعض زعمائهم ورموزهم في توظيف النقابات العمالية والطلابية والمنظمات الحقوقية خدمةً لمصالح شخصية»... ويضيف: «هذا أفقد معظمهم الكثير من مصداقيتهم» رغم نجاح بعضهم في تسلم حقائب وزارية ومسؤوليات عليا في الحكومة وفي قصر الرئاسة وعلى رأس المؤسسات الإعلامية والثقافية والسياسية والدبلوماسية إبان عهدي بورقيبة وبن علي»... وكان –وفق المهذبي- من بينهم ماركسيون وماويون (نسبة إلى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ) ممن أسسوا الحركات اليسارية «آفاق» و«العامل التونسي» و«الشعلة» و«حزب الوطنيين الديمقراطيين».
وما يجدر ذكره هنا أن بين «الزعماء اليساريين» الذين تقلدوا مسؤوليات حكومية عليا في عهد زين العابدين بن علي الخبير القانوني محمد الشرفي، وعالم الاجتماع المنصر الرويسي، والخبير الاقتصادي أحمد السماوي، والأمين العام السابق لاتحاد الطلبة سمير العبيدي.
في المقابل، عدّ الإعلامي والكاتب اليساري منجي الخضراوي في سلسلة من المقالات نشرها في الصحف التونسية أنه رغم «احتلال اليساريين بعد ثورة 2011 مواقع مهمة» في الدولة وعلى رأس النقابات ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية فإنهم ظلوا «يساريين من دون يسار». وقال الخضراوي إن اليساريين بقوا مشتتين بين مجموعات من الشخصيات والنشطاء السياسيين «التقدميين» المنشقين عن عدة حركات وأحزاب من دون أن ينجحوا في تشكيل هيكل يساري كبير يوحّد بين تحركاتهم... ونقطة ضعف هؤلاء أنهم ليسوا مؤهلين لتحريك الشارع خارج سياق النقابات. وكانت التجربة اليسارية الموحدة القوية الوحيدة بعد «ثورة 2011» هي «الجبهة الشعبية» التي وحّدت أكثر من 10 أحزاب يسارية وبعثية وقومية وتزعمها حمة الهمامي وشكري بلعيد في 2013، إلا أن نقطة ضعف تلك «الجبهة»، حسب تصريح الزعيم اليساري السابق أبو السعود الحميدي لـ«الشرق الأوسط»، أنها لم تتفق على «بديل للحكومات والنظام السياسي الحاكم» بل وضعت على رأس أولوياتها «محاربة الآخر»، وبخاصة قوى «الإسلام السياسي».
وهنا لا بد من الإشارة إلى تزايد تأثير هذه «الجبهة» السياسية بعد اغتيال زعيميها شكري بلعيد ومحمد البراهمي وفوزها في انتخابات 2014 بـ15 مقعداً في البرلمان. أيضاً فاز مقربون منها بعضوية البرلمان وبمواقع حكومية بعد انخراطهم في حزب «نداء تونس» بزعامة الباجي قائد السبسي وتحالفهم معه ومع «المنظومة القديمة» في الانتخابات الرئاسية ضد منافسه المنصف المرزوقي. لكن كلفة ذلك التحالف كانت باهظة، إذ مُني مرشحو اليسار و«الجبهة الشعبية» و«حزب نداء تونس» بخسارة جسيمة في انتخابات 2019 أدت لخروجهم من البرلمان.
كذلك، أسفرت الانتخابات الرئاسية عن هزيمة مدوية لرموز «اليسار» الذين تقدموا إليها متنافرين بينهم حمة الهمامي وعبيد البريكي ومحسن مرزوق وناجي جلول ومنجي الرحوي وإلياس الفخفاخ ومحمد عبو وزهير المغزاوي. وكانت تلك الهزيمة مدخلاً لتحالف بعضهم بعد ذلك مع أنصار الرئيس قيس سعيّد الذي عيّن «الديمقراطي الاشتراكي» إلياس الفخفاخ رئيساً للحكومة الأولى مطلع 2020، ولقد عيّن أيضاً شخصيات يسارية وحقوقية ونقابية بارزة في حكومته أو في فريق مستشاري قصر الرئاسة في قرطاج كان من بينهم الطبيب فتحي التوزري والمحاميان العياشي الهمامي ومحمد عبو والإعلامية رشيدة النيفر وشخصيات قومية ناصرية وبعثية ولم يكن غريباً أن يتصدر المشهد الحكومي والبرلماني والسياسي قوميون ويساريون سابقون انخرط بعضهم منذ 2020 في حملات وتحركات للمطالبة بحل البرلمان والأحزاب. ونظم يساريون آخرون حملات في نفس الاتجاه من خارج الحكومة بينهم الوزيران والنقابيان اليساريان السابقان ناجي جلول وعبيد البريكي. ثم مهّدت تلك التحركات لتحالف قطاع من «اليسار الآيديولوجي» مع الرئيس سعيّد وأنصاره بعد «حركة التصحيح في 25 يوليو».
ومقابل ذلك، انحاز عدد من رموز «اليسار الاجتماعي والديمقراطي» ضدهم، وأسسوا جبهات سياسية وصفت نفسها بأنها «معارضة للانقلاب»، انفتحت على شخصيات من مرجعيات فكرية وسياسية مختلفة... بين هؤلاء عبد الرؤوف بالطبيب السفير والمستشار السابق للرئيس قيس سعيّد، ورضا بالحاج المحامي اليساري والوزير المستشار السابق في رئاسة الجمهورية في عهد الباجي قائد السبسي، وعصام الشابي وعبد اللطيف الهرماسي ورفاقهما في «الحزب الجمهوري»، وشخصيات معتدلة من حزب «حركة النهضة» بينهم أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية العجمي الوريمي والبرلمانية فائزة بوهلال.
- ورقة اليسار النقابي
إلا أن الورقة الأهم اليوم بالنسبة إلى اليسار «الاجتماعي الديمقراطي» هي ورقة اتحاد نقابات العمال، حسب الأكاديمي والقيادي السابق في الحزب الديمقراطي التقدمي اليساري الحبيب بوعجيلة. فقد أورد بوعجيلة -الذي يتصدر هيئة حركة «مواطنون ضد الانقلاب» مع شخصيات يسارية وليبرالية وحزبية متعددة الألوان- في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة تعد أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي، وغالبية قيادات اتحاد الشغل، مستقلين عن كل الأحزاب أو من بين المساندين لليسار المعتدل والاجتماعي. وأردف أن الطبوبي وغالبية رفاقه يتمسكون بالعودة إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني، وأنهم يعارضون «الانقلاب على الدستور وعلى البرلمان المنتخب وعلى الحكومة التي منحها ثقته بأغلبية الثلثين أكثر من مرة» رغم انتقاداتهم لحزب «حركة النهضة» وللمنظومة السياسية السابقة.
- «حركة تصحيح»
لكن ماذا عن مواقف قياديين بارزين في اتحاد الشغل ممن ساندوا قرارات 25 يوليو ووصفوها بـ«حركة تصحيح» مثل سامي الطاهري وسمير الشفي والأسعد اليعقوبي ورفاقهم «القوميين والبعثيين والتروتسكيين والماركسيين»؟
الحبيب بوعجيلة يرى أن الديمقراطيين الذين تجمعوا حول حراك «مواطنون ضد الانقلاب» و«المبادرة الديمقراطية» يعدّون الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي «الناطق الرسمي القانوني الوحيد» للنقابات. وهم يثمنون مواقفه الديمقراطية ويتعاملون مع معارضيه داخل النقابات بصفتهم الحزبية والآيديولوجية سواء كانوا من أقصى اليسار «الشيوعي» أو «الماركسي اللينيني» أو من بين البعثيين والقوميين «العروبيين» أو من بين الإسلاميين...
لكن من بين المعضلات التي يعاني منها اليسار التونسي منذ عقود -حسب عبد الرزاق الهمامي ومحمد العربي عزوز ونعيمة الهمامي ونخبة من مؤسسي «حركة الشعلة» اليسارية ومجموعات «الوطنيين الديمقراطيين»- أن بعض رموز «اليسار الراديكالي» لم يتصالحوا مع ثقافة مجتمعهم... بل دخلوا في صراعات آيديولوجية لها علاقة بـ«المتغيرات الدولية في الأحزاب الشيوعية والاشتراكية العالمية» وانفجار الخلافات بينها حول تقييمها لسياسات قيادات الاتحاد السوفياتي والصين وألبانيا وكوبا وبقية الدول المحسوبة على الاشتراكية والشيوعية و«القوى التقدمية». لكن بعض رموز اليسار النقابي الراديكالي السابقين، مثل أحمد الكحلاوي، قاموا بمراجعات منذ تسعينات القرن الماضي وأصبحوا يتهمون اليسار التونسي والعربي «التقليدي» بـ«الانحياز للاستعمار ضد الحركات الوطنية» خلال مرحلة الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني. كما اتهموهم بالوقوف ضد حركات التحرر الوطني الفلسطينية «لأسباب آيديولوجية».
في هذه الأثناء، يتهم خصوم الرئيس التونسي بأنه يسعى وأنصاره إلى كسب ود «اليسار الآيديولوجي» وتوظيفه في معركته ضد معارضي «حراك 25 يوليو» لا سيما «حركة النهضة» وحزب «قلب تونس». وهذا في حين دخل مئات من المثقفين من تيارات مختلفة في سلسلة تحركات وإضرابات الجوع والاعتصامات لتوسيع الجبهة المعارضة لمسار 25 يوليو وتشكيل «جبهات توافق حول المشترك الاجتماعي والديمقراطي والوطني». وهو ما يفتح باب التساؤلات عمن ستكون له الكلمة الفصل؟ ومن سيكسب ورقة التحالف مع «اليسار الاجتماعي» وكوادر الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعد لعقد مؤتمره الوطني الدوري الشهر المقبل؟
- عز الدين الحزقي... يساري عارض حكم بورقيبة وبن علي ويتزعم معارضي سعيّد
> برز أخيراً على الساحة الإعلامية والسياسية التونسية المناضل الحقوقي اليساري عز الدين الحزقي (78 سنة) الذي كان قد سُجن في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي بسبب أنشطته المعارضة منذ أواخر الستينات من القرن الماضي.
الحزقي، الذي أصبح يتصدر المؤتمرات الصحافية وإضرابات الجوع والمسيرات، من أبناء محافظة صفاقس وسط البلاد (270 كلم جنوبي العاصمة تونس) ونشأ في منطقة جبنيانة التي خرج منها طوال العقود الماضية عشرات المعارضين والنقابيين. ولقد سُجن الحزقي أواخر الستينات ثم في السبعينات من القرن الماضي بسبب أنشطته السياسية المعارضة ضمن حركتي «آفاق» و«العامل التونسي» اليساريتين.
وفي عهد زين العابدين بن علي قدم ترشحه للانتخابات الرئاسية في 1989 لكنّ طلبه رُفض، فتابع التعبير عن مواقفه المعارضة بحدة مما تسبب في إيقافه وسجنه مراراً.
لقد كان الحزقي من بين مؤسسي «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أواخر السبعينات ثم بقي عضواً في مجلسها الوطني. وبعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 أسّس جمعية «دستورنا» التي ترأسها بعده نجله أستاذ القانون الدستوري في الجامعة التونسية جوهر بن مبارك. وطوال العشرية الماضية شارك الحزقي في اعتصامات ومسيرات ضد كل الحكومات. وبعد قرارات 25 يوليو الماضي الرئاسية أصبح يتزعم حراك «مواطنون ضد الانقلاب» الذي يضم شخصيات من عدة تيارات سياسية ومستقلين. وأخيراً نشير إلى أن عز الدين الحزقي دوّن مذكراته السجنية في كتاب قدم فيه شهادات طريفة اختار له عنواناً «نظارات أمي»...



يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
TT

يون سوك ــ يول... رئيس كوريا الجنوبية أثار زوبعة دعت لعزله في تصويت برلماني

تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط
تحت ضغط الفضائح والخلافات انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أن شعبيته انخفضت إلى 19 % فقط

تشهد كوريا الجنوبية، منذ نحو أسبوعين، تطورات متلاحقة لا تلوح لها نهاية حقيقية، شهدت اهتزاز موقع رئيس الجمهورية يون سوك - يول بعد إعلانه في بيان تلفزيوني فرض الأحكام العرفية، وتعليق الحكم المدني، وإرساله قوة عسكرية مدعومة بالهيلوكوبترات إلى البرلمان. ثم اضطراره للتراجع عن قراره في وجه معارضة عارمة. بيد أن تراجع الرئيس خلال ساعات قليلة من هذه المغامرة لم يزد المعارضة إلا إصراراً على إطاحته، في أزمة سياسية غير مسبوقة منذ التحوّل الديمقراطي في البلاد عام 1980 بعد فترة من الحكم التسلطي. ولقد تطوّرت الأوضاع خلال الأيام والساعات الأخيرة من الاحتجاجات في الشوارع إلى تصويت برلماني على عزل يون. وبعدما أقر البرلمان عزل الرئيس ردّ الأخير بتأكيد عزمه على المقاومة والبقاء... في أزمة مفتوحة لا تخلو من خطورة على تجربة البلاد الديمقراطية الطريّة العود.

دبلوماسي مخضرم خدم في كوريا الجنوبية قال، قبل بضعة أيام، معلقاً على الأزمة المتصاعدة: «إذا تم تمرير اقتراح العزل، يمكن وقف (الرئيس) يون (سوك - يول) عن مباشرة مهام منصبه لمدة تصل إلى 180 يوماً، بينما تنظر المحكمة الدستورية في القضية. وفي هذا (السيناريو)، يتولى رئيس الوزراء هان دوك سو منصب الرئيس المؤقت، وتُجرى انتخابات جديدة في غضون 60 يوماً».

وبالفعل، دعا هان دونغ - هون، زعيم حزب «قوة الشعب»، الحاكم، إلى تعليق سريع لسلطات الرئيس مستنداً - كما قال - إلى توافر «أدلة موثوقة» على أن يون سعى إلى اعتقال القادة السياسيين بعد إعلانه الأحكام العرفية الذي لم يدُم طويلاً. ومما أورده هان - الذي كان في وقت سابق معارضاً للمساعي الرامية إلى عزل يون - إن «الحقائق الناشئة حديثاً قلبت الموازين ضد يون، بالتالي، ومن أجل حماية كوريا الجنوبية وشعبنا، أعتقد أنه من الضروري منع الرئيس يون من ممارسة سلطاته رئيساً للجمهورية على الفور». وتابع زعيم الحزب الحاكم أن الرئيس لم يعترف بأن إعلانه فرض الأحكام العرفية إجراء غير قانوني وخاطئ، وكان ثمة «خطر كبير» من إمكانية اتخاذ قرار متطرف مماثل مرة أخرى إذا ظل في منصبه.

بالتوازي، ذكرت تقارير إعلامية كورية أن يون يخضع حالياً للتحقيق بتهمة الخيانة إلى جانب وزير الدفاع المستقيل كيم يونغ - هيون، (الذي ذُكر أنه حاول الانتحار)، ورئيس أركان الجيش الجنرال بارك آن - سو، ووزير الداخلية لي سانغ - مين. وحقاً، تمثل الدعوة التي وجهها هان، وهو وزير العدل وأحد أبرز منافسي يون في حزب «قوة الشعب»، تحولاً حاسماً في استجابة الحزب الحاكم للأزمة.

خلفية الأزمة

تولى يون سوك - يول منصبه كرجل دولة جديد على السلطة، واعداً بنهج عصري مختلف في حكم البلاد. إلا أنه في منتصف فترة ولايته الرئاسية الوحيدة التي تمتد لخمس سنوات، شهد حكمه احتكاكات شبه دائمة مع البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة، وتهديدات «بالإبادة» من كوريا الشمالية، ناهيك من سلسلة من الفضائح التي اتهم وعائلته بالتورّط فيها.

وعندما حاول يون في خطابه التلفزيوني تبرير فرض الأحكام العرفية، قال: «أنا أعلن حالة الطوارئ من أجل حماية النظام الدستوري القائم على الحرية، وللقضاء على الجماعات المشينة المناصرة لنظام كوريا الشمالية، التي تسرق الحرية والسعادة من شعبنا»، في إشارة واضحة إلى الحزب الديمقراطي المعارض، مع أنه لم يقدم أي دليل على ادعائه.

إلا أن محللين سياسيين رأوا في الأيام الأخيرة أن الرئيس خطّط على الأرجح لإصدار مرسوم «الأحكام العرفية الخرقاء» أملاً بحرف انتباه الرأي العام بعيداً عن الفضائح المختلفة والإخفاق في معالجة العديد من القضايا المحلية. ولذا اعتبروا أن عليه ألا يطيل أمد حكمه الفاقد الشعبية، بل يبادر من تلقاء نفسه إلى الاستقالة من دون انتظار إجراءات العزل، ومن ثم، السماح للبلاد بانتخاب رئيس جديد.

بطاقة هوية

ولد يون سوك - يول، البالغ من العمر 64 سنة، عام 1960 في العاصمة سيول لعائلة من الأكاديميين اللامعين. إذ كان أبوه يون كي - جونغ أستاذاً للاقتصاد في جامعة يونساي، وأمه تشوي سيونغ - جا محاضرة في جامعة إيوها للنساء قبل زواجها. وحصل يون على شهادته الثانوية عام 1979، وكان يريد في الأصل أن يدرس الاقتصاد ليغدو أستاذاً، كأبيه، ولكن بناءً على نصيحة الأخير درس الحقوق، وحصل على شهادتي الإجازة ثم الماجستير في الحقوق من جامعة سيول الوطنية - التي هي إحدى «جامعات النخبة الثلاث» في كوريا مع جامعتي يونساي وكوريا - وأصبح مدّعياً عاماً بارزاً قاد حملة ناجحة لمكافحة الفساد لمدة 27 سنة.

ووفق وسائل الإعلام الكورية، كانت إحدى محطات حياته عندما كان طالب حقوق عندما لعب دور القاضي في محاكمة صورية للديكتاتور (آنذاك) تشون دو - هوان، الذي نفذ انقلاباً عسكرياً وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. وفي أعقاب ذلك، اضطر يون إلى الفرار إلى الريف مع تمديد جيش تشون الأحكام العرفية ونشر القوات والمدرّعات في الجامعة.

بعدها، عاد يون إلى العاصمة، وصار في نهاية المطاف مدعياً عاماً، وواصل ترقيه الوظيفي ما يقرب من ثلاثة عقود، بانياً صورة له بأنه حازم وصارم لا يتسامح ولا يقدّم تنازلات.

مسيرته القانونية... ثم الرئاسة

قبل تولي يون سوك - يول رئاسة الجمهورية، كان رئيس مكتب الادعاء العام في المنطقة المركزية في سيول، وأتاح له ذلك محاكمة أسلافه من الرؤساء. إذ لعب دوراً فعالاً في إدانة الرئيسة السابقة بارك غيون - هاي التي أُدينت بسوء استخدام السلطة، وعُزلت وأودعت السجن عام 2016. كذلك، وجه الاتهام إلى مون جاي - إن، أحد كبار مساعدي خليفة الرئيسة بارك، في قضية احتيال ورشوة.

أما على الصعيد السياسي، فقد انخرط يون في السياسة الحزبية قبل سنة واحدة فقط من فوزه بالرئاسة، وذلك عندما كان حزب «قوة الشعب» المحافظ - وكان حزب المعارضة يومذاك - معجباً بما رأوه منه كمدّعٍ عام حاكم كبار الشخصيات، وأقنع يون، من ثم، ليصبح مرشح الحزب لمنصب رئاسة الجمهورية.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2022 تغلّب يون على منافسه الليبرالي لي جاي - ميونغ، مرشح الحزب الديمقراطي، بفارق ضئيل بلغ 0.76 في المائة... وهو أدنى فارق على الإطلاق في تاريخ الانتخابات في البلاد.

الواقع أن الحملة الانتخابية لعام 2022 كانت واحدةً من الحملات الانتخابية القاسية في تاريخ البلاد الحديث. إذ شبّه يون غريمه لي بـ«هتلر» و«موسوليني». ووصف حلفاء لي الديمقراطيون، يون، بأنه «وحش» و«ديكتاتور»، وسخروا من جراحة التجميل المزعومة لزوجته.

إضافة إلى ذلك، شنّ يون حملته الانتخابية بناء على إلغاء القيود المالية والموقف المناهض للمرأة. لكنه عندما وصل إلى السلطة، ألغى وزارة المساواة بين الجنسين والأسرة، قائلاً إنها «مجرد مقولة قديمة بأن النساء يُعاملن بشكل غير متساوٍ والرجال يُعاملون بشكل أفضل». وللعلم، تعد الفجوة في الأجور بين الجنسين في كوريا الجنوبية الأسوأ حالياً في أي بلد عضو في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية».

أيضاً، أدى استخدام يون «الفيتو» تكراراً إلى ركود في العمل الحكومي، بينما أدت تهم الفساد الموجهة إلى زوجته لتفاقم السخط العام ضد حكومته.

تراجع شعبيته

بالتالي، تحت ضغط الفضائح والخلافات، انخفضت شعبية يون، وقبل أقل من شهر أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب كوريا» أن شعبيته انخفضت إلى 19 في المائة فقط. وتعد «كارثة» الأحكام العرفية الحلقة الأخيرة في سلسلة من الممارسات التي حددت رئاسة يون وأخطائها.

إذ ألقي باللوم على إدارة يون في التضخم الغذائي، وتباطؤ الاقتصاد، والتضييق المتزايد على حرية التعبير. وفي أواخر 2022، بعدما أسفر تدافع حشود في احتفال «الهالوين» (البربارة) في سيول عن سقوط 159 قتيلاً، تعرضت طريقة تعامل الحكومة مع المأساة لانتقادات واسعة.

زوجته في قلب مشاكله!

من جهة ثانية، كانت كيم كيون - هي، زوجة الرئيس منذ عام 2012، سبباً آخر للسخط والانتقادات في وسائل الإعلام الكورية الجنوبية. فقد اتهمت «السيدة الأولى» بالتهرب الضريبي، والحصول على عمولات لاستضافة معارض فنية عن طريق عملها. كذلك واجهت اتهامات بالانتحال الأدبي في أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه وغيرها من الأعمال الأكاديمية.

لكن أكبر فضيحة على الإطلاق تورّطت فيها كيم، كانت قبولها عام 2023 هدية هي حقيبة يد بقيمة 1800 جنيه إسترليني سراً من قسيس، الأمر الذي أدى إلى مزاعم بالتصرف غير اللائق وإثارة الغضب العام، لكون الثمن تجاوز الحد الأقصى لما يمكن أن يقبله الساسة في كوريا الجنوبية وشركاؤهم قانونياً لهدية. لكن الرئيس يون ومؤيديه رفضوا هذه المزاعم وعدوها جزءاً من حملة تشويه سياسية.

أيضاً أثيرت تساؤلات حول العديد من القطع الثمينة من المجوهرات التي تملكها «السيدة الأولى»، والتي لم يعلَن عنها كجزء من الأصول الرئاسية الخاصة. وبالمناسبة، عندما فُتح التحقيق في الأمر قبل ست سنوات، كان زوجها رئيس النيابة العامة. أما عن حماته، تشوي يون - سون، فإنها أمضت بالفعل حكماً بالسجن لمدة سنة إثر إدانتها بتزوير وثائق مالية في صفقة عقارية.

يُضاف إلى كل ما سبق، تعرّض الرئيس يون لانتقادات تتعلق باستخدام «الفيتو» الرئاسي في قضايا منها رفض مشروع قانون يمهد الطريق لتحقيق خاص في التلاعب المزعوم بالأسهم من قبل زوجته كيم كيون - هي لصالح شركة «دويتشه موتورز». وأيضاً استخدام «الفيتو» ضد مشروع قانون يفوّض مستشاراً خاصاً بالتحقيق في مزاعم بأن مسؤولين عسكريين ومكتب الرئاسة قد تدخلوا في تحقيق داخلي يتعلق بوفاة جندي بمشاة البحرية الكورية عام 2023.

وهكذا، بعد سنتين ونصف السنة من أداء يون اليمين الدستورية عام 2022، وعلى أثر انتخابات رئاسية مثيرة للانقسام الشديد، انقلبت الأمور ضد الرئيس. وفي خضم ارتباك الأحداث السياسية وتزايد المخاوف الدولية يرزح اقتصاد كوريا الجنوبية تحت ضغوط مقلقة.

أمام هذا المشهد الغامض، تعيش «الحالة الديمقراطية» في كوريا الجنوبية أحد أهم التحديات التي تهددها منذ ظهورها في أواخر القرن العشرين.