أفريقيا ليست كما تتصوّرون

الرئيس ماكي صال في مذكراته «السنغال في القلب»

أفريقيا ليست كما تتصوّرون
TT

أفريقيا ليست كما تتصوّرون

أفريقيا ليست كما تتصوّرون

«أفريقيا ليست كما تتصورون»... بهذه الجملة يرُدّ الرئيس السنغالي ماكي صال، على المتشائمين ممن كرسوا نظرة نمطية عن القارة السمراء، وذلك في مذكراته «السنغال في القلب»، التي صدرت أخيراً عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء وترجمها من الفرنسية إلى العربية الإمام حسن سك.
الكتاب ينحو منحى السيرة الذاتية لكن بشكل مختلف عما هو معتاد، فقد حملت صفحاته رؤى فكرية خاصة بالكاتب وقدّمت إجابة للمتسائلين والباحثين عن ماهية شخصيته ممن كتبوا عنه أو سألوا أو تساءلوا.
يحاول ماكي صال أن يجيب عن أسئلة كثيرة طرحها هو وأراد أن يستبق بها آراء الآخرين: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وماذا أتمنى؟ وما الذي أؤمن به؟ إنها أسئلة للتاريخ وأجوبة للمستقبل... فماكي صال الكاتب والرئيس يُفضّل، كما يقول، ألا ينتظر حُكم التاريخ على الأشخاص والأحداث لأن تفاصيل التاريخ تُكتَب بصفة يومية. لهذا السبب أراد أن يقدّم في الكتاب تاريخه الشخصي ومساهمته الفكرية في بناء سنغال جديد متجذّر في القيم النبيلة بما يضمن له الازدهار والنهضة والإشعاع في ساحة الأمم. وهي نفس الأماني التي يحملها لأفريقيا الجامعة، أفريقيا الأم «أفريقيا ذلك الفضاء الشاسع حيث الانتماء والاعتزاز والأمل وحيث كل شيء ممكن».
لقد حرص المؤلف في مستهل كتابه أن يبرز الدور الذي لعبته الطفولة بظروفها الخاصة وبسياقاتها الاجتماعية والنفسية في تشكيل وعيه الخاص بالعالم وبالقارة وبالوطن السنغالي الذي أحبه كفكرة للنهضة تستحق أن تعاش.
«إنّ الطفولة تبني شخصيتنا» يقول ماكي صال في معرض حديثه عن الانتماء لشمال السنغال، فهو يتحدر من منطقة «فوتا»، وتحديداً من بلدة فاتيك من جهة «سين» حيث تنتشر قومية «سيرير».
في هذا الجانب، يشير الكاتب إلى طابع البساطة الذي ميز وسطه الاجتماعي في الطفولة، لافتاً النظر إلى منظومة القيم الأفريقية التي تلقّنها وهي صبي، فنهل منها مبادئ الإيمان ببذل الجهد والسعي إلى الاستقامة والتحلّي بالشجاعة في معارك الحياة، مع ما يقتضيه الأمر من الرزانة المطلوبة على كل حال.
يعرّج المؤلف على عوامل التنوع العرقي الذي ميّز مسقط رأسه وهد طفولته، ويسلط ثم يشير إلى ما ميز هذه المنطقة تاريخياً وجعلها في قلب الصراعات المشتعلة حول السلطة والنفوذ.
يحكي الكاتب بعد ذلك مراحل تشكل وعيه السياسي الذي تباينت عوامله بين الوراثة والانخراط الشخصي في المعترك، بين تأثره بوالده الاشتراكي وبين نزعة النقد الشخصية التي تجعل تلميذاً في الثانوية يدرك مبكراً أن وضعه الاجتماعي يحتّم عليه طرح المزيد من الأسئلة السياسية حول واقعه الفردي اقتصادياً وثقافياً.
يؤكد ماكي صال أنه بدأ كمعظم الشباب ماركسيا لكنه ما لبث أن تحول مع مرور الزمن والأحداث إلى الليبرالية الاجتماعية التي آمن بها وظل متشبثاً بها حتى اليوم، ليس الأمر متعلقاً بتغيير حدث على مستوى القناعات الشخصية بل هو تطور للفهم والتحليل.
يعرّج الكاتب بعد ذلك على تجربته في أوروبا وفي باريس تحديداً حين أوفدته شركة بترومين السنغالية للدراسة في المعهد الفرنسي للبترول.
سنة كاملة قضاها مع جنسيات مختلفة أوروبية وعربية وأفريقية وأخرى آسيوية جعلته يكتشف من خلالها بلداناً بعيدة عن وطنه الأم تسكنها شعوب تختلف عن ثقافته الأفريقية.
أسفار الدراسة امتدّت إلى خارج أوروبا حيث زار سوريا والأردن وهما بلدان كانا يشكّلان بالنسبة له أماكن مثيرة للخيال الأسطوري على حدّ وصفه... في هذا الفصل من السرد يتوسع ماكي صال في السرد من تجربته الخاصة إلى ما هو عام ومشترك، فيخلص إلى فكرة جامعة مفادها أن بلده السنغال كان دائماً حريصاً على وجود علاقات متجذرة تجمعه بالجيران الأفارقة في أفق البحث عن قارة اتحادية وسوق أفريقية مفتوحة ونشيطة. هو السنغال نفسه الحريص في الوقت ذاته على علاقات صداقة ودية تجمعه بالشركاء التقليديين كفرنسا خاصة، والمملكة العربية السعودية والمغرب والولايات المتحدة، علاقاتٌ تبقى قوية رغم تقلّب مزاج السياسة ومعطيات التداول على السلطة والتطورات التي تشهدها العلاقات الدولية... «إن مبتغى بلدي، هو أن يكون صديقاً لجميع الدول، وألا يناصب العداء لأحد» يقول ماكي صال بإيجاز.
في معرض حديثه عن الجاليات السنغالية في العالم، يصف ماكي صال السنغاليين المقيمين في بلدان المهجر بأنهم الإقليم الخامس عشر للسنغال، فهم وإن غادروا البلد منذ مدة طويلة إلا أنهم متعلقون تماماً بمعاني التضامن مع إخوتهم في البلد الأصلي وهذا الشعور يتزايد يوماً بعد يوم.
للأمر علاقة، كما يصف الكاتب، بتلك الشخصية السنغالية المميزة التي تتشكّل منذ الطفولة بناءً على معاني كلماتٍ رئيسية ثلاث، هي: الأسرة والمجتمع والأمة. ويشير في هذا الجانب إلى الأهمية الاقتصادية التي يلعبها هذا الإقليم المغترب داخل وطنه الأم، حيث تفوق التحويلات المالية التي يقوم بها السنغاليون في المهجر ثلاثة أضعاف المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من الدولة، ملياران من الدولارات تُصرف في المدن والقرى من أجل بناء المدارس والمستشفيات والمنشآت الأخرى.
يصف بعد ذلك ماكي صال محاولاته الأولى في المعترك السياسي بأنها محاولة لرسم الأفق، حسب ما هو متاح من القدرات والجهود الذاتية، وفي هذا السياق يبدي شهادة إيجابية في مسار التداول السلمي على السلطة بالسنغال، ويصف سلفه عبد الله واد بأنه شخصية سياسية تركت بصمات لا تُمحى في تاريخ البلد، إنه معارض تاريخي للحقبة السابقة، وهو أيضاً رجل سياسة متألق يفرض شخصيته على الساحة بثقة الزعماء.
يحكي ماكي صال عن لقائه الأول بعبد الله واد عام 1989 حين قدّم له بحْثَ تخرُّجِه من معهد علوم الأرض في جامعة دكار، ثم قال له: «أريد أن أبدأ العمل بجانبك».
وعن رأي عبد الله واد في أداء ماكي صال خلال سِني عمله الحكومي، ينقل الأخير تقييم الرئيس السابق له: «رأيي في الوزير الأول أنه إنسان متواضع، إنه يعمل كثيراً دون ضجيج، وهو فعّال للغاية». لكن ماكي صال نفسه يقول إن ذلك لم يدم، فعبد الله واد رأى بعد ذلك في ذراعه الأيمن خصماً قادماً وطرفاً متمرداً على قواعد الولاء لرئيسه، وسرعان ما انتهت العلاقة بقطيعة قاسية تحول فيها ماكي صال من مناضل وقف بجانب زعيمه عشرين سنة إلى شخص منبوذ، بل إلى عدو لدود للنظام والرئيس.
وسينتقل ماكي صال في علاقته بعبد الله واد من ذلك الحليف الوفي إلى خصم سياسي شرس.
كانت الخطوة الأولى هي تأسيس حزب تحت اسم «التحالف من أجل الجمهورية»، ثم التفكير جديّاً في خوض الانتخابات الرئاسية مع ما يتطلّبه الأمر من ترسيخ قوي لقواعد الحزب على امتداد التراب الوطني وفي كافة الأقاليم... بدأ الأمر بزيارات ماراثونية جابت ربوع البلاد، وجعلت المعارض الجديد يلتقي بأفراد الشعب عن قرب، يستفهم عن أسباب المعضلة الاجتماعية ويستشرف أفق الحل.
في أثناء هذا الانشغال المحلي بالقضايا الداخلية خاض الحزب تجربة الانتخابات المحلية وحقق فيها المكسب المطلوب، لقد كان ماكي صال يرى أن الحملة الانتخابية في حد ذاتها هي أولى محطات الوصول إلى السلطة، ثم كان شعار «يوكوتي» أو «الطريق إلى التنمية» في الانتخابات الرئاسية عام 2012 هو الإشارة الرمزية لرغبة هذا التيار في تحقيق التغيير العميق. احتاج الأمر إلى جولة ثانية مع الرئيس عبد الله واد كي يحسم ماكي صال صراع الرئاسة بحصوله على 56.80 في المائة من أصوات الناخبين، متوجاً بذلك رحلة المعارضة هذه باعتلاء سريع ودراماتيكي لسدة الحكم، مع الكثير من الأمل في الوصول إلى سنغال آخر بمجتمع آخر يسوده الاستقرار وتحكمه قيم الاحترام والكرامة والتوزيع العادل للثروة.
«الدولة ليست لنا»، يقول ماكي صال. فالرئيس من وجهة نظره عليه أن يختار العمل الاستراتيجي المبني على الاستدامة، لا أن يهدر إمكانيات المستقبل عبر البحث عن الحلول السهلة ذات المدى القصير سعياً وراء كسب شعبية مصطنعة بطرق ديماغوجية ضيقة. الأفق الزمني لخطة ماكي صال يمتد حتى 2035 وهو تاريخ لن يكون خلاله هو في السلطة كي يجني الثمار سياسياً، لكنه كما يقول سيضمن شرط الاستدامة للأجيال المقبلة في ورش من الإصلاح المستمر. إنها خطة تسعى لتحقيق الإصلاحات في محاور ثلاثة: الأول يتم فيه تحقيق التحول النوعي على مستوى المنشآت الاقتصادية التي تخلق الثروة وفرص العمل، والثاني يرمي إلى تحسين ظروف حياة جميع السكان وضمان تكافؤ الفرص بينهم، أما المحور الثالث فيهدف في الأساس إلى ترسيخ دعائم الأمن والاستقرار وحماية الحريات ودعم دولة القانون كضمانة رئيسية للسلم الاجتماعي في البلاد.
ومن جملة ما أثاره الكاتب من مواضيع، قصة الذهب الأسود وبلدانه الكثيرة والصراعات التي لم تتوقف يوماً حول بعده الاستراتيجي، ويشير ماكي صال في هذا الخضم إلى حدث تاريخي مهم هو حرب رمضان عام 1973 بين إسرائيل وبعض الدول العربية، حين ارتفع سعر النفط أربعة أضعاف خلال الفترة الممتدة بين عامي 1973 و1974. حينها أدرك العالم مدى ارتباط البشرية بالنفط. إنه وضع هزّ العالم بأسره ومن جملته الكاتب الذي كان حينها شاباً يافعاً يتساءل عن مستقبله الخاص وعن علاقة هذا الأمر بالطاقة والعمل في مجالها الاقتصادي والهندسي التقني.
يُفصّل ماكي صال بعد ذلك في قضايا كثيرة أبرزها مشوار التنقيب عن النفط والمعادن في السنغال ويطرح مسألة الانعكاس الاقتصادي للثروات على الوضع العام في البلاد اقتصادياً واجتماعياً، ثم يشدّد في الأخير على فكرة جوهرية ترى أن الثروات الموجودة تحت الأراضي الأفريقية يجب أن يستفيد منها الأفارقة بالأساس، لتطوير بلدانهم وتحقيق الرفاهية والسعادة لشعوبهم. يحتاج الأمر لمعركة كبيرة يجب أن تخوضها أفريقيا للدفاع عن مصالحها مع احترام تام لحقوق الشركاء، وهي معركة ينبغي أن تُعزَّزَ ببذل جهد أكبر لكسب رهان الشفافية المؤسساتية والمالية.
هكذا يرسم ماكي صال ملامح تصوره الخاص عن المسألة الطاقية، رافضاً كل الدعوات التي تقترح على بلدان أفريقيا ابتكار حلول طاقية مكلّفة كإنتاج الطاقة النووية ومثيلاتها مما لا يراه بديلاً ضرورياً في الوقت الراهن.
ويختم ماكي صال كتابه بخطاب يوجهه للشعب السنغالي مخاطباً إياه بنبرة دعائية ولافتاً انتباهه إلى أهمية تجديد الثقة في مشروعه الإصلاحي عبر التصويت عليه لخوض ولاية ثانية وأخيرة، بغية إتمام ما يراه ورشاً كبيراً للبناء والتغيير يطمح أن يصل من خلاله إلى إنجاح خطة «السنغال الناهض».
* كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

كتب فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية

لؤي عبد الإله
كتب «التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق،

حسين الحربي
كتب مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»

«الشرق الأوسط» ( لندن)
ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.