رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

كتاب وشعراء عدوا غيابه «خسارة فادحة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي
TT

رحيل عبد الرحمن الأبنودي.. «شاعر الغلابة»

عبد الرحمن الأبنودي
عبد الرحمن الأبنودي

«ياللي سهرتي الليالي يونسك صوتي.. متونسة بحس مين يا مصر في غيابي؟!».. هذا السؤال الذي طرحه الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبل سنوات، بات أمس سؤاله الخاص، بعد أن غيبه الموت عن عمر يناهز 76 عاما. وبعد رحلة خصبة مع الحياة والشعر طوى دفترها أمس بمحبة طفل عاشق لتراب الوطن والشعر. رحلة استطاع خلالها أن يكون أحد فرسان الشعر الكبار، في مصر والعالم العربي، بعد أن جعله يمشي على لسان البسطاء، ويجسد أحلامهم وأشواقهم في الحياة.
ونعت الرئاسة المصرية رحيل الشاعر الكبير وقالت في بيان أمس إن «مصر والعالم العربي فقدا شاعرا عظيما وقلما أمينا ومواطنا غيورا على وطنه وأمته العربية».
وبأسى بالغ ودع الكتاب والشعراء والمثقفون المصريون شاعرهم الفقيد إلى مثواه الأخير بمدينة الإسماعيلية (شرق القاهر)، والتي انتقل للعيش بها منذ سنوات، نظرا لجوها المعتدل وبناء على نصيحة الأطباء، بعد أن داهمته أمراض الرئة وضيق التنفس.
ولد الأبنودي في11 أبريل (نيسان) عام 1939، بقرية أبنود بمحافظة قنا بصعيد مصر، وكان أبوه يعمل مأذون القرية، وأحب الشعر منذ نعومة أظفاره، وفي سنوات الصبا بالقرية نظم عددا من القصائد الوطنية، ومع انغماسه في الشعر انقطع عن الدراسة ولم يتم تعليمه بعد المرحلة الثانوية، لكنه بعد سنوات طويلة وبعد أن ذاع صيته كشاعر التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتخرج فيها حاصلا على ليسانس اللغة العربية.
شكل الأبنودي ضلعا قويا في مثلث أدبي متوهج من الجنوب، اقتحم العاصمة القاهرة في ستينات القرن الماضي، وأثار ما يشبه العاصفة الفنية في أوساط الحياة الأدبية في مصر آنذاك، مع صديقيه الراحلين الشاعر الراحل أمل دنقل، والقاص يحيى الطاهر عبد الله.
يروي الأبنودي عن تلك الفترة في مذكرات عنه قائلا «قبل الانتقال النهائي للقاهرة والإقامة بها مع أحد بلدياتنا أنا والشاعر الراحل أمل دنقل.. وفي بلدتنا قنا وبعد أن ذاع صيتنا في البلاد التي حولنا كشعراء جدد.. جاءنا شاب اسمر من الأقصر وهو الروائي الراحل يحيي الطاهر عبد الله. والذي عرفنا منه أنه ترك قريته هناك لكي يعيش معي هنا في قنا.. وقد فوجئت به أمي حين أخبرها أنه يريد أن يعيش معنا في بيتنا. وقد سمحت له بذلك إلى أن اصطحبنا حين انتقلنا إلى القاهرة. وقد سلك طريق كتابة الرواية واشتهر في مجالها وتمسكت أنا وأمل بكتابة الأشعار.. وفي هذه الفترة أو في هذه المرحلة كنت قد بدأت أراسل الصحف بالقاهرة وكذلك مجموعة من الشعراء هناك.. وقد لعب الحظ دوره الكبير حين نشر لي الشاعر الراحل الكبير صلاح چاهين أول قصائدي في مجلة (صباح الخير) وفي باب كان يحرره تحت عنوان: شاعر أعجبني».
يضيف الأبنودي عن هذه الواقعة المحورية في حياته قائلا: «طبعا.. كنا في أيامها نعيش خطرا داهما.. في مجال زراعة القطن.. حين انتشرت الدودة وأصبحت تهدد هذا المحصول. وقتها كتبت قصيدة عن القطن وكيف نقاوم هذا الخطر وفوجئت في عدد (صباح الخير).. أن صلاح چاهين نشر هذه القصيدة مصحوبة برسم لأكبر رسامي المجلة.. ومنذ أن نشرت هذه القصيدة العامية أحسست أنني قد وضعت قدمي فوق مشوار الشعر. كما أنها فتحت لي أبوابا كثيرة، حيث عرف الناس في المحيط الذي كنت أعيش فيه هناك أنني أصبحت شاعرا. والحقيقة أن أهمية هذه القصيدة أو هذه الأغنية لم تتوقف عند هذا الحد.. بل جعلتني ارتبط بالشاعر الكبير صلاح چاهين وساهمت كذلك في دخولي عالم الطرب من أوسع أبوابه. حين فوجئت بأن كلمات هذه القصيدة تغنى في الإذاعة. ولما سألت الأستاذ صلاح جاهين أكد لي صحة هذا الخبر. بل وطلب مني أن أذهب إلى الأستاذ (محمد حسن) الشجاعي (رئيس) الإذاعة وكان وقتها مسؤولا عن الغناء والموسيقي ولما سألته عن السبب.. طلب مني فقط أن أذهب إليه لأعرف السبب».
وفي بداياته الشعرية انعكست حياة البيئة الصعيدية الخصبة وإرثها الحضاري والثقافي، بل ولهجتها الخاصة في أعماله الشعرية، وعلى نحو خاص (الأرض والعيال) 1964، والذي صدر بدراسة ضافية للشاعر عبد الرحمن الخميسي، ثم (الزحمة) 1967، و(عماليات) 1968، و(جوابات حراجي القط) 1969، والذي جسد فيه ملمحا من ملامح البطولة والوطنية المصرية خاصة في أثناء بناء السد العالي. ولم يفارق شعره حيوية الفضاء الصعيدي، بل ظل يومض في قصائده فيما بعد، على شكل حنين دائم للطفولة، ووجه الأب والأم والأسرة، ورائحة الأرض والأجداد.
ورغم أن الساحة الشعرية المصرية آنذاك كانت حاشدة بشعراء كبار ورواد سواء في شعر العامية أو الفصحى، ومنهم فؤاد حداد وصلاح جاهين، فإن الأبنودي وعلى المستوى الفني استطاع أن يحقق انتقالة مهمة في مسيرة شعر العامية المصري، حيث اكتسب للقصيدة العامية أرضا شاسعة، وجعلها لصيقة بالوجدان العام، بعد أن تغنى بها كبار المطربين والمطربات، على المستوى العاطفي والوطني، كما نجحت في فرض وجودها على الساحة الشعرية والثقافية وكسر الحصار المضروب حولها في جوائز الدولة للفنون والآداب، فكان أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية عام 2001. «الأبنودي» عضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر. كما حصل على جائزة الشاعر محمود درويش للإبداع الفني 2014، لكن التتويج الأبرز كان مع حصوله على جائزة النيل أرفع جوائز الدولة للآداب في مصر وذلك في عام 2010.
عاصر الشاعر عبد الرحمن الأبنودي جيل الحداثة في مصر، وشهد تحولات سياسية واجتماعية مختلفة في عهد عبد الناصر وأنور السادات، وعلى الرغم من انتقاده لكلا النظامين من خلال قصائده، فإنه كان يضمر حماسا خاصا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رغم أنه سجن في عصره، عام 1966، بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعي واعتقل لمدة أربعة أشهر في سجن القلعة حتى تم الإفراج عنه، وكتب عنه لاحقا أكثر من قصيدة لتخلد ذكراه.
وقال في قصيدة حديثة له عن الزعيم الراحل: «مش ناصري ولا كنت في يوم بالذات في زمنه وفى حينه، لكن العفن وفساد القوم نساني حتى زنازينه.. إزاي ينسينا الحاضر طعم الأصالة اللي في صوته.. يعيش جمال عبد الناصر يعيش جمال حتى في موته».
ومن أبرز إسهاماته في مجال التراث الشعري الشعبي جمع وتحقيق السيرة الهلالية التي ظل سنوات يجمعها من شعراء الصعيد، وسافر من أجلها إلى بلدان أخرى خاصة إلى تونس.
ولم يخل تاريخ الراحل الكبير من دراسات وكتب ضمت مقالاته في الصحف المصرية وله كتاب بعنوان «أيامي الحلوة» نشر على حلقات منفصلة بملحق أيامنا الحلوة في جريدة «الأهرام»، ثم تم جمعها في كتاب واحد يحكي قصصًا وأحداثًا مختلفة من حياته في صعيد مصر. كما أن له عددا من الدراسات الأدبية التي تبحث في التراث الشفاهي والموسيقي لمصر، ومن أهمها كتاب بعنوان «غنا الغلابة»، وهو دراسة عن الأغنية ومحاولة تأصيل جذورها المتشعبة في التراث المصري.
وكان الأبنودي من أوائل الشعراء الذين قدموا برامج في الإذاعة والتلفزيون الرسمي، ومن أبرز تلك البرامج تقديمه لشاعر السيرة الهلالية جابر أبو حسين. كما قدم ديوان وجوه على الشط للإذاعة.
نقلة موازية أخرى تتقاطع مع أعماله الشعرية أنجزها الأبنودي في فضاء الأغنية، خلصها من المجاز العاطفي العالي، واكتسبت مجاز الأرض والواقع، الشارع والحارة والقرية، وجسدت كتاباته مراهقة الحياة والأحلام ومفارقات العاطفة المشبوبة بالأمل في الحب والمستقبل. ورغم أنه كتب الكثير من الأغاني لعدد من المطربين الكبار منهم (عبد الحليم حافظ - محمد رشدي - فايزة أحمد - نجاة الصغيرة – شادية - صباح – ماجدة الرومي – وردة)، فإن أغانيه الوطنية والعاطفية مع الفنان عبد الحليم حافظ، كانت بمثابة رحلة خاصة في مسار الأغنية في مصر، امتزجت في إيقاعها دلالات النضال والكفاح الوطني حيث خلق حالة من الوحدة التي جمعت بين قلوب المصريين والعرب. وقدم معه باقة من الأغاني الوطنية حفرت في وجدان الناس حتى أصبحت سلاحا للمقاومة والتحدي خاصة بعد هزيمة 67 من أجل الخلاص من نكسة يونيو (حزيران).
وأنجز الأبنودي في تلك الفترة مجموعة كبيرة من هذه الأغنيات من أبرزها «اضرب»، و«ابنك يقولك يا بطل هات لي النهار»، و«احلف بسماها وبترابها» التي لم يبدأ عبد الحليم أيا من حفلاته إلا بها حتى انتصار الجيش المصري في 1973.
لكن أغنية «موال النهار» التي كتبت عقب النكسة تنفرد بحضور خاص في تاريخ الأبنودي، حيث شكلت إحدى علامات الشجن العميق في الذاكرة المصرية وجسدت روحا جديدة من التحدي خلال تلك المرحلة.
وامتدت مغامرة الأبنودي الشعرية إلى عالم السينما فكتب الحوار والأغاني للفيلم الشهير «شيء من الخوف»، كما كتب أغاني وحوار فيلم «الطوق والإسورة» المأخوذ عن رواية صديقه يحيى الطاهر عبد الله. كما كتب عشرات الأغاني لأعمال درامية من أبرزها أغاني مسلسل «النديم» و«ذئاب الجبل» وفيلم «البريء».
عن دور الأبنودي ورحيله قال الشاعر زين العابدين فؤاد إنه لا يشارك في رثاء شاعر كبير في حجم وقيمة عبد الرحمن الأبنودي، لأن الشعراء والمبدعين لا يموتون، ولكن احتفل بالأثر العظيم الذي تركوه في حياتنا، لافتا إلى أن أعمال الأبنودي ستبقى بين الأجيال لسنوات بعيدة قادمة.
وكأن شعر العامية يرحل في أبريل الذي واكب مولد ورحيل الأبنودي، واكب أيضا ذكرى رحيل أستاذه وأستاذ أجيال العامية اللاحقين الكبير صلاح جاهين.
وتابع قائلا: «تعرفت على الأبنودي عام 1962 وعرفته بصحبة الشاعر الكبير سيد حجاب، وكنا لفترة طويلة نلتقي يوميا، وأنه شاهد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم في منزله بمنطقة بولاق الدكرور وكان برفقته الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله».
وأكد الشاعر زين العابدين فؤاد أنه كان يوجد بشكل يومي هو والأبنودي بصحبة الشاعر الراحل أمل دنقل أثناء وجوده في المستشفى، وأن دنقل قبل وفاته حدد 5 أسماء يسافرون مع جثمانه إلى الأقصر وهم: الناقد الكبير دكتور عبد المحسن طه بدر، ودكتور جابر عصفور وزير الثقافة السابق، والشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي والسيدة منى أنيس وأنا، للسفر مع زوجته عبلة الروينى إلى بلدته.
وأشار إلى أن الاحتفاء الحقيقي بعبد الرحمن الأبنودي أن تتم دراسة أعماله بشكل جيد، وأن النقد الأدبي غائب عن شعر العامية، وهو أمر لا يجب أن يستمر وهناك أعمال لشعراء كبار لم يتم تناولها إلى الآن.
وقال الأديب يوسف القعيد إن وفاة الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي خسارة كبيرة ليس لمصر فقط، وإنما للعالم العربي كله، وإن المبدعين من أمثال الشاعر الكبير لا يموتون وإنما يبقون وسط الناس بإبداعهم وأعمالهم.
وأضاف القعيد أن الشاعر الراحل طالب بأن يدفن في محافظة الإسماعيلية حيث عاش سنواته الأخيرة، مطالبا الهيئة العامة للكتاب بأن تطبع الأعمال الشعرية الكاملة على «سي دي» حتى يعرفها كل الأجيال إلى جانب طباعة الدواوين التي قدمها طوال تاريخه الإبداعي.
وأشار إلى أن أعمال المبدع الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي تعد بمثابة توثيق وتأريخ لكل الأحداث التي مرت بمصر على مدى العقود التي واكبها من خلال تناوله لكافة هذه الأحداث برؤية وطنية لا ينساها أبناء الشعب المصري.
وأكد ضرورة أن تقوم وزارة الثقافة بإقامة متحف كبير في بلدته «أبنود» على أن يضم كافة متعلقاته والوثائق التي يمتلكها وجمعها خلال رحلته الإبداعية.
كما وصف الشاعر فاروق جويدة رحيل الأبنودي بالخسارة للشعر المصري والعربي. وقال إن الأبنودي «صاحب مدرسة خاصة في أسلوبه ولغته وهو من أكثر الشعراء تواصلا مع الجماهير، واستطاع لفترة طويلة أن يكون صوت الشعب».
وأضاف جويدة أن «الأبنودي امتاز برقة شديدة في كلمات أغانيه العاطفية، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل طريقة أدائه لشعره، خاصة وأنه من جنوب مصر، وكان يعبر بصدق عن قضايا البسطاء، وعرفته لفترات طويلة وكان إنسانا مهذبا وساخرا من كل الأشياء وتمتع ببساطة الإنسان المصري».
وأشار إلى أن وفاة الأبنودي خسارة كبيرة على كل المستويات، وهو من الشعراء الذين احتضنوا قضايا بلدهم وأمتهم، وكان أيضا يمتلك قدرة كبيرة على التواصل مع الآخرين بسبب المعايشة الجيدة لهموم وطنه، وأن أهم ما ميزه هو صدقه الشديد وإيمانه بقضايا بلاده.
وقدم الدكتور محمد عفيفي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، تعازيه للشعب المصري والعربي وأسرة الأبنودي، معتبرا أن رحيله خسارة كبيرة لشعر العامية، والشعر المصري عموما.
عاش الأبنودي حياة مغامرة مليئة بالصدف والمفارقات، والعداءات والنجاحات والمواقف، لكنه كان يستقبلها بروح الشاعر المطمئن لقصيدته، وفلسفته البسيطة عن الفن والحياة، فكان غامضا إلى حد الوضوح، كما امتزجت في شخصيته، حكمة الفلاح وترويضه الماكر المحب للأرض، وشهامة الصعيدي، الذي ينهض لمساندة البسطاء والضعفاء بعفوية وتلقائية، وقد انعكس كل هذا على شعره. وأغانيه كانت خيطا رفيعا وشيقا يتموج بين السهل الممتنع في الوقت نفسه.



النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس
TT

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

رسم تخيلي لامرئ القيس
رسم تخيلي لامرئ القيس

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة، باعتبار أن الشخصية النرجسية غير محددة بهوية محلية، بل هي تجد شواهدها وتمثلاتها لدى سائر الشعوب والهويات والجماعات. ومع أننا لا نعثر في الشعر العربي القديم على أي تفاعل مباشر مع هذه الأسطورة، أو غيرها من أساطير اليونان، غير أن هذا الشعر عرف عبر رموزه المختلفة، قدراً عالياً من الزهو النرجسي والاعتداد بالذات.

وسواء بدا هذا الزهو تعبيراً عن حاجة الذات المنبتة عن كنفها القبلي، إلى ما يحصنها في وجه العزلة والقلق، كما في حالة امرئ القيس وطرفة وعنترة والشعراء الصعاليك، أم كان متصلاً بروح الجماعة، كما لدى عمرو بن كلثوم، فالملاحظ أن تضخم الأنا النرجسية قد شكَّل إحدى السمات الأساسية للشعر العربي، الذي كان الفخر بالنفس والجماعة واحداً من ركائزه وعلاماته.

والأرجح أن النزوع النرجسي في الشعر العربي القديم، يجد بعض أسبابه في التفاوت الهائل بين لا نهائية المكان الصحراوي، ومحدودية الجسد الإنساني، حيث الذات المثلومة والمرحَّلة بشكل قسري عن مواطنها، لا تجد ما يعصمها من التشتت سوى الافتخار بنفسها، والالتفاف كالشرنقة على هويتها الفردية أو الجمعية.

وقد بدا الافتتان بالذات واضحاً في شعر امرئ القيس، وهو الذي أفرد مقاطع غير قليلة من معلقته للحديث عن مغامراته العاطفية مع النساء اللواتي بادلنه العشق بالعشق، والافتتان بالافتتان، كما كان شأنه مع أم الحويرث وأم الرباب وفاطمة وعنيزة وغيرهن. ورغم أن عشقه لعنيزة قد دفعه إلى ذبح ناقته لكي تردفه خلفها على ظهر ناقتها، فإنه حين بالغت في الغنج والتمنع، يعمد إلى إثارة غيرتها عبر تذكيرها بجاذبيته التي لا تقاوم.

كما لم يتوانَ «الملك الضليل» عن التباهي بكسر الأعراف والمحرمات، سواء عبر علاقاته مع النساء الحوامل، أو مع المتزوجات اللواتي لم تتحرج إحداهن من تحويل جسدها إلى وليمة متقاسمة بالتساوي بينه وبين طفلها الرضيع. وهو ما تشير إليه أبياته الشهيرة:

ويوم دخلتُ الخدْر خدر عنيزةٍ

فقالت لك الويلاتُ إنك مرجِلي

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامه

ولا تبعديني عن جَناكِ المعلَّلِ

فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ

فألهيتُها عن ذي تمائمَ محْولِ

على أن النزوع النرجسي في الجاهلية لم يأخذ شكل الاعتداد بالذات المفردة فحسب، بل كثيراً ما بدا اعتداداً بالذات الجمعية، باعتبارها امتداداً لذات الشاعر، وحصنه وملاذه. فهو إذ يخوض حرباً ما، فليس ليذود عن نفسه وحدها، بل ليذود عن حياض السلالة ومكانتها ومصادر رزقها في الوقت ذاته. وقد تكون معلقة عمرو بن كلثوم، بما فيها من تصوير ملحمي لشجاعة بني تغلب، هي الشاهد الأبلغ على المماهاة الكاملة بين الذاتين الفردية والجمعية، وبخاصة في أبيات من مثل:

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

كأنّا والسيوف مسلّلاتٌ

وَلدنا الناس طرّاً أجمعينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ

تخرُّ له الجبابر ساجدينا

وكثيراً ما يبدو الزهو النرجسي بالذات، رداً مشبعاً بالمرارة على ظلم القبيلة، التي لم تتساهل أبداً في معاقبة الخارجين على أعرافها وقوانينها. فطرفة بن العبد الذي انساق وراء ملذاته، وقد استشعر قصر الحياة وعبثيتها، والذي عاقبته القبيلة بعزله عنها وإفراده «إفراد البعير المعبد»، لم يجد رداً مناسباً على الظلم اللاحق به، أفضل من التذكير بشجاعته، وبكونه فتى الجماعة وفارسها المقدام، كما في قوله «إذا القوم قالوا: من فتىً؟ خلت أنني، عنيتُ فلم أكسل ولم أتبلدِ».

أما عند عنترة فقد بدا الاعتداد بالذات، نوعاً من الرد على ما لحق به من ظلم وتهميش، بسبب سواد لونه. وإذ وجد عنترة في بأسه الجسدي، ما يدفع بني عبس إلى رد الاعتبار له، بدا شعره بمعظمه اعتداداً بشجاعته، واستعادة رمزية لهويته المهددة. وهو ما يؤكده قوله: «ولقد شفى نفسي وأبرأ سقْمها، قول الفوارس: ويكَ عنتر أَقْدِمِ». أو قوله وهو يعمل على استثمار شجاعته في المجال العاطفي: «إن المنيّة يا عبيلةُ دوحةٌ، وأنا ورمحي أصلها وفروعها».

ومع أن تباهي الشعراء بأنفسهم في الجاهلية، قد أخلى مكانه في صدر الإسلام، للخشوع والتواضع الجم أمام الخالق، فقد كانت تجربة سحيم عبد بني الحسحاس، واحدة من الاستثناءات القليلة، التي شكَّلت امتداداً للزهو الجاهلي بالذات. وحيث شارك سحيم عنترة سواده ولم يشاركه شجاعته في ساحات المعارك، وجد في مخادع الحب، الميادين البديلة التي تمكنه من الاعتداد بفحولته، وتوفر له سبل الرد المفحم على ما ألحقه به بنو الحسحاس من عسف واضطهاد. وإذ رأى سحيم في انشغال رجال القبيلة بالحرب، الفرصة المثلى للانفراد بنسائهم، فقد كان حرصه على إغاظة رجال القبيلة الذين بالغوا في ازدرائه، أكثر من حرصه على حياته نفسها، مما دفعه إلى التباهي بعلاقاته الغرامية على نحو علني، حتى إذا قرر بنو الحسحاس حرقه حياً، لم يتورع عن القول متباهياً:

شُدّوا وثاق العبد لا يفْلتْكمُ

إن الحياة من الممات قريبُ

فلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ

عرقٌ على ظهر الفراش وطِيبُ

أما عمر بن أبي ربيعة الذي كان ينتمي إلى أحد فروع قريش الأكثر منعة وثراء، فقد بدت نرجسيته الفاقعة ثمرة عاملين اثنين هما، نشأته الباذخة التي تدعمها الوسامة والموهبة العالية من جهة، ورغبته الملحة في انتهاك المحظورات والقواعد الأخلاقية التي فرضها الدين الحنيف، بما فيها من حث على التعفف والتقوى، ونهي عن الفجور والزنا وارتكاب المحرمات. كما أن نزوع عمر إلى التمرد، لم تقتصر وجوهه على السلوكيات العابثة والتلذذ الأقصى بالحياة فحسب، بل تعدتهما إلى الشعر نفسه، حيث حوَّل قصائده ومقطوعاته إلى احتفال عارم بالمغامرات العاطفية والتلذذ بمتع العيش وملذاته، ضارباً بعرض الحائط كل دعوة إلى الوقار والزهد والاحتشام.

وإذ بدا شعر عمر ترجمة أمينة لأحوال نفسه، فنحن لن نعدم الشواهد التي تعكس صورة أناه المتفاقمة، وهو القائل في وصف النساء المنتظرات قدومه بفارغ الصبر «وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، هُرعن فرقَّعنَ الكوى بالمحاجرِ». كما أنه في سياق الامتداح المفرط للذات، لم يجد غضاضة في التصريح بأن إحدى عاشقاته الوالهات، لا تجد ما تستعين به على النهوض، إذ تزل بها القدمان، سوى ذكر اسم شاعرها المعشوق، فيقول في ذلك:

وإذا ما عثرت في مشيها

نهضتْ باسمي وقالت: يا عمرْ

على أن أي حديث عن النرجسية في الشعر العربي القديم، لا يستقيم دون التوقف عند شخصية أبي الطيب المتنبي، الذي بلغ به الخيلاء وتعظيم النفس، حدوداً قلّ أن بلغها أحد من الشعراء العرب السابقين. ومن يتابع سيرة الشاعر على امتداد السنوات الخمسين التي عاشها، لا بد أن يكتشف أن اعتداده بنفسه لم يقتصر على ناحية بعينها، بل كان يطال شعره ولغته، بقدر ما يطال مزاياه الشخصية، كالشجاعة والمروءة والأنفة والشعور بالغربة. وقد بدا واضحاً أن تعظيم الشاعر لذاته، قد بدأ مع مطالع الصبا، حيث أسهم فوران صباه وانتماؤه القرمطي، في تعزيز أناه وتضخيمها ومضاعفة منسوبها، كما يظهر في قوله:

أيَّ محلٍّ أرتقي أي عظيمٍ أتَّقي

وكلُّ ما قد خلق الله وما لم يخلقِ

محتقرٌ في همّتي كشعرة في مفرقي

وإذ رافقت هذه السمة المتنبي في جميع مراحل حياته، فلن يعوزنا العثور على عشرات الشواهد والأمثلة الدالة على نرجسيته، وشعوره العميق بالعظمة والنبوغ. فهو لم يتحرج من القول: «أنا ترْبُ الندى وربُّ القوافي»، أو «ما بقوم شرفتُ بل شرفوا بي»، أو وصف غربته وتعاليه عن معاصريه من البشر، بالقول: «وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ، ولكنْ معدن الذهب الرغامُ». وهو في مواضع أخرى «خير من تسعى به قدم»، والصوت المتفرد الذي يتحول الآخرون إلى صدىً له. وهو الذي ينظر الأعمى إلى أدبه، ويسمع كلماته الأصم.

وقد يكون الشاعر الأندلسي ابن حمديس، أخيراً، أحد أكثر الشعراء قدرة على اختزال الشخصية النرجسية بقليل من الكلمات، حين وصف أحد الذين يرون في أنفسهم، محور الأرض وسبب دورانها، بقوله:

كأنما العالم مرآتهُ فلا يرى فيها سوى شخصهِ


عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
TT

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية
تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً يزخر بالصور متعدّدة المعاني، كما تشهد الأبحاث التي دأبت على دراستها وتحليلها، منذ اكتشاف هذا الموقع في مطلع القرن الماضي. يتوزّع قسم كبير من هذه الجداريات على قاعة كبرى تتألّف من ثلاثة إيوانات، يتوسّطها ركن يُعرف بـ«ركن العرش»، وفيه يحضر أمير القصر على عرشه تحت قبّة على شكل قنطرة، تزيّنها حلّة تصويرية مبتكرة تجمع بين سلسلة من القامات الأنثوية. تتبنّى هذه الحلّة طرازاً شاع في العالم المتوسّطي خلال القرون الميلادية الأولى، وتمثّل على الأرجح الأرض المثمرة بخيراتها الوفيرة التي ورثتها الخلافة الأموية، وأضحت أمينة عليها.

يحتلّ وسط سقف هذه القنطرة شريط تزييني عريض متقن أُنجز بحرفيّة عالية، ويتبنّى تأليفاً نباتياً تقليدياً، قوامه أربع زهريّات يونانية متراصة عمودياً، تحيط بها أربع شتول من فصيلة الأقنثا. تمتدّ هذه الشتول بأوراقها المسنّنة في فضاء التأليف، وتتوزّع بشكل تعادلي متناسق، لتؤلف لوحة نباتية يغلب عليها الطابع التجريدي الهندسي. لا يخلو هذا التأليف من العناصر التصويرية، الآدمية والحيوانية، إذ نجد في القسم الأسفل من هذا الشريط قامتين متواجهتين في وضعية نصف جانبية، ترفع كل منهما ذراعيها في اتجاه الأخرى، ونجد في القسم الأعلى طائرين متواجهين في وضعية جانبية، يرفع كلّ منهما رأسه في اتجاه الآخر. تحيط بهذا الشريط النباتي ستّ قامات نسائية نصفية، توزّعت على جانبي جداري القنطرة المقوّسين في بناء تعادلي محكم.

تتشابه هذه القامات الأنثوية بشكل كبير، وتُقارب في تشابهها التماثل، مع اختلافات بسيطة تحضر في تفاصيل ثانوية. ترتفع الرؤوس بشكل ثابت، محدّقة في اتجاه المشاهد، وتكشف عن وجوه ذات ملامح واحدة، تكلّلها خصل من الشعر تلتفّ من حولها، وتنسدل من خلف الكتفين. اللباس واحد، وقوامه جبّة، تتغير ألوانها ونقوشها بين قامة وأخرى. الحركة واحدة، وتتمثّل بحضور وشاح على شكل رزمة عريضة تنفتح أفقياً عند حدود الصدر. يستقرّ كلّ من هذه الرؤوس وسط قوس زيّن بسلسلة من النقوش المتراصة، وسط مساحة أفقية تزيّنها طيور من فصيلة الدراج، تصطفّ أفقياً في وضعيّة جانبية. تحضر ثلاثة طيور على الحائط الغربي، وتحضر إلى جانبها زهرية يونانية في طرف الصورة. ويتكرّر هذا التأليف بشكلّ مماثل على الحائط الشمالي.

ترتفع هذه الأقواس الستة فوق عواميد رخامية طويلة تكلّلها تيجان، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بـ«قوس المجد». وتنتصب وسط هذه العواميد سلسلة من القامات في وضعية المواجهة. ترتفع أربعة عواميد على الحائط الغربي، وتجاورها شجرة مورقة ترتفع إلى جانبها في طرف الصورة. تظهر تحت القوس الأوّل ثلاث قامات مُحِيَ الجزء الأكبر من تفاصيلها، ويتَضح عند التأمّل فيما بقي منها أنها تمثل قامة «ملكية» ترافقها قامتان من رجال الحرس، كما يوحي اللباس والرماح التي تظهر من خلف الظهر. تظهر تحت القوس الثاني امرأة تنتصب وسط شجيرات خضراء، حاملة بيديها شتولاً مزهرة. وتظهر تحت القوس الثالث، امرأة تنتصب كذلك في وضعية مشابهة. يتكرّر هذا التأليف على الحائط الشمالي، مع اختلاف في التفاصيل. يرافق الحرس القامة الملكية تحت القوس الأول. وتقف امرأة وسط شجيرات مثمرة تحت القوس الثاني. وتقف رفيقتها تحت القوس الأخير، رافعة بيدها اليسرى نحو الأعلى قرناً ضخماً.

يستعير هذا التأليف مفرداته من القاموس التشكيلي الكلاسيكي المتوارث. فالمرأة التي ترفع رزمة، هي في الأصل «غايا»، الأرض الأم التي ولد منها الكون وتشكّل، بحسب سفر التكوين اليوناني. وهي في العصر المسيحي، الأرض الطيّبة التي ترفع رزمة ملأى بالثمار. في المقابل، تجسّد القامات النسائية المنتصبة هذه الخصوبة، وفقاً لمبدأ «تشخيص» الفضائل والقيم والخيرات الذي اعتمده الفن الكلاسيكي، وتبنّاه الفن المسيحي من بعده. يجمع ركن العرش الأموي بين أربع قامات من هذا الطراز، وتتمّيز إحداها بالقرن الذي ترفعه بيدها عالياً، وهي في الفن الكلاسيكي «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال، والقرن الذي تحمله هو «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض. ظهر هذا القرن في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ارتبط بسيد العالم السفلي «هاديس»، أي «مانح الثروة»، وذلك كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه» التي تعدّدت صورها ورموزها، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة. ورث الفن المسيحي هذا المثال فجرّده من دلالاته الأولى، وجعل منه رمزاً للوفرة والعطاء، ويبدو أنه دخل الفن الأموي من هذا الباب.

تحضر القامة الملكية برفقة حرسها على الجدار الغربي، كما تحضر على الجدار الشمالي المقابل. في المقابل، يظهر صاحب القصير متربّعاً على عرشه الملكي في صورة مركزيّة تحتلّ الجدار الجنوبي. تتآلف هذه العناصر وتعكس صورة سيادة الخلافة على هذه الأرض المثمرة. تكتمل هذه الصورة بحضور عناصر أخرى من هذه الحلة الاستثنائية. في الإيوان الشرقي، تظهر ثلاث قامات في لوحة جامعة تحتل الجزء الأعلى من الجدار الجنوبي. تحضر قامة نسائية تقف خلف قامة أخرى وهي تمسك بذراعها. ترافق هاتين القامتين كتابتان يونانيتان، «الحكمة» و«التاريخ». تتطلّع هاتان السيّدتان في اتجاه قامة تقف في الطرف المقابل، متكئة على عمود مربّع قصير، وترافق هذه القامة كتابة تسمّى «الشعر». يقابل هذه الصورة تأليف يحتلّ الأعلى من الحائط الجنوبي في الإيوان الغربي. فوق لوحة تمثّل الأمير وسط ديوانه، يظهر طاووسان متواجهان، وتعلو كلّاً منهما عبارة باللغة اليونانية، تسمّى إحداها «النعمة» وتسمّى الأخرى «النصر».

في الخلاصة، تمتدّ سيدة الخلافة لتشمل الأرض الطيبة كلها بغلال ثمارها، وتتزيّن بفضائل التاريخ والحكمة والشعر، وتحظى في حكمها بالنعمة والنصر.


تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.