رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

كتاب وشعراء عدوا غيابه «خسارة فادحة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي
TT

رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

«ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي.. متونسة بحس مين يا مصر في غيابي؟!».. هذا السؤال الذي طرحه الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبل سنوات، بات أمس سؤاله الخاص، بعد أن غيبه الموت عن عمر يناهز 76 عاما. وبعد رحلة خصبة مع الحياة والشعر طوى دفترها أمس بمحبة طفل عاشق لتراب الوطن والشعر. رحلة استطاع خلالها أن يكون أحد فرسان الشعر الكبار، في مصر والعالم العربي، بعد أن جعله يمشي على لسان البسطاء، ويجسد أحلامهم وأشواقهم في الحياة.
ونعت الرئاسة المصرية رحيل الشاعر الكبير وقالت في بيان أمس إن «مصر والعالم العربي فقدا شاعرا عظيما وقلما أمينا ومواطنا غيورا على وطنه وأمته العربية».
وبأسى بالغ ودع الكتاب والشعراء والمثقفون المصريون شاعرهم الفقيد إلى مثواه الأخير بمدينة الإسماعيلية (شرق القاهر)، والتي انتقل للعيش بها منذ سنوات، نظرا لجوها المعتدل وبناء على نصيحة الأطباء، بعد أن داهمته أمراض الرئة وضيق التنفس.
ولد الأبنودي في11 أبريل (نيسان) عام 1939، بقرية أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر، وكان أبوه يعمل مأذون القرية، وأحب الشعر منذ نعومة أظفاره، وفي سنوات الصبا بالقرية نظم عددا من القصائد الوطنية، ومع انغماسه في الشعر انقطع عن الدراسة ولم يتم تعليمه بعد المرحلة الثانوية، لكنه بعد سنوات طويلة وبعد أن ذاع صيته كشاعر التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتخرج فيها حاصلا على ليسانس اللغة العربية.
شكل الأبنودي ضلعا قويا في مثلث أدبي متوهج من الجنوب، اقتحم العاصمة القاهرة في ستينات القرن الماضي، وأثار ما يشبه العاصفة الفنية في أوساط الحياة الأدبية في مصر آنذاك، مع صديقيه الراحلين الشاعر الراحل أمل دنقل، والقاص يحيى الطاهر عبد الله.
يروي الأبنودي عن تلك الفترة في مذكرات عنه قائلا «قبل الانتقال النهائي للقاهرة والإقامة بها مع أحد بلدياتنا أنا والشاعر الراحل أمل دنقل.. وفي بلدتنا قنا وبعد أن ذاع صيتنا في البلاد التي حولنا كشعراء جدد.. جاءنا شاب اسمر من الأقصر وهو الروائي الراحل يحيي الطاهر عبد الله. والذي عرفنا منه أنه ترك قريته هناك لكي يعيش معي هنا في قنا.. وقد فوجئت به أمي حين أخبرها أنه يريد أن يعيش معنا في بيتنا. وقد سمحت له بذلك إلى أن اصطحبنا حين انتقلنا إلى القاهرة. وقد سلك طريق كتابة الرواية واشتهر في مجالها وتمسكت أنا وأمل بكتابة الأشعار.. وفي هذه الفترة أو في هذه المرحلة كنت قد بدأت أراسل الصحف بالقاهرة وكذلك مجموعة من الشعراء هناك.. وقد لعب الحظ دوره الكبير حين نشر لي الشاعر الراحل الكبير صلاح چاهين أول قصائدي في مجلة (صباح الخير) وفي باب كان يحرره تحت عنوان: شاعر أعجبني».
يضيف الأبنودي عن هذه الواقعة المحورية في حياته قائلا: «طبعا.. كنا في أيامها نعيش خطرا داهما.. في مجال زراعة القطن.. حين انتشرت الدودة وأصبحت تهدد هذا المحصول. وقتها كتبت قصيدة عن القطن وكيف نقاوم هذا الخطر وفوجئت في عدد (صباح الخير).. أن صلاح چاهين نشر هذه القصيدة مصحوبة برسم لأكبر رسامي المجلة.. ومنذ أن نشرت هذه القصيدة العامية أحسست أنني قد وضعت قدمي فوق مشوار الشعر. كما أنها فتحت لي أبوابا كثيرة، حيث عرف الناس في المحيط الذي كنت أعيش فيه هناك أنني أصبحت شاعرا. والحقيقة أن أهمية هذه القصيدة أو هذه الأغنية لم تتوقف عند هذا الحد.. بل جعلتني ارتبط بالشاعر الكبير صلاح چاهين وساهمت كذلك في دخولي عالم الطرب من أوسع أبوابه. حين فوجئت بأن كلمات هذه القصيدة تغنى في الإذاعة. ولما سألت الأستاذ صلاح جاهين أكد لي صحة هذا الخبر. بل وطلب مني أن أذهب إلى الأستاذ (محمد حسن) الشجاعي (رئيس) الإذاعة وكان وقتها مسؤولا عن الغناء والموسيقي ولما سألته عن السبب.. طلب مني فقط أن أذهب إليه لأعرف السبب».
وفي بداياته الشعرية انعكست حياة البيئة الصعيدية الخصبة وإرثها الحضاري والثقافي، بل ولهجتها الخاصة في أعماله الشعرية، وعلى نحو خاص (الأرض والعيال) 1964، والذي صدر بدراسة ضافية للشاعر عبد الرحمن الخميسي، ثم (الزحمة) 1967، و(عماليات) 1968، و(جوابات حراجي القط) 1969، والذي جسد فيه ملمحا من ملامح البطولة والوطنية المصرية خاصة في أثناء بناء السد العالي. ولم يفارق شعره حيوية الفضاء الصعيدي، بل ظل يومض في قصائده فيما بعد، على شكل حنين دائم للطفولة، ووجه الأب والأم والأسرة، ورائحة الأرض والأجداد.
ورغم أن الساحة الشعرية المصرية آنذاك كانت حاشدة بشعراء كبار ورواد سواء في شعر العامية أو الفصحى، ومنهم فؤاد حداد وصلاح جاهين، فإن الأبنودي وعلى المستوى الفني استطاع أن يحقق انتقالة مهمة في مسيرة شعر العامية المصري، حيث اكتسب للقصيدة العامية أرضا شاسعة، وجعلها لصيقة بالوجدان العام، بعد أن تغنى بها كبار المطربين والمطربات، على المستوى العاطفي والوطني، كما نجحت في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية وكسر الحصار المضروب حولها في جوائز الدولة للفنون والآداب، فكان أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية عام 2001. «الأبنودي» عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر. كما حصل على جائزة الشاعر محمود درويش للإبداع الفني 2014، لكن التتويج الأبرز كان مع حصوله على جائزة النيل أرفع جوائز الدولة للآداب في مصر وذلك في عام 2010.
عاصر الشاعر عبد الرحمن الأبنودي جيل الحداثة في مصر، وشهد تحولات سياسية واجتماعية مختلفة في عهد عبد الناصر وأنور السادات، وعلى الرغم من انتقاده لكلا النظامين من خلال قصائده، فإنه كان يضمر حماسا خاصا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رغم أنه سجن في عصره، عام 1966، بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي واعتقل لمدة أربعة أشهر في سجن القلعة حتى تم الإفراج عنه، وكتب عنه لاحقا أكثر من قصيدة لتخلد ذكراه.
وقال في قصيدة حديثة له عن الزعيم الراحل: «مش ناصري ولا كنت في يوم بالذات في زمنه وفى حينه، لكن العفن وفساد القوم نساني حتى زنازينه.. إزاي ينسينا الحاضر طعم الأصالة اللي في صوته.. يعيش جمال عبد الناصر يعيش جمال حتى في موته».
ومن أبرز إسهاماته في مجال التراث الشعري الشعبي جمع وتحقيق السيرة الهلالية التي ظل سنوات يجمعها من شعراء الصعيد، وسافر من أجلها إلى بلدان أخرى خاصة إلى تونس.
ولم يخل تاريخ الراحل الكبير من دراسات وكتب ضمت مقالاته في الصحف المصرية وله كتاب بعنوان «أيامي الحلوة» نشر على حلقات منفصلة بملحق أيامنا الحلوة في جريدة «الأهرام»، ثم تم جمعها في كتاب واحد يحكي قصصًا وأحداثًا مختلفة من حياته في صعيد مصر. كما أن له عددا من الدراسات الأدبية التي تبحث في التراث الشفاهي والموسيقي لمصر، ومن أهمها كتاب بعنوان «غنا الغلابة»، وهو دراسة عن الأغنية ومحاولة تأصيل جذورها المتشعبة في التراث المصري.
وكان الأبنودي من أوائل الشعراء الذين قدموا برامج في الإذاعة والتلفزيون الرسمي، ومن أبرز تلك البرامج تقديمه لشاعر السيرة الهلالية جابر أبو حسين. كما قدم ديوان وجوه على الشط للإذاعة.
نقلة موازية أخرى تتقاطع مع أعماله الشعرية أنجزها الأبنودي في فضاء الأغنية، خلصها من المجاز العاطفي العالي، واكتسبت مجاز الأرض والواقع، الشارع والحارة والقرية، وجسدت كتاباته مراهقة الحياة والأحلام ومفارقات العاطفة المشبوبة بالأمل في الحب والمستقبل. ورغم أنه كتب الكثير من الأغاني لعدد من المطربين الكبار منهم (عبد الحليم حافظ - محمد رشدي - فايزة أحمد - نجاة الصغيرة – شادية - صباح – ماجدة الرومي – وردة)، فإن أغانيه الوطنية والعاطفية مع الفنان عبد الحليم حافظ، كانت بمثابة رحلة خاصة في مسار الأغنية في مصر، امتزجت في إيقاعها دلالات النضال والكفاح الوطني حيث خلق حالة من الوحدة التي جمعت بين قلوب المصريين والعرب. وقدم معه باقة من الأغاني الوطنية حفرت في وجدان الناس حتى أصبحت سلاحا للمقاومة والتحدي خاصة بعد هزيمة 67 من أجل الخلاص من نكسة يونيو (حزيران).
وأنجز الأبنودي في تلك الفترة مجموعة كبيرة من هذه الأغنيات من أبرزها «اضرب»، و«ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار»، و«احلف بسماها وبترابها» التي لم يبدأ عبد الحليم أيا من حفلاته إلا بها حتى انتصار الجيش المصري في 1973.
لكن أغنية «موال النهار» التي كتبت عقب النكسة تنفرد بحضور خاص في تاريخ الأبنودي، حيث شكلت إحدى علامات الشجن العميق في الذاكرة المصرية وجسدت روحا جديدة من التحدي خلال تلك المرحلة.
وامتدت مغامرة الأبنودي الشعرية إلى عالم السينما فكتب الحوار والأغاني للفيلم الشهير «شيء من الخوف»، كما كتب أغاني وحوار فيلم «الطوق والإسورة» المأخوذ عن رواية صديقه يحيى الطاهر عبد الله. كما كتب عشرات الأغاني لأعمال درامية من أبرزها أغاني مسلسل «النديم» و«ذئاب الجبل» وفيلم «البريء».
عن دور الأبنودي ورحيله قال الشاعر زين العابدين فؤاد إنه لا يشارك في رثاء شاعر كبير في حجم وقيمة عبد الرحمن الأبنودي، لأن الشعراء والمبدعين لا يموتون، ولكن احتفل بالأثر العظيم الذي تركوه في حياتنا، لافتا إلى أن أعمال الأبنودي ستبقى بين الأجيال لسنوات بعيدة قادمة.
وكأن شعر العامية يرحل في أبريل الذي واكب مولد ورحيل الأبنودي، واكب أيضا ذكرى رحيل أستاذه وأستاذ أجيال العامية اللاحقين الكبير صلاح جاهين.
وتابع قائلا: «تعرفت على الأبنودي عام 1962 وعرفته بصحبة الشاعر الكبير سيد حجاب، وكنا لفترة طويلة نلتقي يوميا، وأنه شاهد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم في منزله بمنطقة بولاق الدكرور وكان برفقته الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله».
وأكد الشاعر زين العابدين فؤاد أنه كان يوجد بشكل يومي هو والأبنودي بصحبة الشاعر الراحل أمل دنقل أثناء وجوده في المستشفى، وأن دنقل قبل وفاته حدد 5 أسماء يسافرون مع جثمانه إلى الأقصر وهم: الناقد الكبير دكتور عبد المحسن طه بدر، ودكتور جابر عصفور وزير الثقافة السابق، والشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي والسيدة منى أنيس وأنا، للسفر مع زوجته عبلة الروينى إلى بلدته.
وأشار إلى أن الاحتفاء الحقيقي بعبد الرحمن الأبنودي أن تتم دراسة أعماله بشكل جيد، وأن النقد الأدبي غائب عن شعر العامية، وهو أمر لا يجب أن يستمر وهناك أعمال لشعراء كبار لم يتم تناولها إلى الآن.
وقال الأديب يوسف القعيد إن وفاة الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي خسارة كبيرة ليس لمصر فقط، وإنما للعالم العربي كله، وإن المبدعين من أمثال الشاعر الكبير لا يموتون وإنما يبقون وسط الناس بإبداعهم وأعمالهم.
وأضاف القعيد أن الشاعر الراحل طالب بأن يدفن في محافظة الإسماعيلية حيث عاش سنواته الأخيرة، مطالبا الهيئة العامة للكتاب بأن تطبع الأعمال الشعرية الكاملة على «سي دي» حتى يعرفها كل الأجيال إلى جانب طباعة الدواوين التي قدمها طوال تاريخه الإبداعي.
وأشار إلى أن أعمال المبدع الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي تعد بمثابة توثيق وتأريخ لكل الأحداث التي مرت بمصر على مدى العقود التي واكبها من خلال تناوله لكافة هذه الأحداث برؤية وطنية لا ينساها أبناء الشعب المصري.
وأكد ضرورة أن تقوم وزارة الثقافة بإقامة متحف كبير في بلدته «أبنود» على أن يضم كافة متعلقاته والوثائق التي يمتلكها وجمعها خلال رحلته الإبداعية.
كما وصف الشاعر فاروق جويدة رحيل الأبنودي بالخسارة للشعر المصري والعربي. وقال إن الأبنودي «صاحب مدرسة خاصة في أسلوبه ولغته وهو من أكثر الشعراء تواصلا مع الجماهير، واستطاع لفترة طويلة أن يكون صوت الشعب».
وأضاف جويدة أن «الأبنودي امتاز برقة شديدة في كلمات أغانيه العاطفية، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل طريقة أدائه لشعره، خاصة وأنه من جنوب مصر، وكان يعبر بصدق عن قضايا البسطاء، وعرفته لفترات طويلة وكان إنسانا مهذبا وساخرا من كل الأشياء وتمتع ببساطة الإنسان المصري».
وأشار إلى أن وفاة الأبنودي خسارة كبيرة على كل المستويات، وهو من الشعراء الذين احتضنوا قضايا بلدهم وأمتهم، وكان أيضا يمتلك قدرة كبيرة على التواصل مع الآخرين بسبب المعايشة الجيدة لهموم وطنه، وأن أهم ما ميزه هو صدقه الشديد وإيمانه بقضايا بلاده.
وقدم الدكتور محمد عفيفي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، تعازيه للشعب المصري والعربي وأسرة الأبنودي، معتبرا أن رحيله خسارة كبيرة لشعر العامية، والشعر المصري عموما.
عاش الأبنودي حياة مغامرة مليئة بالصدف والمفارقات، والعداءات والنجاحات والمواقف، لكنه كان يستقبلها بروح الشاعر المطمئن لقصيدته، وفلسفته البسيطة عن الفن والحياة، فكان غامضا إلى حد الوضوح، كما امتزجت في شخصيته، حكمة الفلاح وترويضه الماكر المحب للأرض، وشهامة الصعيدي، الذي ينهض لمساندة البسطاء والضعفاء بعفوية وتلقائية، وقد انعكس كل هذا على شعره. وأغانيه كانت خيطا رفيعا وشيقا يتموج بين السهل الممتنع في الوقت نفسه.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».