نحو وطن أكبر للثقافة: ست رؤى باتجاه المستقبل

نحو وطن أكبر للثقافة: ست رؤى باتجاه المستقبل

الاثنين - 13 جمادى الآخرة 1443 هـ - 17 يناير 2022 مـ رقم العدد [ 15756]



لسنوات عديدة، كنت ضمن مجموعة لا بأس بها من السعوديين الأكاديميين والكتاب ومنتجي الثقافة والمشتغلين في مختلف حقولها، نتردد على عواصم عربية مثل القاهرة وبيروت وتونس والدار البيضاء إلى جوانب عواصم خليجية مختلفة لحضور مؤتمر أو ندوة أو للمشاركة في مهرجان.

وكنا في ذلك كله، نقارن ما لدينا في المملكة بما لدى أشقائنا العرب، يدور الحديث عن غياب وزارة للثقافة أو هيئة تماثلها أو تملأ فراغها. وحين صدر قرار إنشاء وزارة للثقافة تكون مضمومة إلى وزارة الإعلام ابتسمنا لكنها كانت نصف ابتسامة، لأن ما تحقق وصل إلى نصف ما كنا نتطلع إليه، لأن ما تحقق كان نصف أحلامنا. كان الحلم أن تنشأ وزارة مستقلة للثقافة تلم شتات المؤسسات وتقدم الدعم الجاد والمكرس للمبدعين كتاباً كانوا أو فنانين أو مفكرين.

المشهد الثقافي في المملكة غني وشديد التنوع ولمَن لا يعرف عنه الكثير أقول إنه، ككثير من المشاهد العربية بصفة خاصة، مشهد يتوزع على ثلاثة قطاعات:

القطاع الرسمي، والقطاع الخاص، وما يعرف الآن بالقطاع الثالث. الأول هو المعروف بالخدمات التي تقدمها الحكومة للنشاط الثقافي سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والخاص يتمثل في مؤسسات ودور نشر وصالونات أدبية وصالات للعروض الفنية.

أما الثالث، فيتمثل في ثلاث جهات: الأندية الأدبية، وجمعية الثقافة والفنون، ووسائل الإعلام، التقليدية وهي الصحافة والإذاعة والتلفزيون، والجديدة متمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي. كل تلك تنتج ثقافة. الأندية الأدبية بعددها الذي يبلغ نحو سبعة عشر نادياً، وجمعية الثقافة والفنون بفروعها الستة عشر، وهذه متوزعة على مختلف أنحاء المملكة. وقد أدى الفضاء الثالث، ولا يزال يؤدي، دوراً محورياً في تطور الحياة الثقافية في المملكة منذ سبعينات القرن الماضي، وتعد مؤسساته الحاضن الأهم للإنتاج الفكري والأدبي والفني على مدى نصف القرن الماضي. وهو قطاع، أو فضاء ثالث، لأنه يقع في المنطقة الوسطى بين المؤسسة الحكومية والقطاع الخاص، تتلقى مؤسساته دعماً جزئياً من الحكومة ودعماً جزئياً آخر من المتبرعين من قطاع الأعمال وغيرهم.

أما وسائل التواصل الاجتماعي، فما زال من الصعب تبين الأثر الذي تصنعه وصنعته، لكن المؤشرات تقول إنه عميق وبالغ الأهمية.

كل ذلك إلى أن جاء عام 2018 بصدور مرسوم ملكي بإنشاء وزارة للثقافة، أي فصل الثقافة عن الإعلام وجعل الثقافة كياناً مؤسسياً حكومياً مستقلاً. هنا كان بإمكان المعنيين بالشأن الثقافي في المملكة على اختلاف أطيافهم أن يوسعوا ابتسامتهم، أن يروا في الأفق مستقبلاً مختلفاً. وبالفعل، جاء المستقبل مختلفاً على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.

قلت «أن يوسعوا ابتسامتهم»، وهو تعبير عن الاستبشار وقد جاء فعلاً ما يبرر ذلك الاستبشار، ذلك أن المؤسسة الجديدة حملت تصوراً مختلفاً فعلاً حتى عما كان مثقفو السعودية يتوقعونه أو يتطلعون إليه. فقد حملت وزارة الثقافة رؤية مختلفة وتنظيماً مغايراً للسائد في إدارة الثقافة على المستويين المحلي والعربي. لم تأتِ نسخة من وزارات ثقافة أخرى وإنما استمدت الكثير من تجارب عالمية لعبت «اليونيسكو» دوراً في تشكيلها. تضمنت الوزارة 11 هيئة تشمل مختلف قطاعات الثقافة، ومنها قطاعات لم يتوقع أحد أن تكون مشمولة. فإلى جانب الأدب والترجمة والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية، ضمت القطاعات فضاءات للإنتاج الثقافي لم تكن مألوفة أو مفكراً فيها كالأزياء والطهي. الهيئات الإحدى عشرة تضمنت ستة عشر قطاعاً، ففي هيئة واحدة جاء الأدب والترجمة والنشر، وفي قطاع المسرح جاء قطاع الفنون الأدائية (مثل الرقصات والفنون الشعبية الأخرى). واللافت هنا، أن تلك الهيئات تدار بطريقة جديدة تماماً على أساليب الإدارة الحكومية، فهي هيئات منظمة للنشاط وداعمة له. ومع أن هذا ليس مجال التفصيل في كيفية عمل الوزارة أو هيئاتها، فإن من الممكن القول بصفة عامة إن الهيئات المشار إليها تضطلع بمهامها من خلال تنظيمات داخلية ولوائح تشرف عليها مجالس إدارة ولجان تنفيذية، ومن خلال متعهدين وجمعيات تتولى الإنتاج الثقافي. مَن يريد إقامة فعالية ثقافية، محاضرة أو ندوة، ويريد الدعم لها، عليه أن يتفق مع جمعية تدعمها الوزارة، ومن يريد نشر كتاب أو ترجمة عمل عليه أن يتفق مع ناشر ثم يحصل على دعم التأليف أو الترجمة وهكذا. فالهيئات لا تتعامل مباشرة مع الجمهور وإنما مع مؤسسات بينية أو وسيطة. وبهذا الأسلوب تطمح الوزارة بهيئاتها المختلفة إلى التخلي عن البيروقراطية والتخلص من الفساد الإداري.


في كل ذلك، ما يدعو إلى توسيع الابتسامة دون شك، أقول هذا وأنا قريب من مجريات العمل، أرقبه وأشارك فيه وإن جزئياً من خلال عضويتي في مجلس إدارة هيئة الأدب والنشر والترجمة الذي يرأسه سمو وزير الثقافة ويضم عدداً من المعنيين بالشأن الثقافي رجالاً ونساء، إلى جانب رئيس تنفيذي يتولى إدارة العمل مع فريق عمل كبير من الجنسين أيضاً وفي بيئة عمل لم يعهدها العمل الحكومي من قبل، حيث الفضاء مفتوح تماماً للتفاعل الإداري الخلاق.

غير أن الثقافة، كما هو معروف، ليست مما تصنعه المؤسسات مهما تعددت وتباينت وقويت إمكاناتها. المؤسسات حواضن يمكنها الدفع بالإنتاج الثقافي أو عدم الدفع به لكنها في كل الأحيان لا تصنعه. صانعو الثقافة، أدباً وفنوناً وفكراً، هم الأفراد سواء عملوا منفردين أو مجتمعين. والتراكم الثقافي الذي عرفته الثقافة في المملكة منذ قيامها في عشرينات القرن الماضي على يد الملك عبد العزيز لم يكن ليتحقق لولا جهود فردية في نهاية المطاف، جهود الرواد ومن جاء بعدهم. ولم يكن لتلك الجهود أن تثمر شيئاً لولا عدة مرتكزات وأطر، هي مجموع القيم التي آمنت بها وتبلورت في تفاعل مع المحيط المحلي أولاً، ثم العربي ثانياً، وصولاً إلى المحيط العالمي. ولعل في طليعة تلك القيم الإيمان بعقيدة وبوطن وبانتماء مشترك.

المستقبل الذي رسمت أطره خطة التنمية الكبرى المعروفة بـ2030، التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لن يتحقق ثقافياً دون أن يتأسس على القيم المشار إليها ودون أن يمكن الفرد المثقف المبدع، المنتج للثقافة، بما هو منوط به ومن خلال فضاء يكون له دور في صياغته وتتاح له فيه الظروف الملائمة والمريحة للعمل بما يكفل توفير الدعم له معنوياً ومادياً. اشتمال تلك الخطة على تأسيس وزارة للثقافة ودعمها بالطاقات البشرية والمادية مؤشر قوي على أننا بمشيئة الله نسير في ذلك الاتجاه وبقوة. غير أن هناك أموراً يجب أخذها في الاعتبار لدعم ذلك الاتجاه والحفاظ على توازنه:
الأول: النظر إلى الثقافة بوصفها ذروة فكرية وإبداعية تسعى للوصول إليها مختلف القنوات والسبل. هي ذروة بمعنى أنها مما تتحقق به إنسانية الإنسان وما يسمو به وجوده على هذه الأرض، وهذا يعني عدم الاستسلام لمغريات الشعبوية والنزول بمعايير الجودة إرضاء لبعض منتجي ومتلقي الثقافة مهما بلغ حجمهم. صحيح أن الاتجاه للنقيض، أي النخبوية، يتضمن سلبيات كثيرة أولها تجاهل القاعدة الشعبية العريضة والتعالي عليها. لكن البديل ليس إرضاء الكم على حساب النوع، وإنما هو العمل الثقافي الذي يسعى لما هو أفضل وأكثر إتقاناً فيدعم ما يحقق تلك المعايير ويشجع ما دونها على الصعود إليها والعمل وفقها. ذلك أن لكل ألوان الثقافة طرفين يمكن أن تعلو في أحدهما أو تهبط في الآخر. الفلسفة التي تعد ضمن أعلى منتجات الثقافة يمكن أن تهبط لتصير لدى البعض مجرد آراء بسيطة في الحياة، ويمكن أن تعلو لتبحث في أصعب المسائل وأكثرها خطورة في حياة الإنسان وفكره. وهكذا هو الحال مع مجالات العلم والأدب والفنون المختلفة. لا يمكن فرض المعايير العليا ولا ينبغي ذلك، لكن يجب الاسترشاد بها ووضعها هدفاً للعمل الثقافي سواء كان رسمياً أو خاصاً أو غير ذلك.
الثاني: العناية باللغة العربية بوصفها الواسطة والحاضن الأكبر والرئيس للإنتاج الثقافي وتفعيل القرارات الرسمية التي تحث على دورها الحيوي والأساسي في ذلك الإنتاج. ومن العناية بالعربية تحسين تعلمها في المجال التربوي والعمل على انتشارها على جميع الصعد الأكاديمي منها والإعلامي والاقتصادي والتجاري وغيره. ذلك، أننا نشهد تراجعاً للعربية بين الأجيال الشابة بصفة خاصة وتمادياً على المستوى التجاري في تسويق اللغة الإنجليزية بصفة خاصة جذباً للجماهير. بل إن كثيراً من الفعاليات، ومنها فعاليات رسمية، تحتضن اللغات الأجنبية ولا ترى غضاضة في ذلك لتحقيق مزيد من الانتشار أو الأرباح. العربية هي مستقبل الثقافة، لأن الثقافة التي نملك بكل بساطة هي «الثقافة العربية».
الثالث: توسيع مساحات الحرية في التعبير والإنتاج والتقليل من المخاوف والحساسية تجاه ما يقال وينتج. لقد أدت تلك المخاوف وتلك الحساسية المفرطة إلى أن يحجب بعض نتاجنا المهم وأن يمتلئ تاريخنا الثقافي بأفراد ذهبوا إلى الخارج بحياتهم ونتاجهم، وأن تتخم دور نشر ومطابع عربية بما يكتبه وينتجه السعوديون مفكرين كانوا أو علماء أو أدباء أو فنانين. المؤشرات كثيرة بحمد الله على تغير إيجابي في ذلك الاتجاه، لكننا بحاجة إلى المزيد لجعل المملكة الحاضن الأول لما ينتجه أبناؤها وغير أبنائها.
الرابع: اعتبار الثقافة بيئة استثمارية ومن ثم مصدراً للثروة الوطنية بمعناها الواسع الذي يتجاوز المال إلى العقول. في لقائه الأول مع المثقفين السعوديين في مدينة جدة، أكد سمو ولي العهد على هذا الجانب، حين قال إن الطموح هو أن تكون الثقافة مصدراً من مصادر الدخل الوطني وهو ما نؤمله جميعاً، لكن تحقيقه يحتاج إلى عمل جماعي وإلى تبني رؤية تجعل المملكة مهبط أفئدة المثقفين من العالمين العربي والإسلامي وجاذبة لمثقفي العالم على مستوى أوسع. ومن الأبواب الواسعة لذلك توسيع فضاءات النشر ليس للسعوديين وحدهم وإنما لغيرهم بجعل المملكة جاذبة لصناعة النشر. كما أن من أبواب ذلك تسهيل الإجراءات المطلوبة لتوزيع الكتاب وعقد المؤتمرات والندوات الثقافية والعلمية بحيث تكون مدن المملكة ومناطقها وطناً ومقصداً للعقول المنتجة من كل مكان ضمن الضوابط القيمية والقانونية المعروفة بطبيعة الحال. ولا شك أن ما شهدته المملكة مؤخراً من افتتاح المعرض الأهم من نوعه للكتاب في العالم العربي وإنجاز مؤتمرين كبيرين للفلسفة والترجمة خطوات في الطريق الصحيح الذي يجب أن يستمر.
الخامس: في ظل المشروع الحالي لتطوير أداء المحاضن الثقافية الأهم تاريخياً في النشاط الثقافي وهي الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، من المهم أن يأتي دعمها متجاوزاً لما كان في السابق وأن يُعتنى بإرثها التاريخي لكي تواصل وإن بصيغة جديدة دورها الفاعل في الحراك الثقافي.
السادس: حث المؤسسات الأكاديمية والبحثية على أن تكون أكثر إسهاماً في إنتاج الثقافة من حيث هي نتاج مجتمعي عام وليس أكاديمياً أو علمياً متخصصاً فحسب. والإشارة هنا تذهب بطبيعة الحال إلى الجامعات التي يجب حثها على الاندماج في المشهد الثقافي والعلمي للمجتمع وليس الانعزال الأكاديمي الذي يمارسه الكثير منها حالياً بكل أسف. لقد كانت الجامعات قوى فاعلة في النهضة العربية منذ بداياتها في مطلع القرن العشرين، وكان لها دور مهم في تاريخ المملكة الثقافي أيضاً، لكنها تراجعت عنه في العقود الأخيرة، ومن المهم استعادة ذلك الدور لأنه لا يمكن تصور حراك ثقافي حقيقي ومستقبل حيوي خلاق دون مشاركة من الجامعات من حيث هي الحواضن الكبرى للعلم والفكر والأدب والمعاقل الأهم للاستنارة والوعي والتطور.

هذه في تصوري المعالم التي يمكن ترسمها وتحقيقها للوصول إلى مستقبل مشرق للثقافة في المملكة استمراراً لما اتخذ حتى الآن من خطوات بناءة في سبيل الصعود بتلك الثقافة إلى ذرى أعلى في وطن أكثر اتساعاً.


العالم العربي أخبار العالم

اختيارات المحرر

فيديو