قاعدة «حميميم» في عقيدة بوتين العسكرية

قاعدة «حميميم» في عقيدة بوتين العسكرية
TT

قاعدة «حميميم» في عقيدة بوتين العسكرية

قاعدة «حميميم» في عقيدة بوتين العسكرية


بعد ضم شبه جزيرة القرم، والحملة العسكرية في سوريا، وتوسيع شبكة «فاغنر» في أفريقيا، جرى تكوين رأي حول ضعف القدرة على التنبؤ بالسياسة الخارجية الروسية. وبات يُنظر إلى مغامرات الكرملين في صراعات الموازنة المنخفضة نسبياً على أنها مورد لا غنى عنه لإضفاء الشرعية على سلطة فلاديمير بوتين.
لكن منطق وسائل الإعلام هذا، حيث تستخدم مصطلحات «عقيدة جيراسيموف» أو «الحروب المختلطة» على نطاق واسع، خاطئ شأن المصطلحات نفسها. فهذه العقيدة لا وجود لها، وكل الحروب في تاريخ العالم كانت دائماً مختلطة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن خط الكرملين قد تغير بالفعل، ولا سيما منهجه تجاه الاحتواء الاستراتيجي السياسي والعسكري. من ناحية، كان هذا بسبب تحول النظرة العالمية للرئيس بوتين نفسه، الذي بدأ ينظر إلى نفسه عقب نشوة القرم كشخصية تاريخية قادرة على تنفيذ مهام جيوسياسية ناجحة. ومن ناحية أخرى، تأثر ذلك بالإجراءات العسكرية والسياسية لمكافحة الأزمة التي اتخذتها موسكو لاحتواء عواقب نشاطها في شبه جزيرة القرم ودونباس.
في نهاية عام 2014، جرى إدخال مصطلح «الردع غير النووي» الغامض، وبالتالي الملائم في العقيدة العسكرية الرسمية الروسية المحدثة. وعلى الرغم من أن العسكريين والدبلوماسيين الروس يفسرونها الآن لصالحهم، فإن هذا كان بمثابة تغيير مهم في الوثيقة المفاهيمية. وللمرة الأولى، أعلنت القيادة العسكرية الروسية أنها ستسعى إلى حرمان العدو من ميزة من خلال عدم الاعتماد على الأسلحة النووية التكتيكية والاستراتيجية.
العنصر الأساسي للردع التقليدي هو الأسلحة عالية الدقة، بما في ذلك مجموعة واسعة من الصواريخ، والتي صقلها الجيش بعد ذلك بناءً على التجربة في سوريا. لكن ليس هذا فقط. ففي عام 2019، أوضحت وزارة الدفاع الروسية للمرة الأولى أنها تفضل استراتيجية دفاعية نشطة تتضمن أيضاً أساليب غير عسكرية للفوز بالمبادرة الاستراتيجية. وتم الاعتراف رسمياً بأن «العملية الإنسانية» هي شكل جديد من أشكال الاستخدام العسكري التي تجمع بين الإجراءات لسحب المدنيين في الوقت نفسه من منطقة القتال وقمع المقاومة. وعلى الرغم من عدم تحدث أحد رسمياً عن الشركات العسكرية الخاصة، فقد كان واضحاً لجميع الخبراء أن المرتزقة هم أيضاً عنصر مهم في فهم موسكو لأساليب الحرب غير المتكافئة.

من الواضح أن الكرملين، ومن دون أي وثائق تنظيمية، كان من الممكن أن يتدخل في الحرب الأهلية في سوريا ويشترك في أعمال شغب بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، ساعياً إلى نوع من الضمانات من حلف شمال الأطلسي (الناتو). الأهم من أي شيء، لم تمنع النسخة السابقة من العقيدة العسكرية، موسكو من ضم شبه جزيرة القرم، لكن العقيدة العسكرية وعدد من الوثائق الأخرى هي نتيجة الإدراك الذاتي للنخبة الحاكمة للمصالح الوطنية القائمة بشكل موضوعي.
نصّت العقيدة بوضوح على أن الهدف في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي هو الحوار على قدم المساواة. وهذا بالضبط ما سعى إليه الكرملين بالتدخل في حربي سوريا وليبيا للتغلب على عزلة العقوبات. وهذا ما يفعله الآن بالقرب من حدود بولندا وأوكرانيا وبإصرار مجنون لفرض رؤيته لهيكلية أمنية أوروبية على «الناتو». فالنجاحات السابقة في الجمع بين الحربين في سوريا ودونباس تلهم موسكو لاتخاذ خطوات جديدة لإصدار الإنذارات ليس فقط لخصومها التقليديين، بل أيضاً لشركائها مثل بيلاروسيا وكازاخستان.
هل هناك علاقة للكرملين بين الملفين السوري والأوكراني؟ هناك آراء بأن الطيران الروسي يزيد من حدة الضربات على إدلب، اعتماداً على درجة تورط تركيا في الملف الأوكراني. وثمة سابقة لتوحيد مسارح عدة للعمليات العسكرية إبان حرب قره باغ عندما قصف الجانب الروسي بمصادفة غريبة مجموعات معارضة في سوريا ضالعة في الصراع في جنوب القوقاز. وعلى الرغم من ذلك، هناك حجج ضد هذا الطرح. فالقيادة الروسية في سوريا تعمل وفقاً لمنطقها الخاص، ولا يحتاج الكرملين إلى التوصل إلى مجموعات وإرسال إشارات لا لبس فيها إلى أنقرة، التي زوّدت كييف بالفعل بطائرات من دون طيار.
شيء آخر هو أنه فيما يخص التخطيط العسكري، فإن القرم وسوريا مرتبطان لوجيستياً، لكن الشيء الرئيسي هو أن القواعد الروسية في طرطوس وحميميم هي عنصر أساسي في الدفاع عن شبه الجزيرة والحدود الغربية للبلاد. ويقلل الاستخدام النشط لهذه المرافق من منطقة تمركز الأسطول السادس للولايات المتحدة لضربة افتراضية من شرق البحر الأبيض المتوسط. بالنظر إلى فهم موسكو لمهام الدفاع النشط، فإن الكرملين يعمل بشكل منهجي على إنشاء مركز متقدم في حميميم لنقل الأفراد العسكريين والمرتزقة إلى أفريقيا وفنزويلا، وتثبيت قاذفات قنابل نووية من طراز «Tu - 22M3» ومقاتلات «MiG - 31K» بدقة عالية وصواريخ بعيدة المدى.
فتح إنهاء معاهدة القوات النووية متوسطة المدى الباب لروسيا لنشر أنظمة أرضية عالية الدقة في سوريا بسرعة إلى حد ما إذا تم تكييف صواريخ كروز طويلة المدى المضادة للسفن مع الأنظمة الأرضية. ويواصل الجيش الروسي أيضاً تحويل منشأة طرطوس إلى قاعدة كاملة. وبقدر ما هو معروف، وفي أوقات مختلفة، قامت وزارة الدفاع بنشر «حيوانات قتالية » في مياه طرطوس لإجراء تدريبات لمكافحة التخريب. في السابق، وبسبب التكلفة العالية، كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة التي كانت قادرة على إحضار الدلافين القتالية إلى البحر الأسود لإجراء التدريبات.
وبالتالي، فإن التوسع المتعمد للتأثير الروسي مقترناً بأساليب الحرب غير التقليدية تم تحديده في الوثيقة المفاهيمية، والتي تستبعد بحد ذاتها التدخل الفوضوي لتحقيق ميزة تكتيكية. ومع ذلك، لا ينبغي للمرء أن يبالغ في تقدير البصيرة الاستراتيجية للكرملين وأفق التخطيط العسكري الروسي. على سبيل المثال، أصبحت موسكو نفسها رهينة للأنشطة الموسعة لمجموعة «فاغنر »؛ لأنها غير قادرة على السعي للحصول على ضمانات دون تدخل القوة «الدبلوماسية الموازية».
في الواقع، فإن توقف بناء القاعدة في السودان وعدم اليقين بشأن مستقبلها يرجع إلى حقيقة أن المفاوضات حول المنشأة العسكرية الرسمية كان يقودها في البداية أشخاص مرتبطون بـ«مجموعة فاغنر». بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الخرطوم إلى الاستثمار، وليس العسكرة المثيرة للجدل؛ مما يعني خلق تهديدات إضافية للولايات المتحدة وحلفائها العرب.
وضع مشابه يميز ليبيا، حيث إن التسوية السياسية تعادل فعلياً المرتزقة السودانيين والروس، الذين يتعين عليهم مغادرة البلاد. وعلى الأرجح، تود وزارة الدفاع أن يكون لديها منشآت هنا؛ إذ ستسمح لها، جنباً إلى جنب مع التواجد في حميميم، ببسط قوتها في منطقة قناة السويس. لكن لإضفاء الطابع المؤسسي على وجودها العسكري، ستحتاج موسكو على الأقل إلى الدخول في اتفاقيات رسمية أحادية الجانب مع السلطات في شرق ليبيا حتى يتمكن الجيش من العمل رسمياً مع مدربين مدنيين.
بشكل عام، يحاول الكرملين الاستفادة القصوى من رأس الجسر الذي تم إنشاؤه في سوريا لتوسيع نطاق العمليات وإزعاج «الناتو ». لدى المرء انطباع بأن موسكو قد استسلمت بالفعل لحقيقة أنه بسبب إصرار النظام السوري، فإنه لا يمكنه تقليد الإصلاحات السياسية وجذب المستثمرين لإعادة إعمار سوريا؛ لذلك يعتقد الكرملين أن فوائد الوجود العسكري لا تزال قائمة وتتخطى كل الخسائر التي تلحق بالسمعة.
 



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.