غيبريسوس: الجائحة لا تزال بعيدة عن نهايتها

إصابات قياسية في ألمانيا وفرنسا... وقيود جديدة في اليابان

عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

غيبريسوس: الجائحة لا تزال بعيدة عن نهايتها

عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)

أفادت أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، التي صدرت أمس (الأربعاء)، بأن متحور «أوميكرون» بات يتسبب بما يزيد على 72 في المائة من الإصابات العالمية الجديدة بـ«كوفيد - 19».
وجاء في التقرير الوبائي الأسبوعي للمنظمة الدولية أن التحاليل التي أجريت في مختبرات الشبكة العالمية التي تزود المنظمة بالمعلومات عن تطورات المشهد الوبائي أظهرت استمرار الارتفاع العمودي للإصابات في جميع الأقاليم، «مع تزايد مثير للقلق في الضغوط التي تتعرض لها المنظومات الصحية، وارتفاع في عدد الوفيات تسجله بلدان بلغت فيها التغطية اللقاحية مستويات عالية جداً».
وأفاد التقرير بأن البيانات التي شملت الأيام الثلاثين المنصرمة أظهرت أن متحور «دلتا» الذي كان سائداً في العالم حتى مطالع الشهر الماضي ما زال يتسبب في 28 في المائة من الإصابات الجديدة، وأن الطفرات الأخرى مثل «بيتا» و«ألفا» و«غاما» لا تتسبب بـأكثر من 0.1 في المائة من الحالات.
وقال ناطق بلسان المنظمة الدولية، أمس، إنه رغم أن الإصابات الناجمة عن المتحور الجديد لا تترافق مع ازدياد عام في عدد الحالات الخطرة والوفيات، فإنه ينبغي الاستمرار في تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء لخفض عدد هذه الإصابات التي تعيق عمل مراكز الخدمات الصحية الأولية.

تحذير أممي
وتأتي هذه التحذيرات من المنظمة الدولية في الوقت الذي ترتفع أصوات في الأوساط الصحية الأوروبية الداعية إلى «إنفلونزة» (كوفيد - 19) أي معاملته على غرار الإنفلونزا الموسمية، والكف عن احتساب كل الإصابات وإجراء الاختبارات لدى ظهور أدنى الأعراض. لكن منظمة الصحة ما زالت تصر على عدم التسرع، «لأن نهاية هذه الجائحة لا تزال بعيدة»، ولأن «الانتشار المذهل للمتحور الجديد على الصعيد العالمي قد يمهد لظهور طفرات فيروسية أخرى»، ما يستدعي الاستمرار في مراقبة المشهد الوبائي عن كثب وتقويم أخطاره، كما جاء على لسان المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس.
ويركز خبراء المنظمة في تصريحاتهم على رفض الدعوة لخفض تدابير الوقاية والاحتواء، «لأن أوميكرون قد يكون أقل خطورة في المعدل العام بالمقارنة مع الطفرات الأخرى، لكن القول بأنه لا يتسبب سوى بإصابات خفيفة مرفوض وخاطئ، ويضر بجهود الاستجابة الدولية، ويؤدي إلى المزيد من الوفيات»، كما قال غيبريسوس الذي أضاف أن «أوميكرون وراء العديد من الحالات الخطرة والوفيات، فضلاً عن أن الحالات غير الخطرة تنهك المنظومات الصحية».
من جهتها، قالت ماريا فان كيركوفيه كبيرة الخبراء الفنيين في المنظمة: «نسمع أصواتا تقول إن أوميكرون هو آخر المتحورات، وإن الجائحة ستنتهي عنده. هذا ليس صحيحاً، لأن الفيروس ما زال يسري بسرعة وكثافة غير معروفة في جميع أنحاء العالم، حيث زاد عدد الإصابات الجديدة بنسبة 20 في المائة خلال أسبوع واحد». وتابعت كيركوفيه أن العدد الفعلي للإصابات أعلى من المعلن بكثير، ولا بد من الاستمرار في تطبيق الاستراتيجيات المتكاملة للحد من تداعيات الوباء.

تحدي التلقيح
وحذر بروس آيلوارد، رئيس خبراء «كوفيد - 19» في المنظمة من التخلي عن هدف وقف سريان الفيروس، «لأن انتشاره بلا ضوابط سيساعد على ظهور متحورات جديدة ندفع جميعاً ثمناً باهظاً لها». وتستند منظمة الصحة في تحذيراتها إلى البيانات الأخيرة عن عدد الوفيات العالمية، التي ازدادت بنسبة كبيرة جداً في الأقاليم التي تسجل تغطية لقاحية متدنية، مثل أفريقيا حيث ارتفع عدد الوفيات بنسبة 84 في المائة خلال أسبوع واحد.
وقال المدير العام للمنظمة إن الأسابيع المقبلة ستكون قاسية جداً على الطواقم الصحية في البلدان النامية والفقيرة. وقال غيبريسوس: «إذا لم نغير النموذج الحالي، فسندخل في مرحلة ثانية من القلق على صعيد اللقاحات أسوأ بكثير من السابقة».
وكانت كبيرة العلماء في المنظمة سمية سواميناتان شددت على أنه لا توجد أي قرائن تبرر إعطاء الجرعة المنشطة للأطفال أو المراهقين الأصحاء، كما يحصل حالياً في الولايات المتحدة وإسرائيل. ورفضت سواميناتان فكرة تطوير لقاحات مخصصة لمتحورات معينة، ودعت إلى الاستمرار في تطوير لقاحات ضد جميع الطفرات الفيروسية.
إلى جانب ذلك، أعلن معهد «روبرت كوخ» في ألمانيا أن الإصابات اليومية الجديدة حطمت رقماً قياسيا جدياً الأربعاء، تجاوز 112 ألف إصابة وسجلت 239 حالة وفاة، فيما أفادت المملكة المتحدة عن 359 حالة وفاة. وكان ماركو كافالييري، رئيس قسم اللقاحات في الوكالة الأوروبية للأدوية، أفاد بأن الارتفاع المطرد لعدد الإصابات الجديدة في أوروبا ما زال يشكل مصدراً للقلق الشديد وضغطاً متزايدا على العديد من المستشفيات الكبرى، التي بدأت تظهر عليها علامات الإجهاد. وكانت فرنسا والبرتغال وإيطاليا والمجر وبلغاريا أعلنت أمس عن أرقام قياسية جديدة في عدد الإصابات اليومية، وارتفاع طفيف في عدد الوفيات.

تفش واسع في البرازيل
وخارج أوروبا، سجلت البرازيل أيضا عددا قياسيا جديدا للإصابات اليومية بلغ أكثر من 137 ألفا الثلاثاء.
وشهدت الدولة موجة وبائية ثانية مدمرة العام الماضي، عندما تجاوزت حصيلة الوفيات اليومية 4000 حالة، ما رفع العدد الإجمالي للوفيات على أراضيها ليكون الثاني على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة.
وتتزايد الانتقادات للرئيس جاير بولسونارو، الذي شكك مرارا باللقاحات وقلل من خطورة «أوميكرون»، على خلفية طريقة تعامله مع الوباء، فيما يبدو في طريقه لخسارة انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) الرئاسية، وفق استطلاعات رأي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية.

قيود آسيوية
وفي آسيا، من المقرر أن تشدد اليابان القيود على مستوى البلاد، بما في ذلك في طوكيو، في وقت تواجه فيه عددا قياسيا للإصابات بالوباء بسبب تفشي «أوميكرون»، فيما خففت الصين جزئيا القيود على حركة النقل في مدينة شيان، حيث فرضت السلطات على ملايين السكان عزل أنفسهم في منازلهم لأسابيع.
وأعرب خبراء يابانيون، أمس، عن دعمهم إخضاع 13 منطقة لـ«تدابير شبه طارئة اعتبارا من 21 يناير (كانون الثاني) وحتى 13 فبراير (شباط)»، وفق ما أفاد الوزير المسؤول عن شؤون الفيروس دايشيرو ياماغيوا الصحافيين.
ويأتي سماح الصين باستئناف بعض رحلات القطارات بين المدن في شيان اعتبارا من الثلاثاء قبيل عطلة رأس السنة القمرية المرتقبة في وقت لاحق هذا الشهر، والتي تشهد تقليديا حركة سفر واسعة. كما يأتي في وقت تواجه بكين حالات عديدة من الإصابات بالفيروس تشكل اختبارا لتطبيقها نهجها الصارم القائم على «تصفير الإصابات بكوفيد» قبيل استضافتها الأولمبياد الشتوي الشهر المقبل.

حيوانات ناقلة للعدوى
يزداد التركيز حاليا على الحيوانات وكيفية تأثير الفيروس عليها، بعدما أعلن بلدان على الأقل عن إصابات بـ«كوفيد - 19» لدى حيوانات كبيرة وصغيرة جراء عدوى انتقلت بينها وبين البشر. وكشفت دراسة نشرت الثلاثاء في جنوب أفريقيا أن القطط الكبيرة (السنوريات) في الأقفاص داخل حدائق الحيوان معرضة لخطر الإصابة بـ«كورونا» جراء انتقال العدوى من العاملين فيها. وعثر باحثون على أدلة تشير إلى إصابة ثلاثة أسود وأسدي جبال بعدما انتقلت إليها العدوى من الأشخاص المعنيين بتربيتها في حديقة للحيوان في جوهانسبرغ، رغم عدم ظهور أعراض على البعض.
وفي هونغ كونغ، أشارت السلطات إلى مسؤولية حيوان «الهامستر» عن إصابتين بشريتين. وواجهت حكومة المدينة غضبا متزايدا أمس على خلفية قرارها إعدام حوالي 2000 حيوان صغير في متاجر بيع الحيوانات الأليفة، بعدما ثبتت إصابة عدد من الهامستر التي تباع في المتاجر بـ«كوفيد - 19». وقالت وزيرة الصحة صوفيا تشان للصحافيين: «لا توجد أدلة بعد على الصعيد الدولي تثبت بأنه بإمكان الحيوانات الأليفة نقل فيروس (كورونا) إلى البشر. لكننا (...) سنتخذ إجراءات وقائية ضد أي ناقل للعدوى».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended