مالي.. المصالحة الصعبة

«إقليم أزواد» بات معضلة لمنطقة الساحل الأفريقي والمتهمين بأمنها

مالي.. المصالحة الصعبة
TT

مالي.. المصالحة الصعبة

مالي.. المصالحة الصعبة

بعد ثمانية أشهر من المفاوضات العصيبة، تسلّمت الوفود التي تمثل حكومة دولة مالي وست حركات مسلحة في شمال البلاد، في أحد فنادق العاصمة الجزائرية، مقترح اتفاق لإنهاء الصراع الذي بدأ منذ عدة عقود وتجدد قبل ثلاث سنوات بتمرد مسلح كاد يعصف بكيان الدولة في مالي. وشكل المقترح الجديد آخر أملٍ لدى الوساطة الدولية في التوصل إلى حل سلمي بين أطراف الأزمة.
الاتفاق الجديد حظي بمباركة الحكومة وثلاث حركات مسلحة موالية لها، ووقعته في 1 مارس (آذار) الماضي، فيما رفضت ثلاث حركات أخرى التوقيع عليه متحفظة على بعض بنوده وخلوه من نقاط تعدها محورية في أي حل للأزمة. وبالتالي، المجموعة الدولية لجأت إلى سياسة الجزرة والعصا في التعامل مع أطراف الأزمة، ولوحت بفرض عقوبات على من يرفض التوقيع على الاتفاق.

مقترح الاتفاق الذي ومن شأنه أن ينهي الصراع في مالي وإن كان يواجه صعوبات كبيرة إلا أنه يحمل معه الأمل في استعادة الاستقرار في هذا البلد الواقع في غرب القارة الأفريقية والذي يعد واحدا من أفقر بلدان العالم، ويعاني من حالة انقسام حادة ما بين الشمال الذي تقطنه أقلية من العرب والطوارق، والجنوب الذي تسكنه عرقيات أفريقية تشكل الأغلبية وتهيمن على الحكم في البلاد، وتتهم من طرف الطوارق والعرب بتهميش الشمال وتركه فريسة للفقر والجهل وانعدام البنية التحتية.
هذا الوضع قاد إلى ظهور حركات تمرد مسلحة مباشرة بعد استقلال مالي عن المستعمر الفرنسي عام 1960. وظلت تتجدد بشكل دائم حتى التمرد الأخير الذي بدأ يناير (كانون الثاني) من عام 2012، وأسفر عن سيطرة الجماعات المسلحة على شمال مالي وإعلان الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وهي واحدة من أكبر الحركات المسلحة المتمردة، استقلال دولة أزواد. ولكن هذا الإعلان ظل من جانب واحد ولم يحظ بأي اعتراف دولي، قبل أن تتراجع عنه الحركة لتدخل في مفاوضات شاقة مع الحكومة المركزية تطالب فيها بـ«الاستقلال الذاتي» أو على الأقل «نظام فيدرالي» يمكنها من إدارة الإقليم.
الجزائر بحكم قربها من شمال مالي، وتأثرها المباشر بتدهور الوضع الأمني في المنطقة، ظلت حاضرة بقوة في المعادلة الأمنية والسياسية في مالي، حيث استطاعت خلال عمليات التمرد التي عاشتها مالي في العقود الثلاثة الماضية أن تكون الحاضنة لمفاوضات شاقة أسفرت عن اتفاقية تمنراست 1991 والميثاق الوطني عام 1992، بالإضافة إلى اتفاقية الجزائر عام 2006. ولكن جميع هذه الاتفاقيات وإن كانت نجحت في إخماد التمرد وتهدئته، إلا أنها لم تنجح في حل معضلة «إقليم أزواد» المزمنة، التي أصبحت تشكل صداعا لمنطقة الساحل الأفريقي المضطربة.

دروس الماضي

تحاول الجزائر في الاتفاق الجديد أن تتفادى أخطاء الاتفاقيات السابقة، والوصول إلى حل نهائي لأزمة شمال مالي، وذلك من خلال قيادتها لفريق الوساطة الدولية الذي يضم بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي بالإضافة إلى عدد من المنظمات الدولية والبلدان المجاورة لمالي: النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد.
واجه فريق الوساطة الدولية في البداية صعوبة كبيرة من خلال تسمية «أزواد»، حيث يصر المتمردون على أن يتضمن الاتفاق اعترافا رسميا بتسمية «أزواد» وذلك بوصفه «هوية جغرافية وسياسية محددة، ولديه شخصيته المستقلة التي تعطيه الحق في حكامة مبنية على تاريخه وواقعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي»، وهو المطلب الذي ما تزال الحكومة المالية ترفضه حتى الآن وتعتبره مساسا بوحدتها الترابية.
ومن جهته، حاول فريق الوساطة الدولية أن يخرج من الإحراج باستخدام عبارة مطولة «شمال مالي الذي يسميه البعض أزواد». وفي نص الاتفاق الجديد توجد دعوة صريحة إلى القبول بإقليم أزواد كـ«حقيقة اجتماعية وثقافية مشتركة لدى سكان شمال مالي»، من دون إعطائه أي صبغة سياسية، وفق ما يطالب به المتمردون وترفضه الحكومة.
ولكن الاتفاق الجديد يحاول أن يقدم حلا لما قال إنه «مشكلة الوحدة الوطنية» في مالي وذلك عبر ما سماه «إعادة بناء الوحدة الوطنية في البلد عبر قواعد مبتكرة تحترم وحدته الترابية، وتأخذ في الاعتبار تنوعه الثقافي والعرقي»، حيث توجد في مالي أكثر من 3 آلاف عرقية أغلبها يقطن في الجنوب، بينما تتفاقم أزمة التعايش في شمال البلاد حيث توجد أقلية من العرب والطوارق.
وفي ظل ارتباط أزمة الوحدة الوطنية والتعايش بين المكونات العرقية في مالي، بأبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة ظلت تتراكم لعدة عقود، اقترح الاتفاق الجديد اعتماد «التوازن في الميزانية والتنمية» من خلال ما يمكن وصفه بأنه «سياسة تمييز إيجابي» لصالح المناطق الأكثر فقرا وفي مقدمتها شمال البلاد، حيث ينص الاتفاق على أن «تحوّل الحكومة 30 في المائة من عائدات الدولة المركزية إلى السلطات المحلية، مع اهتمام خاص بالمناطق الشمالية»، بالإضافة إلى إنشاء «منطقة تنموية في الشمال» ممولة بالكامل من طرف المجموعة الدولية للرفع من مستوى المعيشة لدى سكان الإقليم في إطار خطة تستمر لخمسة عشر عاما.
وبخصوص آليات إدارة الشأن العام في شمال مالي، تضمن الاتفاق الجديد تشكيل مجالس محلية تنتخب بشكل مباشر، ودعا الحكومة المركزية في باماكو إلى تهيئة الأرضية لانتخابات محلية جديدة ستنظم في غضون 18 شهرا لتشكيل هذه المجالس التي ستتولى إدارة الشأن العام في شمال البلاد بصلاحيات واسعة، مع وصاية من طرف الحكومة المركزية في باماكو.
ومن جهة أخرى، ينص الاتفاق الجديد على إنشاء «جهاز شرطة محلية» يشارك في إنشائه جميع الأطراف التي شاركت في مفاوضات الجزائر؛ وذلك عبر دمج مقاتلي الحركات المتمردة وتلك الموالية للحكومة في الجيش المالي، وتنظيم دوريات مشتركة في انتظار إعادة انتشار القوات المالية في الشمال في غضون شهرين. وما تزال قضية دمج مقاتلي الحركات المتمردة محل جدل بين أطراف الأزمة حيث تصر الحركات على ضرورة احتفاظها بالسلاح لضمان تطبيق بنود الاتفاق، في استحضار واضح للاتفاقيات السابقة التي يقولون إنها لم تطبق لأنهم تخلوا عن أسلحتهم وفقدوا ورقة ضغط مهمة على الحكومة المالية؛ فيما ترفض باماكو أي وجود عسكري خارج إطار الجيش الحكومي.
اتفاق الجزائر الجديد الذي جاء في 30 صفحة باللغة الفرنسية، وإن كان قد تحدث عن جميع محاور الأزمة التي يعيشها شمال مالي، إلا أنه يبقى «مجرد اتفاق مرحلي وليس نهائيا» حيث أوضح أنه لا بد من عقد مؤتمر وطني في غضون عامين لمناقشة «الأسباب الحقيقية والعميقة للصراع في شمال مالي»، بهدف التوصل إلى «اتفاق سلام نهائي وشامل».

الصراع القبلي

الاتفاق الجديد وإن كان قد حظي بمباركة جميع الأطراف المشاركة في المفاوضات، إلا أنه واجه تحفظا من طرف ثلاث حركات مسلحة منخرطة في إطار ما يعرف بمنسقية الحركات الأزوادية التي تضم: الحركة الوطنية لتحرير أزواد والمجلس الأعلى لوحدة أزواد والحركة العربية الأزوادية؛ حيث اعترضت هذه الحركات على بعض بنود الاتفاق وخلوه من أي إشارة إلى «نظام فيدرالي» لإدارة الإقليم ودعت إلى منحها «مهلة معقولة» للتشاور مع «قواعدها الشعبية»، وذلك في محاولة واضحة لتهدئة الشارع في عدد من مدن شمال مالي شهدت مظاهرات رافضة للاتفاقية التي وصفها بعض السكان المحليين بأنها «مجحفة في حقهم».
الصراع المسلح الدائر بين المتمردين الطوارق والحكومة المركزية في باماكو، يطوي في ثناياه خلافات محلية أكثر عمقا ويحمل خطورة كبيرة على مشروع المصالحة في البلد الهش، حيث تبرز على السطح صراعات ذات طابع قبلي داخل الطوارق أنفسهم، يشير مراقبون إلى أن الحكومة المالية لعبت دورا كبيرا في إذكائها لشق صف المتمردين.
في صحراء أزواد كل شيء يتحرك ويتغير وفق معادلة معقدة يختلط فيها عوامل الأمن والسياسة والتهريب والإرهاب والأطماع الدولية في الثروات التي تنام في جوف الصحراء؛ الثابت الوحيد في هذه المعادلة المعقدة هو القبيلة بوصفها المحرك الرئيس لجميع هذه العوامل.
قبيلة «إيفوغاس» هي الأكثر عددا من بين قبائل الطوارق، تتمركز هذه القبيلة في منطقة كيدال التي تعد معقل المتمردين الطوارق. وينحدر من «إيفوغاس» أغلب قيادات الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي تسعى لإقامة دولة ديمقراطية ذات طابع علماني في إقليم أزواد؛ كما ينحدر منها جميع قيادات المجلس الأعلى لوحدة أزواد، وهو المجلس الذي قام على أنقاض «جماعة أنصار الدين» التي أسسها إياد أغ غالي عام 2012 من أجل إقامة «إمارة إسلامية» في مالي، والمفارقة هي أن أغ غالي هو الآخر ينحدر من نفس القبيلة.
تتحالف قبيلة «إيفوغاس» ذات الشوكة مع قبائل عربية تملك نفوذا كبيرا وتنحدر منها قيادات «الحركة العربية الأزوادية»؛ وذلك من أجل مواجهة قبائل «إيمغاد» الطوارقية ذات العداء التاريخي مع «إيفوغاس» والطامحة للمزيد من النفوذ في الإقليم الصحراوي الشاسع. مع مرور الوقت يتصاعد نفوذ قبيلة «إيمغاد» التي شكلت مؤخرا ميليشيات تعرف باسم «غاتيا» وتحالفت مع الجيش المالي، قبل أن تدخل في مواجهات مسلحة عنيفة مع المتمردين خلال الأشهر الماضية، كادت أن تعصف بالمساعي الدولية للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي.
ويشير مراقبون إلى أن قبيلة «إيفوغاس» كانت خلال العقود الماضية الحليف القوي للحكومة المركزية ولعبت أدوارا كبيرة في إخماد عمليات التمرد السابقة، ولكن باماكو بدأت في السنوات الأخيرة تعتمد أكثر على قبيلة «إيمغاد» التي وصل أحد أبرز قادتها العسكريين إلى رتبة جنرال في الجيش المالي؛ ما أثار حفيظة «إيفوغاس» التي استخدمت الحركات المسلحة التابعة لها من أجل تأزيم الوضع لتؤكد لباماكو أن أي مساعي لتحقيق السلام في شمال مالي يجب أن تمر عبرها وليس عبر «إيمغاد»؛ وأن استقرار إقليم أزواد لن يتحقق من دون موافقة رجال «إيفوغاس».
من جهة أخرى يزداد الوضع في شمال مالي تعقيدا في ظل النشاط المتزايد لشبكات التهريب والتنظيمات الإرهابية التي تصب الزيت على النار لتعميق الخلافات بين قبائل الطوارق حتى تسد الطريق أمام التوقيع على أي اتفاق سلام قد يهدد تحالفاتها السرية التي تؤمن لها طرق التهريب عبر الصحراء الشاسعة والبعيدة عن أي رقيب.

المستقبل الغامض

رغم الإعلان رسميا عن موعد التوقيع على الاتفاق الجديد يوم 26 مارس (آذار) الحالي في العاصمة المالية باماكو، فإن عدة أصوات أعلنت معارضتها للاتفاق سواء في صفوف المتمردين أو حتى في جنوب البلاد. ذلك ما عبر عنه القيادي في الحركة الوطنية لتحرير أزواد موسى أغ السعيد، لـ«الشرق الأوسط» حين قال إن «الاتفاق تم فرضه من طرف المجموعة الدولية التي هددت من يرفض توقعيه بالعقوبات». وأضاف أغ السعيد الذي يقيم في فرنسا أن «الاتفاق لم يأخذ في الاعتبار تطلعات سكان إقليم أزواد، إنه وثيقة تقوم على اللامركزية ولا تتحدث عن أي حكم ذاتي أو فيدرالي؛ واللامركزية لا تلبي مطالب الشعب الأزوادي، الاتفاق الجديد أقل قيمة من الميثاق الوطني الذي وقع في الجزائر عام 1992، ولن يحل المشكلة حتى ولو تم التوقيع عليه».
في المقابل، كان معارضو الاتفاق في العاصمة باماكو يمن دون مخاوفهم من التمييز الإيجابي الذي سيحظى به الشمال على حساب مناطق أخرى من البلاد. وقال المحلل عمر بامبا في اتصال مع «الشرق الأوسط» من باماكو إن «الاتفاق الجديد يمنح امتيازات كبيرة للمناطق الشمالية، رغم أنه تفادي تسمية الشمال بأزواد، فإنه بدا واضحا أن هنالك دولة داخل الدولة، وبالتالي لن نستغرب إذا عاد الانفصاليون للمطالبة بالاستقلال بعد عشر سنوات، ويستخدمون الوسائل التي منحناهم لمحاربتنا.. إنه نفس السيناريو الذي وقع في السودان».

في صحراء أزواد كل شيء يتحرك ويتغير وفق معادلة معقدة يختلط فيها عوامل الأمن والسياسة والتهريب والإرهاب والجريمة المنظمة والأطماع الدولية في الثروات التي تنام في جوف الصحراء. الثابت الوحيد في هذه المعادلة المعقدة هو القبيلة بوصفها المحرك الرئيسي لجميع هذه العوامل.
ذلك ما يتضح أكثر عندما نلقي نظرة خاطفة على الحركات المسلحة التي تنتشر في الإقليم وتتكاثر يومًا بعد يوم:
> الحركة الوطنية لتحرير أزواد: تأسست عام 2011 من طرف قيادات عسكرية من قبائل «إيفوغاس» الطوارقية، وبدأت بقوة عسكرية اعتمدت فيها على سلاح مقاتلي الطوارق المنشقين من «الكتيبة الخضراء» للرئيس الليبي السابق معمر القذافي، تسعى لإقامة دولة ديمقراطية ذات طابع علماني في إقليم أزواد.
> المجلس الأعلى لوحدة أزواد: تأسس عام 2013 من طرف قيادات قبلية من «إيفوغاس» كانت في واجهة جماعة «أنصار الدين» التي سيطرت في عام 2012 على مناطق واسعة من شمال مالي بالتحالف مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
> الحركة العربية الأزوادية: تأسست عام 2012 بعد أن تمكن المتمردون الطوارق من طرد الجيش المالي من شمال البلاد، حيث بدأت القيادات القبلية العربية في التحرك من أجل إيجاد موطئ قدم لها في الإقليم، ولكن الحركة ظلت تعاني من التفكك والانقسام؛ فيما ظلت النواة الأولية متحالفة مع قبائل «إيفوغاس» وتتفق في المشروع الانفصالي مع الحركتين السابقتين.
> الحركة العربية الأزوادية (المنشقة): انشقت عام 2014 عن الحركة الأم بسبب خلافات داخلية، ويتحالف المنشقون مع قبائل «إيمغاد»، ويعلنون رفضهم لتقسيم دولة مالي.
> الائتلاف الشعبي من أجل أزواد: تأسس عام 2014 على يد منسحبين من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ويوصف بأنه مقرب من الحكومة المالية، فيما يحاول أن يظهر على أنه منحاز لسكان إقليم أزواد.
> تنسيقية الحركات والجبهات الوطنية للمقاومة: تأسست على يد قبائل السونغاي الزنجية في تسعينات القرن الماضي كردة فعل على حمل الطوارق والعرب للسلاح، وبدأت كقوة للدفاع الذاتي من أجل تأمين السكان، قبل أن تتحول إلى ميليشيات ارتكبت مجازر بشعة ضد البدو الرحل من الطوارق والعرب خلال تمرد التسعينات.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.