مؤلف «القوة السوداء» لـ {الشرق الأوسط}: ذهبت إلى سوريا 18 مرة.. والمحصلة مؤسس «داعش» ضابط مخابرات عراقي

قال إن حاجي بكر أهم استراتيجي في التنظيم اختار البغدادي لـ«الخلافة».. والوثائق السرية على أوراق وزارة الدفاع السورية

«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
TT

مؤلف «القوة السوداء» لـ {الشرق الأوسط}: ذهبت إلى سوريا 18 مرة.. والمحصلة مؤسس «داعش» ضابط مخابرات عراقي

«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)
«داعش» من إصدار ولاية الرقة («الشرق الأوسط»)

كشف الصحافي الألماني كريستوف رويتر الذي أكد عبر وثائق مكتوبة بخط اليد في مجلة «دير شبيغل» الألمانية أمس أن ضابطًا سابقًا في جيش صدام حسين كان أهم مخطط استراتيجي في تنظيم داعش، خطط لتعيين أبو بكر البغدادي خليفة لـ«داعش»، يدعى سمير عبد محمد الخلفاوي، وكنيته حجي أبو بكر وهو ضابط سابق في استخبارات البعث العراقي الجوية، عمل بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق مع النظام السوري لزعزعة أمن واستقرار العراق. وقال رويتر عبر أسئلة وجهتها إليه «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني ثم تحدثت إليه هاتفيًا إن كتابه «القوة السوداء» باللغة الألمانية الذي صدر أمس، يتعرض لنشأة تنظيم داعش في سوريا والعراق، جاء بعد زيارات متكررة إلى سوريا لنحو 18 مرة في ظروف مختلفة منذ انطلاق الثورة السورية، وجاري ترجمته حاليا إلى الإنجليزية، كما يجري البحث عن ناشر في أحد العواصم الغربية، وسيتم نشره في 350 صفحة. وقال إن «داعش» في بداية نشأته لم يكن له علاقة بالإسلام، بل إن مؤسسيه ضباط مخابرات من قلب البعث العراق، واختير أبو بكر البغدادي لزعامته بسبب توجهاته الدينية لجذب المتطرفين إليه المنطقة، وكذلك المقاتلين الأجانب من الخارج.
الصحافي كريستوف رويتر تدرب على خطوط النار وعمل في منطقة الشرق الأوسط لأكثر من 20 عاما، وأرسل تقارير إخبارية من أكثر من عاصمة تشهد حالة من الحرب في العراق ما بين 2003 و2004، وكذلك أرسل العشرات من التقارير من العاصمة الأفغانية كابل ما بين 2008 و2011 حسب حديثه لـ«الشرق الأوسط» أمس.
وقال رويتر إن إعداد الكتاب استغرق نحو أكثر من ثلاثة شهور من كتابة وتدقيق في الوثائق المهمة الذي حصل عليها، دون أن يكشف كيفية الحصول عليها، ويتعرض «القوة السوداء» عبر الوثائق المكتوبة بخط اليد على أوراق تابعة لوزارة الدفاع السورية، إلى ضابط هو سمير عبد محمد الخليفاوي المعروف باسم حاجي بكر، وهو عضو سابق في المجلس العسكري لتنظيم داعش والذي على ما يبدو قتله الجيش السوري الحر في تل رفعت بشمال سوريا في يناير (كانون الثاني) 2014
وكشف الصحافي كريستوف رويتر بكر قرر وقادة آخرون في التنظيم إعلان أبو بكر البغدادي خليفة له لأنه يتمتع بالكاريزما المطلوبة ويوحي لأفراد التنظيم بأنه صورة دينية ملتزمة مع أنه في الحقيقة غير ذلك».
وكان بكر عقيدًا سابقًا في مخابرات سلاح الجو العراقي في عهد صدام حسين، حسب المجلة التي قالت إنها استندت في معلوماتها على وثائق صاغها بكر وحصلت عليها بعد مفاوضات طويلة مع مقاتلي المعارضة السورية في حلب. وكتب كريستوف رويتر من قبل عدة تقارير عن مذبحة الحولة عام 2012، روى فيها الناجون من في محافظة حمص السورية لحظات الخوف والهلع التي عاشوها واتهموا قوات الأمن الحكومية باقتحام منازلهم وقتل أفراد عائلاتهم. وأوضح هؤلاء أن بعضهم اختبأ في أماكن بعيدة عن أنظار القوات السورية بينما تظاهر البعض الآخر بأنهم موتى.
وتبدأ قصة مجموعة الوثائق حينما كان تنظيم داعش في بداياته. عندما سافر المواطن العراقي حاجي بكر إلى سوريا كجزء من تقدم طفيف في عام 2012، كانت لديه خطة سخيفة على ما يبدو: احتلال «داعش» لأكبر مساحة يمكن احتلالها في سوريا. ثم، استخدام سوريا بمثابة رأس للجسر، نحو غزو العراق.
ونزل بكر في منزل غير معروف في تل رفعت، إلى الشمال من حلب. وكانت البلدة اختيارا جيدا. في الثمانينات، كان كثير من سكانها قد سافروا للعمل في دول الخليج، وتتحول البلدة إلى معقل لـ«داعش» في حلب، مع وجود المئات من المقاتلين هناك.
وكان هناك في تلك البلدة حجي بكر حيث عمد «سيد الظلال»، كما أطلقوا عليه لاحقا، إلى رسم هيكل تنظيم داعش، وصولا إلى المستويات المحلية، والقوائم المتجمعة ذات الصلة بالتدخلات التدريجية في القرى وتحديد من يشرف على من وباستخدام قلم من الحبر الجاف، رسم تسلسلات القيادة في الجهاز الأمني على الورق كما يبدو في الوثائق التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» عبر «دي شبيغل». ورغم أنها يُفترض أن تكون من قبيل المصادفة، إلا أن تلك الورقة كانت من الأوراق التابعة لوزارة الدفاع السورية وحملت ترويسة الإدارة المسؤولة عن المساكن والأثاث.
وكان ما رسمه بكر على الورق وباتت اليوم صفحة بصفحة وثائق مهمة تبحث عنها أجهزة الإعلام وكذلك المعنيين بشؤون الاستخبارات، عبارة عن مربعات تحدد المسؤوليات الشخصية، ليست أكثر من مخطط للاستيلاء. لم تكن رسالة إيمانية، ولكن خطة دقيقة من الناحية الفنية لتنظيم داعش، أي الخلافة التي يشرف عليها تنظيم يشبه جهاز الاستخبارات الداخلية سيء السمعة بألمانيا الشرقية (شتاسي).
ودخل ذلك المخطط حيز التنفيذ بدقة بالغة في الشهور التالية. وكانت الخطة دائما ما تبدأ بنفس التفاصيل: تجند الجماعة التابعين تحت ذريعة افتتاح مكتب للدعوة، وهو مركز دعوة للدين الإسلامي. ومن بين أولئك الذين يأتون للاستماع للدروس حول الحياة الإسلامية، يجري اختيار رجل أو رجلين ويكلفان بالتجسس على قريتهما والحصول على مجموعة واسعة من المعلومات. وتحقيقا لذلك الهدف، كان حاجي بكر يجمع القوائم على غرار ما يلي:
* قائمة بالعائلات ذات النفوذ
* أسماء الشخصيات القوية داخل تلك العائلات
* معرفة مصادر دخولهم
* معرفة أسماء وأحجام الألوية المتمردة في القرية
* معرفة أسماء قادتها، ومن يسيطر على الألوية وتوجهاتهم السياسية
* معرفة أنشطتهم غير القانونية (وفقا للشريعة الإسلامية)، والتي يمكن استغلالها لابتزازهم إذا لزم الأمر
وضمن الوثائق، قال بكر: «سوف نعين أذكى الشخصيات في مناصب شيوخ الشريعة. سوف ندربهم لفترة من الوقت ثم نرسلهم للعمل»، وأضاف يقول إن الكثير من «الإخوة» سوف يجري اختيارهم في كل بلدة للزواج من بنات العائلات الأكثر نفوذا، حتى يمكن «ضمان اختراق تلك العائلات من دون معرفتهم».
وكان على الجواسيس معرفة كل ما يمكنهم عن البلدات المستهدفة: من يعيش هناك، من المسؤول، أي العائلات تتمتع بقدر من التدين، وإلى أي مذهب من المذاهب الإسلامية ينتمون، كم عدد المساجد هناك، ومن الأئمة فيها، وكم عدد زوجاته وأولاده، وكم تبلغ أعمارهم. وتضمنت تفاصيل أخرى حول فحوى خطب المساجد، وما إذا كانت أكثر انفتاحا على الفكر الصوفي، أو التفسير الباطني للإسلام، سواء اتخذت جانب المعارضة أو النظام، وما موقفه حيال الجهاد. كما أراد بكر إجابات حول أسئلة مثل: هل يتلقى الإمام راتبا؟ وإذا كان، فمن يدفع له راتبه؟ من يقف وراء تعيينه؟ وأخيرا: كم عدد الأشخاص في القرية ممن يؤيدون الديمقراطية.
وتظهر الوثائق أساليب دولة مخابراتية شديدة الذكاء تعتمد على عمليات التجسس والمراقبة والاغتيالات. وتتضمن التخفي بالعمل تحت مظلة مكتب للدعوة الإسلامية، يتم من خلاله إرسال جواسيس متنكرين في هيئة دعاة إسلاميين إلى البلدات والقرى في شمال سوريا. وكان على هؤلاء الجواسيس معرفة ميزان القوى، ونقاط الضعف في الأماكن المعنية. وفي الخطوة اللاحقة تأتي عمليات اغتيال للقيادات ذات الكاريزما، ولقادة الثورة، من خلال وحدات أُنشئت خصيصا للقتل والاختطاف، من أجل القضاء على المعارضة المحتملة مبكرا. ثم تأتي بعد ذلك عملية الهجمات العسكرية بالمحاربين والسلاح مدعومة من قبل «خلايا نائمة»، بحسب موقع مجلة «دير شبيغل أونلاين».
وتكشف الوثائق التي تنشر اليوم، أن القائد السابق ومالك الأوراق المكتوبة بخط اليد، حمل اسما حركيا هو «الحاج بكر»، وأنه رحل إلى سوريا عام 2012 وأصبح مسؤولا عن تولي السلطة في الأماكن التي سيطر عليها «داعش»، قبل أن يقتل خلال معارك في تل رفعت بريف حلب عام 2014. أما كيف وصلت هذه الوثائق إلى يد المعارضة السورية، فقد حدث أنه عندما انتصر لواء التوحيد «الجيش الحر» في معركة تل رفعت (ريف حلب)، دخل عناصره إلى منزل الخلفاوي، وعثروا فيه على الملف التأسيسي لـ«داعش». وقد تمكنت الصحيفة الألمانية من وضع يدها على 31 صفحة من الكتابات والرسوم والجداول، التي تشرح كيفية بناء «داعش» وطريقة العمل بين مؤسساتها، بعد أن تم تهريب واحدة من الصفحات أولا إلى تركيا، واطلعت عليها المجلة، واختبرتها، وتأكدت من خلال خبراء أنها مهمة جدا.
وأشارت الصحيفة إلى أن الكثير من المقاتلين الأجانب الذين تدفقوا إلى سوريا لمحاربة الأسد، فوجئوا بأن «داعش» يقاتل فقط الجيش الحر والمعارضين المعتدلين. وأن الكثير من هؤلاء الأجانب تمت تصفيتهم لدى محاولتهم الفرار أو الانقلاب على التنظيم بعد اكتشافهم حقيقته. وكانت الخطة تقضي باحتلال أراض عراقية بعد ترسيخ أقدام التنظيم في سوريا لإعطائه طابع الإرهاب العالمي، والسيطرة على بعض موارد النفط التي كان النظام السوري بحاجة إليها، ولم يكن يحصل عليها من أكراد العراق»..
وتقول الصحيفة الألمانية، إن «الحاج بكر وقادة آخرين في التنظيم، قرروا إعلان أبو بكر البغدادي خليفة للدولة، لأنه يتمتع بالكاريزما المطلوبة، ويوحي لأفراد التنظيم بأنه صورة دينية ملتزمة، مع أنه في الحقيقة غير ذلك».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».