قمة بوتين ـ رئيسي... حرص على «التباعد» وحديث عن «نقطة تحول»

توجه لتطوير «تعاون طويل المدى»... والإعلام الروسي يتحدث عن «ضعف الثقة»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال اجتماعهما في الكرملين أمس (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال اجتماعهما في الكرملين أمس (أ.ب)
TT

قمة بوتين ـ رئيسي... حرص على «التباعد» وحديث عن «نقطة تحول»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال اجتماعهما في الكرملين أمس (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال اجتماعهما في الكرملين أمس (أ.ب)

بدت مجريات الزيارة الأولى إلى موسكو من الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لافتة للأنظار أمس. وفي مقابل الزخم الواسع الذي سبقها، والإشارات المتكررة في وسائل إعلام روسية وإيرانية إلى تعويل الطرفين على تحويلها إلى نقطة انطلاق لتعزيز مسار التعاون الاستراتيجي، عكست مشاهد استقبال رئيسي في الكرملين نوعاً من الفتور؛ إذ حرصت إدارة البروتوكول على ترتيب الاجتماع حول طاولة ضخمة، خلافاً للمراسم التي يستقبل بها بوتين عادة رؤساء الدول، وبرز الحرص على ضمان التباعد بين الحاضرين، وهو أمر عزاه البعض إلى التدابير المفروضة بسبب تفشي الوباء.
لكن عدم تنظيم مؤتمر صحافي ختامي مشترك، كما جرت العادة عند استقبال الرؤساء، أثار بدوره الاهتمام رغم أن مصادر الكرملين عزته أيضاً إلى رغبة بوتين في المحافظة على التباعد وعدم المشاركة في فعاليات مفتوحة.
رغم ذلك، فإن حرص الرئيسين بدا واضحاً في الشق العلني من المحادثات على إظهار الارتياح لمستوى التنسيق بين البلدين؛ خصوصاً في سوريا. وهو الأمر الذي ركز عليه بوتين في كلمته الاستهلالية.
وقال الرئيس الروسي إن «دعم موسكو وطهران أصبح عاملاً حاسماً ساعد سوريا في تجاوز التهديدات الإرهابية في أراضيها». وخاطب ضيفه بعبارة: «نتعاون بشكل وثيق جداً على الصعيد الدولي؛ ناهيك بأن جهودنا ساعدت بدرجة كبيرة الحكومة السورية في تجاوز التهديدات المرتبطة بالإرهاب الدولي».
وأعرب الرئيس الروسي عن رغبته في الاطلاع على مواقف نظيره الإيراني بشأن مستجدات الوضع في أفغانستان، وحول مجريات المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي بين طهران والقوى الكبرى. ولفت بوتين إلى أنه «ظل على تواصل مستمر» مع رئيسي منذ تولي الأخير الرئاسة الإيرانية، لكنه أقر بأن «الاتصالات الهاتفية أو بواسطة الفيديو لا يمكنها أن تكون بديلاً للاجتماعات وجهاً لوجه». وأشاد بتطوير العلاقات بين إيران و«الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي» وبالعمل الجاري على إنشاء منطقة تجارة حرة.
ولم يغفل بوتين الطلب من رئيسي أن ينقل «أطيب تمنياته» إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ورغم المظاهر «الباهتة» للاستقبال، فإن جدول أعمال الزيارة بدا أنه يسعى إلى تأكيد الأهمية الخاصة التي توليها موسكو للزيارة؛ إذ سيلقي رئيسي اليوم خطاباً أمام الهيئة التشريعية الروسية في مجلس الدوما. وهو إجراء قلما يدرج على جدول أعمال الرؤساء الزائرين.
من جانبه؛ شدد رئيسي على أهمية تجربة التعاون بين إيران وروسيا في سوريا، مشيراً إلى إمكانية الإفادة من هذه التجربة في مجالات أخرى.
وفي إشارة لم يتطرق إليها الجانب الروسي في الاستعراض التمهيدي للمحادثات، قال رئيسي إن الجانب الإيراني سلم روسيا مشروع اتفاق للتعاون الاستراتيجي لمدة 20 عاماً.
وكانت أوساط روسية ذكرت أن موسكو وطهران «لن توقعا الوثيقة خلال الزيارة الحالية» خلافاً لتوقعات سابقة. وبدا أن هذه واحدة من النقاط التي لم يُتفق عليها بشكل كامل بعد. ويقول محللون روس إن موسكو «ربما تنتظر نتيجة المفاوضات النووية قبل الإقدام على خطوة مماثلة».
وتعهد الرئيس الإيراني بأن إيران «لن تتوقف عن التطور» بسبب التهديدات أو العقوبات الغربية، مؤكداً في الوقت نفسه أن طهران تبذل جهوداً حالياً بغية رفع العقوبات المفروضة عليها. ولفت رئيسي إلى أمل بلاده في أن «تعزز موسكو وطهران التعاون في مواجهة الخطوات الأميركية أحادية الجانب على الصعيد الدولي»، وزاد: «ليس لدينا في جمهورية إيران الإسلامية أي قيود على تطوير وتوسيع العلاقات مع روسيا الصديقة... هذه العلاقات لن تكون قصيرة المدى أو تكتيكية؛ بل إنها ستكون دائمة واستراتيجية».
وأعرب رئيسي عن تطلع إيران إلى تطوير علاقاتها مع روسيا في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والتكنولوجية والدفاعية والعسكرية، بالإضافة إلى الأمن والفضاء ومجالات أخرى.
وكان رئيسي مهد لزيارته بالإعلان أنها «قد تصبح نقطة تحول في العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين روسيا وإيران». وقال قبل توجهه إلى موسكو: «من الممكن أن تصبح هذه الزيارة نقطة تحول في العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية بين روسيا وإيران، وقد تصبح فعالة لضمان أمن العلاقات التجارية والاقتصادية في المنطقة».
وأضاف أنه «لا شك في أن التعاون الروسي - الإيراني سيضمن الأمن وسيمنع الأحادية. نحن وروسيا نشارك في العديد من المنظمات السياسية والاقتصادية في المنطقة؛ مثل (منظمة شنغهاي للتعاون)، وروسيا تلعب دوراً مهماً في هذه المنظمات». وشدد على أن «روسيا تلعب دوراً محورياً في (الاتحاد الاقتصادي الأوراسي)، وتعاوننا في هذا الاتجاه قد يكون فعالاً لتحريك المشاريع الاقتصادية والتجارية».
وعكس تركيز رئيسي في أكثر من موضع على تعزيز «المسار الاستراتيجي طويل المدى» في العلاقات مع موسكو، أن هذا الملف يشكل أولوية لفريقه، مع السعي إلى توجيه تطمينات لموسكو بأن التوصل إلى اتفاق محتمل في الملف النووي الإيراني لن يعني إدارة طهران ظهرها للروس؛ وهو الأمر الذي سيطر على نقاشات دوائر البحث والتحليل في روسيا خلال الآونة الأخيرة.
وفي هذا الإطار، كانت موسكو قد أعلنت عن استعدادها لتطوير التعاون في المجالات المختلفة؛ خصوصاً في المجال العسكري. وعشية الزيارة، تحدثت وسائل إعلام غربية عن آفاق التعاون العسكري التقني الروسي – الإيراني؛ بما في ذلك إمكانية إبرام عقد بقيمة 10 مليارات دولار لشراء معدات عسكرية روسية.
ويرى معلقون عسكريون أن طهران تولي أهمية كبرى للتزود بمقاتلات روسية حديثة، لكن المشكلة، وفقاً للخبراء، تكمن في رغبة إيران في دفع ثمنها عبر مقايضة ببضائع أو نفط، أو من خلال الحصول على قرض روسي مسهل، وهو أمر لا يستبعد الخبراء أن توافق عليه موسكو.
لكن، في المقابل، كان لافتاً أن تعليقات الصحف الروسية الكبرى أشارت إلى استطلاعات للرأي داخل إيران أظهرت أن غالبية الإيرانيين «لا يثقون بروسيا ويفضلون الحوار مع واشنطن على الاتصالات مع موسكو».
ونقلت صحيفة «كوميرسانت» الرصينة عن مصادر إيرانية أن «الدعم الروسي الكامل لإيران خلال محادثات فيينا؛ بما في ذلك موقف طهران المتشدد برفع العقوبات، عزز العلاقات بين البلدين. ويأمل الإيرانيون في أن تساعد الاتفاقية الجديدة المرتقبة مع موسكو (لـ20 عاماً)، والتي تتناول جميع جوانب العلاقات الثنائية، على تكثيف التعاون... علماً بأن الوثيقة التي نوقشت قبل عامين في ظل الإدارة الإيرانية السابقة لا تزال غير جاهزة».
وفي الوقت نفسه، لفتت الصحيفة إلى نتائج استبيان حديث للرأي أظهر لدى 52 في المائة و35 في المائة من الإيرانيين «مواقف إيجابية تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، على التوالي»، في مقابل مشاعر سلبية تجاه الطرفين لدى 39 في المائة و48 في المائة على الترتيب.
ووفقاً للاستطلاع؛ فقد قال 71 في المائة من المستطلعة آراؤهم إنهم يعارضون «برنامج التعاون بين إيران والصين لمدة 25 عاماً» و66 في المائة يعارضون «اتفاقية تعاون لمدة 20 عاماً بين إيران وروسيا».
وأشارت معطيات إلى «البعد التاريخي لفقدان الثقة» بين الجانبين؛ وهو أمر تحدثت عنه أخيراً صحيفة «اعتماد» الإصلاحية، وقالت إن «عدم الثقة كان حاضراً دائماً في كل الفترات التاريخية؛ سواء في عهد القياصرة وخلال الحكم الشيوعي وفي عهد روسيا المعاصرة».
وفي هذا الإطار، أفاد الاستطلاع الذي تناولته «كوميرسانت» بأن أكثر من 70 في المائة من الإيرانيين يعارضون «الاتفاق بين إيران وروسيا حول الوضع القانوني لبحر قزوين».
علماً بأن البرلمان الإيراني لم يصادق عليه حتى الآن رغم توقيعه منذ عام 2018.
ونقلت الصحيفة عن خبيرة «مركز أبحاث روسيا السياسية»، يوليا سفيشنيكوفا، أن «مزاج الإيرانيين يمكن ألا يكون مستقراً؛ إنما عنصر عدم الثقة بروسيا كان حاضراً دائماً».
ووفقاً لتعليقها؛ فإن المحافظين التقليديين يميلون تقليدياً إلى التعاون مع روسيا والابتعاد عن الغرب، بينما الإصلاحيون، خلاف ذلك، يفضلون التقارب مع الغرب على تعزيز العلاقات مع روسيا.



ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.